بعد سنوات من الجفاء، تشهد إيران إقبالاً واسعاً من الشركات الأوروبية التي تستبق الباب وتتزاحم للدخول إلى داخل البلاد، فيما يلاحظ بشدة غياب الشركات الأميركية عن هذا التهافت.
منذ رفعت العقوبات بموجب الاتفاق النووي الذي تم بين إيران والقوى العالمية العظمى عام 2015، أبرمت العشرات من صفقات مشاريع التطوير والتنمية، منها صفقة بيجو ورينو الفرنسيتين لصناعة السيارات، ومنها أيضاً اتفاق مجموعة فودافون البريطانية التي ستتعاون مع شركة إيرانية لتجهيز البنى التحتية لشبكات الاتصالات؛ كذلك وقعت شركات نفطية كبرى منها Royal Dutch Shell الهولندية اتفاقات مبدئية لتطوير موارد الطاقة، فيما دخلت أيضاً شركات عملاقة في عالم البنى التحتية مثل سيمنز الألمانية في اتفاقيات لتنفيذ مشاريع ضخمة، حسب تقرير نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأميركية.
والعام الماضي 2016 حصلت بوينغ الأميركية ومقرها شيكاغو، على الضوء الأخضر لتباشر بيع 80 طائرة لإيران بقيمة 16.6 مليار دولار، لكن فيما عدا ذلك يلاحظ أن الاتفاقات مع الشركات الأميركية قليلة ومتباعدة.
فاثنتان من أكبر شركات تصنيع السيارات في العالم، ألا وهما فورد وجنرال موتورز ما زالتا تتحاشيان إيران منذ عقد الاتفاق النووي؛ فقد قالت متحدثة باسم شركة فورد أن الشركة تتقيد بأحكام القانون الأميركي وليس لديها تعامل تجاري مع إيران؛ أما شركة جنرال موتورز فقال متحدثها توني سيرفوني أنها تركز “على أسواق أخرى وفرص أخرى”.
انتهزت بيجو الفرنسية هذه الفرصة، فقال رئيس مبيعاتها في الشرق الأوسط جان-كريستوف كويمار إن دخول بيجو المبكر جعلها تتفوق على منافسيها الأميركيين، وقال الشهر الماضي فبراير/شباط 2017 “إن هذه هي فرصتنا للإسراع”.
خسارة أميركية
بهذا يقول خبراء أن الشركات الأميركية تجازف بخسارة صفقات مربحة تكون من نصيب المبكرين في اقتحام سوق إيران الصاعد الذي قوامه 80 مليون نسمة، فالشركات الأوروبية والآسيوية تتهافت كي تحظى بفرصة سانحة للتفوق على منافسيها الأميركيين المتقاعسين في حذر. لكن المرجح أن الشركات الأميركية بدخولها المتأخر لن تواجه مصاعب في التعلم من الأخطاء في مواجهة المخاطر السياسية والمصاعب البيروقراطية في إيران.
وكانت شركة آبل الأميركية وفق ما قالته مصادر مطلعة قد درست فرص دخول إيران بعدما سمحت إدارة أوباما بتصدير أجهزة الاتصالات الشخصية إليها عام 2013؛ إلا أن الشركة أحجمت عن ذلك نظراً لمشاكل قانونية ومصرفية حسب ما قالته المصادر المطلعة؛ أما الشركة نفسها فرفضت التعليق على الموضوع.
وعادة ما تحتاج الشركات الأميركية لإذن خاص من وزارة الخزانة الأميركية كي تمارس العمل التجاري مع إيران، ومن التعقيدات الإضافية التي تقف في وجه الشركات الأميركية أن الرئيس دونالد ترامب هدد في أثناء حملته الانتخابية بفسخ الاتفاق النووي الإيراني، كما استهل توليه رئاسة البلاد بفرض عقوبات جديدة على البلاد. ويوم الأحد 26 مارس /آذار 2017 فرضت إيران بدورها عقوباتها الخاصة على 15 شركة أميركية معظمها شركات في مجال الدفاع.
