مذبحة جديدة للقضاة.. هكذا وصف عشرات القضاة في مصر إقرار مجلس النواب، الإثنين 27 مارس/آذار 2017، تعديلات تشريعية على قوانين السلطة القضائية، تعطي لرئيس الجمهورية سلطة اختيار جميع رؤساء الجهات والهيئات القضائية باستثناء رئيس المحكمة الدستورية العليا، من بين 3 مرشحين تختارهم المجالس العليا لكل جهة من بين أقدم 7 نواب للرئيس.
وأطاح التعديل بقاعدة الأقدمية المتعارف عليها في تعيين رؤساء الهيئات القضائية بمصر منذ عشرات السنين، والتي بموجبها تقتصر سلطة رئيس الجمهورية في التصديق على اختيار الجمعية العمومية لمستشاري الجهة أقدم مستشار بها لرئاستها.
وتواصَل نادي القضاة مع رئاسة الجمهورية؛ لتحديد موعد مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لنقل اعتراض القضاة على مشروع القانون، الذي يرون أن إصداره بهذه السرعة يعد بمثابة «إهانة» للقضاة يجب الاعتذار عنها. وقال قضاة إن القانون يخالف الدستور الذي ينص على مبدأ استقلال القضاء، وإن الإصرار على تمرير القانون من شأنه إحداث أزمة كبيرة، كما أعلن مجلس إدارة نادى قضاة مصر أنه في حالة انعقاد دائم؛ لمواجهة مشروع القانون.
كيف مرر البرلمان هذه التعديلات؟
“بسرعة الصاروخ، أعد وناقش ووافق البرلمان على قانون السلطة القضائية الجديد”. هكذا بدأ المستشار وائل فرحات، المتحدث الرسمي لنادي قضاة مجلس الدولة، حديثه، مضيفاً لـ”عربي بوست” أن “أحد نواب البرلمان سبق أن اقترح نهاية شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي، القانون، واعترض غالبية قضاة مصر عليه، وأرسل رئيس مجلس الدولة خطاباً إلى البرلمان مؤكداً عدم جواز تدخل السلطة التشريعية في استقلال القضاء. ورفض في رسالته تمكين رئيس الجمهورية من اختيار رؤساء محاكم النقض والإدارية العليا، بدلاً من القضاة أنفسهم”.
وأضاف فرحات: “اللجنة التشريعية في البرلمان استجابت للقضاة وأعلنت في 14 مارس الجاري تعليق مناقشة القانون.. ولكن، فوجئنا الأحد بإدخال النائب أحمد حلمي الشريف تعديلات على قانونه المقترح، وعرضها على اللجنة التشريعية، ثم بموافقة اللجنة التشريعية على التعديلات الإثنين، ثم بموافقة البرلمان على القانون أيضاً!”.
وكان مجلس القضاء الأعلى قد أعلن في 12 مارس الجاري رفضه مشروع القانون بإجماع الآراء؛ لتضمنه مساساً باستقلال القضاة.
ما الذي تغيره هذه التعديلات في القضاء المصري؟
بموجب التعديلات التي وافق عليها البرلمان الإثنين، تُعدل قوانين المجلس الأعلى للقضاء ومجلس الدولة وهيئة النيابة الإدارية وقضايا الدولة، لتنص على أن يُعيَّن رؤساء الهيئات والجهات الأربع بقرار من رئيس الجمهورية من بين 3 من نواب الرئيس في كل جهة، يرشحهم المجلس الأعلى للهيئة من بين أقدم 7 نواب لرئيس الهيئة، وذلك لمدة 4 سنوات، أو المدة الباقية لبلوغه سن التقاعد، 70 عاماً، أيهما أقرب ولمرة واحدة طوال مدة عمله. ويجب إبلاغ رئيس الجمهورية أسماء المرشحين قبل نهاية مدة رئيس الهيئة بـ60 يوماً على الأقل.
وفى حال عدم تسمية المرشحين قبل انتهاء الأجل المذكور فى الفقرة السابقة، أو ترشح عدد يقل عن 3، أو ترشيح من لا تنطبق عليه الضوابط المذكورة فى الفقرة الثانية، يعيِّن رئيس الجمهورية رئيس الهيئة من بين أقدم 7 من نواب رئيس الهيئة.
