استقبلت ألمانيا أكثر من مليون لاجئ خلال العامين الأخيرين، في موجةِ لجوءٍ غيَّرت شكل أكبر اقتصاد أوروبي. لكن ما الذي نعرفه عن الأفراد الذين يشكّلون هذا التدفق الضخم؟
تحدثت صحيفة فايننشيال تايمز البريطانية مع 3 من أولئك اللاجئين وهم: أحمد السليمان، وعبدالعزيز دياب، ونذير وكيل، وكلهم سوريون فرَّوا من الحرب الأهلية في بلدهم ويحاولون الآن بدء حياة جديدة في ألمانيا.
تتابع فايننشيال تايمز كيفية اندماجهم في المجتمع الألماني وتعود إليهم بشكل دوري لمعرفة آخر مستجداتهم. هذا المقال هو الثالث في محاولة الصحيفة لفهم قصة كفاحهم.
عزيز دياب
لم يستسلم عزيز دياب لليأس، عندما رفض أحد المؤجِّرين تأجير غرفةٍ له، كونه سورياً، فما كان منه إلا أن أصر على أن يعقد معه لقاءً وجهاً لوجه.
دياب، الطالب ذو الـ21 عاماً، يشرح قصته: “قال لي إنَّ هناك الكثير من الأجانب يأتون إلى ألمانيا ويفسدون كل شيء. لكنَّني كنت أتساءل: كيف يمكنه الحكم عليَّ دون حتى أن يعرفني؟”.
كان اللقاء، الذي عُقِدَ في سيارة المؤجِّر، حاداً. سأل المؤجر، عزيز عن دينه (قال عزيز: نشأت في أسرة مسلمة، لكنني لست متديناً). وسأله عن كيفية دفعه للإيجار (فأجاب عزيز: سوف أدفع من أموال المنحة الدراسية التي أتلقاها). وبعد نصف ساعة، ظفر عزيز بالغرفة.
ليست محاولة التعامل مع هذا النوع من التمييز إلا واحدةً من العقبات الكثيرة التي تواجه اللاجئين. تشمل التحديات الأخرى محاولة فهم المحاضرات عن تصميم الآلات، والدائرة الإلكترونية، والبرمجة، والمقدمة، كلها بلغة لا يزالون يتعلمونها، ومحاولة فهم البيروقراطية الجامعية مستحيلة الفهم تقريباً، والتعرف على أصدقاء جدد في مدينة غريبة بالنسبة لهم. كل هذا في الوقت الذي يشتاق فيه إلى والديه وأخيه وأختيه المُحاصَرين جميعاً بسبب الحرب الأهلية السورية.
على الرغم من كل ذلك، فإنَّ قصة عزيز هي قصة نجاح. فقد حظى بمكانٍ بمعهد كارلسروه للتكنولوجيا، الذي يعد واحداً من أفضل جامعات ألمانيا، لدراسة هندسة الميكاترونيات -التي هي خليط من الميكانيكا، وتكنولوجيا المعلومات، والإلكترونيات- وذلك بعد عامين فقط من وصوله لألمانيا.
قُبِلَ عزيز في الجامعة بعد حصوله على أعلى الدرجات في امتحان اللغة الألمانية الذي خاضه، بالطبع لا يسع معظم اللاجئين سوى الحلم بمثل هذه النتيجة.
الآن، أصبح عزيز في شهره الخامس بالدراسة، ويقترب بخطواتٍ بسيطةٍ من تحقيق حلمه في العمل بشركة سبيس إكس للاستكشاف وتكنولوجيا الفضاء، المملوكة لإيلون ماسك.
وقال: “أتابع دائماً البث المباشر للعمليات التي يقومون بها في إطلاق الصواريخ وهبوطها”.
نذير وكيل الطبيب
وأحرز نذير وكيل، اللاجئ الثاني الذي تتابعه “فايننشيال تايمز”، تقدماً هو الآخر. فقد بدأ نذير، الذي كان طبيباً للعيون في اللاذقية، تدريباً للعمل ممارساً طبياً في بلدة بيسكو شرق ألمانيا، وهي الخطوة الأولى للحصول على وظيفة ملائمة في مجاله. مثَّلَت هذه الخطوة انفراجة كبيرة بعد شهور من الإحباط من البطالة القسرية، وتسويد استمارات التوظيف بغير جدوى.
تُظهر لنا قصتا عزيز ونذير أنَّ مستقبل اللاجئين السوريين الذين وجدوا ملاذاً آمناً في ألمانيا لهو مستقبل مشرق، فقد انتقل الكثير من أولئك اللاجئين من النزل المزدحمة، وصالات التدريب الرياضية، وأماكن الانتظار في المطارات التي كانوا يقيمون بها، إلى شققٍ سكنية.
قُبِلَ الكثيرُ منهم في برامج تدريبية ودورات تشتهر بها الصناعة الألمانية، أو بدأوا الدراسة في جامعات ألمانية، مثل عزيز. وتُظهِر لنا قصة نذير أنَّ المهنيين من الطبقة المتوسطة كانوا قادرين على شقِّ طريقٍ لأنفسهم -على الرغم من الصعوبات- وصولاً إلى سوق العمل.
لكنَّ ثمة جانباً آخر لهذه القصة. يواجه بعض القادمين الجدد سياسة جديدة متشددة من قِبل الشرطة قدمتها الحكومة الجديدة التي يقودها المحافظون، والواقعة تحت ضغطٍ لمواجهة حزب البديل من أجل ألمانيا، اليميني المتطرف والمعارض للاجئين.