وكان الاتفاق النووي قد أدى عام 2016 إلى رفع طيف من العقوبات التي كانت مفروضة من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، حيث كانت هذه العقوبات تمنع تصدير إيران للطاقة وتقيد الاستثمار الأجنبي فيها؛ أما في مقابل رفعها، وافقت طهران على وقف برنامجها النووي. لكن الجدير بالذكر هو أنه رغم إعفاء الأغذية والأدوية والمنتجات الزراعية من العقوبات الأميركية، إلا أن المنتجات الأميركية تتوفر في إيران فقط عبر شركات أجنبية فرعية تابعة أو عبر مستوردين من طرف ثالث.
أما مجموعة بيجو، المعروفة رسمياً باسم Groupe PSA SA، فتسعى لتحقيق رقم إنتاجي سنوي يصل 200 ألف سيارة في إيران بحلول العام المقبل 2018 بالتعاون مع شريكتها الإيرانية “إيران خودرو” بعدما وقعت الاثنتان اتفاق مشروع استثماري مشترك في يونيو/حزيران 2015 بقيمة 400 مليون يورو (432 مليون دولار). وبالفعل وصلت لتوها وتيرة مبيعات بيجو ورينو في إيران إلى أكثر من الضعف، ففي فبراير/شباط 2017 باعت رينو 15230 مركبة في إيران، أي بمعدل زيادة 175% عن العام السابق.
ولطالما حظيت الشركات الآسيوية التي معظمها صيني بوجود متنامٍ في إيران حتى حينما كانت البلاد ترزح تحت العقوبات؛ والبعض منها رفع من وتيرة نشاطاته منذ الاتفاق النووي، مثل شركة الصين الوطنية للبترول China National Petroleum Corp التي جمعها اتفاق تمهيدي بشركة توتال الفرنسية لتطوير حقل غاز إيراني كبير في نوفمبر/تشرين الثاني 2017.
وفي زيارة مؤخراً وفي أكبر فنادق طهران غصت القاعات وصالات الاستقبال بالأجانب المتجمهرين في اجتماعات لخطب ود شركاء إيرانيين قد تجمعهم بهم صفقات شراكة؛ ففي فبراير/شباط 2017 عقد مؤتمرٌ لمصنعي السيارات غصّ بالحضور الذين استقطبهم، وكان أبرزهم كبار الإدارة في بيجو ورينو وستروين؛ كذلك في اليوم نفسه كان رئيس الوزراء السويدي يزور معمل مركبات “سكانيا” للشحن غرب العاصمة بعدما أبرمت الشركة صفقة لتزويد إيران بـ 1350 حافلة وباصاً.
لقد اجتذبت إيران انتباه قطاع عريض من المستثمرين يذهب حده إلى أبعد من صانعي السيارات، فهناك شركات تبيع كل ما يخطر في الذهن، من توربينات الغاز وحتى تقنيات الحفر والتعدين في البلاد.
11 مليار دولار
وقفز مقدار الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي وافقت عليها الحكومة العام الماضي 2016 إلى ما يربو على 11 مليار دولار وفق الأرقام الرسمية مقارنة بـ1.26 مليار عام 2015. وقال بيدرام سلطاني نائب رئيس غرفة تجارة إيران أن أكثر من 200 وفد لشركات أجنبية قد زار إيران منذ سريان مفعول الاتفاق النووي.
ويقول غدير قيافه، المدير التنفيذي في صناعة الحديد الصلب الإيرانية والذي يدرس فرص شراكة مع شركات جنوب أميركية وأوروبية “إننا نرى ما يحدث في الولايات المتحدة وتعليقات ترامب؛ لكن رجال أعمالنا لا يلقون بالاً لذلك.”
لكن الشركات الأجنبية ما زالت تواجه عقبات كؤودة لكي تمارس التجارة في إيران، فإيران تحتل المرتبة الـ 131 من 171 دولة في الفساد وفق تصنيف منظمة الشفافية الدولية Transparency International لعام 2016، كما تعاني البلاد من مشاكل اقتصادية كبرى كالبطالة المرتفعة والنظام المصرفي المكبّل بالقروض السيئة.
البنوك تتخوف
أما البنوك الدولية الضخمة فتبقى غير متحمسة لإعادة بناء العلاقات مع إيران رغم الاتفاق النووي، وإعراضُها هذا جعل من نقل وتحويل الأموال من وإلى البلاد معضلة فيها تحدٍ.