هل هي تعديلات لإبعاد دكروري وعمارة؟
“نريد الأكفأ وليس الأقدم”.. يحدد مقترِح القانون أحمد حلمي الشريف لـ”عربي بوست” الهدف من القانون، موضحاً أنه منذ أن أصبحت سن تقاعد القضاة 70 عاماً، ولوحظ أن كثيراً من المستشارين غير القادرين صحياً يترأسون الهيئات القضائية.
هذا التبرير يعتبره المستشار أحمد عبد الرحمن، نائب رئيس محكمة النقض الأسبق، حقاً يراد به باطل، “أهداف القانون سياسية بحتة، والبرلمان سلق القانون في أقل من 24 ساعة؛ من أجل إقصاء مستشارين اثنين فقط من رئاسة أهم محكمتين بعد المحكمة الدستورية العليا “.
وفسر عبد الرحمن بأنه “وفقاً لقاعدة الأقدمية، من المقرر أن يترأس محكمة النقض ابتداء من أول يوليو/تموز المقبل، المستشار أنس علي عبد الله عمارة، القاضي صاحب الموقف الذي سبق أن تنحي عن التحقيق في قضية مذبحة استاد بورسعيد في عهد الإخوان، برسالة مكتوبة أرسلها إلى رئيس محكمة استئناف الإسماعيلية أخبره فيها بأنه لن يخالف ضميره، ولن يكون أداة في يد رأس الدولة، فضلاً عن كونه صاحب أشهر أحكام لمحكمة النقض بإلغاء أحكام الإعدام خلال عام 2016، فهو صاحب الحكم بإلغاء حكم محكمة الجنايات بإعدام 149 متهماً في قضية اقتحام قسم كرداسة؛ لاستناده إلى تحريات ضابط بالأمن الوطني”.
من المقرر أيضاً، وفقاً لعبد الرحمن، أن يتولى رئاسة المحكمة الإدارية العليا بمجرد انتهاء العام القضائي الحالي بمصر في 30 يونيو/حزيران المقبل، المستشار يحيى راغب دكروري رئيس الجمعية العمومية لقسمي الفتوى والتشريع الحالي وصاحب الحكم الأشهر في تاريخ المصريين، بمصرية جزيرتي تيران وصنافير، وبطلان اتفاقية التخلي عنهما للسعودية.
كيف رد القضاء على التعديلات بالغضب؟
بينما أكد رئيس مجلس النواب، خلال مناقشة القانون في الجلسة العامة للبرلمان مساء الإثنين، أن البرلمان غير ملزَم برأي الجهات القضائية الرافضة للقانون؛ لأن الدستور نص على أخذ رأي الهيئات القضائية في مشاريع القوانين المتعلقة بها، ولم يلزم باتباع ما جاء في الرأي، إلا أن كثيراً من القضاة شككوا في اتفاق القانون مع الدستور، وخاصة المادة 185 الخاصة باستقلال القضاة.
ودعا نادي قضاة مصر أعضاءه إلى اجتماع عاجل يوم الأربعاء المقبل؛ لبحث آلية الرد على القانون.
في الوقت الذي أعلن فيه عدد من نواب البرلمان اعتراضهم على إصدار القانون، معتبرين رئيس البرلمان تعمد عرضه على الجلسة العامة في حضور عدد قليل من النواب بها.
التعديلات ليست نهائية حتى هذه اللحظة، فمن المقرر أن يرسل رئيس مجلس النواب الثلاثاء مشروع القانون إلى قسم التشريع بمجلس الدولة؛ لمراجعته وضبط صياغته، قبل إعادته إلى البرلمان للتصويت النهائي عليه، وإرساله بعد ذلك إلى رئيس الجمهورية للتصديق عليه، إيذاناً ببدء سريانه.
ويعول كثير من القضاة على عرقلة قسم التشريع بمجلس الدولة، الذي يرفض قضاته القانون، وإجراءات إصداره، بتأخير مناقشة القانون، إلا أن اللائحة الداخلية للبرلمان المصري تجيز لرئيس البرلمان إرسال القانون الذي يتأخر قسم التشريع في مراجعته أكثر من 30 يوماً إلى الرئاسة مباشرة ﻹصداره.