فالبنوك الغربية مثل Standard Chartered PLC و BNP Paribas SA و Credit Suisse Group AG رفضت عموماً تولي التعاملات البنكية في تحويل الأموال إلى إيران خيفة الغرامات التي قد تلحقها بحجة التعارض مع العقوبات المصرفية المتبقية. وقد حاولت بنوك صينية وأخرى أوروبية صغيرة أن تقف لتسد ذاك الفراغ، إلا أن العديد من الشركات تظل قلقة من البيئة التنظيمية.
ثمة مديرو أصول أوروبية أصغر حجماً جمعتهم شراكات مع شركاء إيرانيين لإطلاق أسهم و صناديق استثمار خاصة تستهدف المستثمرين الأجانب؛ فشارلمان كابيتال Charlemagne Capital على سبيل المثال هي شركة بريطانية متخصصة في إدارة الأسواق الصاعدة والحدودية، تشاركت في أبريل/نيسان 2016 مع Turquoise Capital الإيرانية لإطلاق صناديق استثمارية موجهة لإيران؛ أما السماسرة ومديري الأصول الأميركية فنأوا بأنفسهم عن هذا السوق.
غير أن بعض الشركات الضخمة متعددة الجنسيات –ومنها عمالقة بنى تحتية وشركات نفط رئيسية- يترقبون عن كثب الوضع في الولايات المتحدة ويبقون أعينهم مفتحة على رئيسها الجديد لئلا ترجع العقوبات وتفرض من جديد على إيران؛ فشركات Shell وTotal و OMV AG النمساوية جميعها وقعت مذكرات تفاهم لصفقات في إيران، لكن يتبقى لها إتمام البنود.
وفي فبراير/شباط 2017 قال المدير التنفيذي لتوتال الفرنسية، باتريك بويانيه، إن الشركة ستنتظر حتى اتضاح الرؤية لدى إدارة ترامب قبل إتمام صفقة استثمارية قيمتها 4.8 مليار دولار في حقل غاز بارس الواقع على الساحل الجنوبي للبلاد.
لكن العديد من الشركات الأجنبية تجد النمو في إيران أمراً يصعب تجاهله.
فصندوق النقد الدولي IMF قدّر نمو اقتصاد البلاد مؤخراً بمقدار 7.4% في النصف الأول من السنة المالية الإيرانية التي انتهت هذا الشهر، حيث أظهر الاقتصاد تعافياً من هبوط أصابه العام الماضي؛ كذلك في الوقت نفسه أدى ارتفاعٌ في الطلب إلى رفع الإنفاق الاستهلاكي في طهران ليصل 5240 دولاراً لكل نسمة حتى الآن في عام 2017، أي بمقدار زيادة نسبتها 11% مقارنة بعام 2016 وفق ما قالته شركة الأبحاث اللندنية Planet Retail.
خلاصة القول بالنتيجة هي أنه حتى في حال وجود طلب على المنتجات الأميركية، فإن أغلب السوق الإيرانية ذهبت من نصيب الشركات الأوروبية والآسيوية.
يقول محسن كريمي، وهو مدير للمبيعات في شركة إيران خودرو، مصنع السيارات المحلي في البلاد الذي عقد شراكة مع بيجو: “إن السوق الآن أكثر تنوعاً بوجود السيارات الصينية، ونحن ندرك أهمية إرضاء الزبائن”. وكانت خودرو قد باعت العام الماضي 2016 كل إنتاجها من السيارات، وأضاف كريمي أن الشركة الآن متأخرة في جدول التزاماتها بالتسليم للبيع المقدم.
وكحال العديد من سكان طهران أراد علي رضا أنيسة لأول سيارة يشتريها أن تتميز وتتفرد في مشهد شوارع البلاد المملوءة بالموديلات الإيرانية غير ذات الانسيابية وذات التصميم الشبيه بصندوق؛ يقول الشاب الذي يبلغ 24 سنة من العمر أنه يميل لشراء تويوتا كورولا أو كامري، بيد أن حلمه هو امتلاك فورد فوكاس.
ويختم بالقول “من لا يحب السيارات الأميركية؟”
هذا الموضوع مترجم عن صحيفة Wall Street Journal الأميركية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.