قُوبل الكثير والكثير من الناس، خصوصاً من شمال إفريقيا، برفض طلبات اللجوء التي تقدموا بها. وأُعِيدَ الكثير والكثير من أولئك المرفوضين إلى بلادهم. وتُظهِر الأرقام الحكومية أنَّ الترحيل القسري زاد من 20 ألفاً و888 شخصاً في 2015 إلى 25 ألفاً و375 العام الماضي 2016. وتُمنَح بعض النقود التحفيزية لأولئك المستعدين للمغادرة طوعاً.
أحمد السليمان
أحد أولئك المهدَّدين بالترحيل هو أحمد السليمان، ثالث اللاجئين الذين تتابعهم “فايننشيال تايمز”.
قضية السليمان، الذي كان يعمل خبازاً في سوريا، تمثِّل مشكلةً كبيرة؛ لأنه مُنِحَ حق اللجوء في المجر، التي تُعد إحدى المحطات على طريق رحلته الملحمية عبر أوروبا، وتقول السلطات الألمانية إنه لو حصل شخصٌ ما على اللجوء مرة، فليس بإمكانه الحصول عليه مرة أخرى. نجد مكتوباً على بطاقة هوية السليمان، بالخط الأحمر، أنَّ عليه المغادرة.
السليمان واحد من 207 آلاف مهاجر إلى ألمانيا بحالته نفسها. يعيش السليمان في عالمٍ من الغموض، غير قادر على العمل أو الدراسة أو استئجار شقة. كل يوم يقضيه في ألمانيا قد يكون آخر أيامه هناك.
لكنَّ الحقيقة أنَّ ألمانيا، بشكلٍ عام، كانت غير ميَّالة إلى ترحيل اللاجئين إلى دولٍ أوروبية بعينها مثل المجر، حيث ظروف المهاجرين صعبة. وطبقاً لقانون جديد طُبِّقَ الأسبوع الجاري، سوف يتوجب على طالبي اللجوء أن يُحتَجَزوا في مناطقِ مرورٍ مُسوَّرة طول فترة النظر في استمارات اللجوء الخاصة بهم.
رُفِضَ آخر التماس تَقدَّم به السليمان أوائل العام الجاري، من قِبَلِ محكمةٍ إداريةٍ محلية. لكنَّ هذا الرفض لم يكن سوى رفضٍ مكتوب، ولذلك تطالب محاميته، أنيتا فولستر، بجلسة استماع شفاهية. وليست أنيتا شديدة التفاؤل بنتيجة هذا المسعى؛ إذ قالت: “لم يتغيَّر شيءٌ حقيقي في موقفِ أحمد. نظرياً، لا يزال خطر الترحيل قائماً”.
ويُذكِّر أحمد السليمان بشكل دوري بموقفه الضعيف. وقال: “كل 3 أشهور أذهب لتجديد تأشيرتي، وكل مرة يخبرني الموظف بأنَّ عليَّ أن أغادر، لكنه يعطيني تأشيرة جديدة على أية حال”.
ويعطي أحمد السليمان انطباعاً بالحزن، بمعطفه الجلدي، وسرواله الجينز الممزق، وسحابة دخان السجائر التي لا تفارقه. خصَّصَت السلطات له غرفةً في أحد الفنادق بنيوهاردنبرغ، وهي بلدة صغيرة شرق ألمانيا، لكنه يقضي معظم وقته هذه الأيام في برلين، مقيماً عند عددٍ من أصدقائه. وقال: “ليس لي في الحقيقة مكانٌ مُحدَّدٌ أعيش فيه. أنا دائماً أتنقل”.
لكنَّ حياة السليمان تتطوَّر في موضوعٍ واحد حاسم: تعلُّم الألمانية. ففي الوقت الذي مُنِعَ فيه من البرامج الرسمية التي تقدمها الدولة للاجئين، بدأ يحضر المزيد من الدروس غير الرسمية التي ينظمها متطوعون وسط برلين. ومع أنه يجد الألمانية صعبة إلا أنَّ هذه البرامج “تعتبر تطوراً، أفضل من لا شيء”.
أما باقي الوقت، فيمضيه مع أصدقائه، وهم سوريون، بعضهم من مدينته الرقة، التي أصبحت الآن عاصمة ما يُسمى خلافة داعش.
ويُعد مقهى كوتي في كروزبرغ واحداً من الأماكن المفضلة لهم، وهو حي شعبي تعيش فيه جاليةٌ تركية كبيرة. ولا يزال السليمان يحصل على دعمٍ حكومي بمقدار 320 يورو شهرياً، وهو مبلغ بالكاد يكفيه للحياة.
ومع أنَّ السليمان مُمتَنٌ لألمانيا؛ لأنها وفرت له ملاذاً آمناً، إلا أنه يتساءل أحياناً عن سبب حرصه الشديد على أن يأتي إلى هنا في المقام الأول.
وقال: “لو كنت أعرف أنني سأعلق في هذا الموقف بعد عامين، كنت سأبقى في تركيا”؛ وهي أول بلد وصل إليها بعد أن فرَّ من سوريا. وأضاف: “على الأقل، بإمكانك أن تعمل هناك وتؤجِّر شقةً، حتى حين لا يكون معك أوراق. أما هنا، فلا يمكنك فعل أي شيء”.
طبيب العيون، نذير وكيل، مرَّ هو الآخر بلحظاتٍ مُظلِمةٍ في ألمانيا. لكن بالنسبة له، فهذا الظلام يحل محله الآن أملٌ يقترب.
منذ 5 أشهر، كان وكيل يشعر بإحباط شديد، بعد أن اصطدم بعقبةٍ بعد أخرى في محاولاته الحصول على وظيفة. كانت كبرى العقبات: استمارة الحصول على رخصة لممارسة المهنة في ألمانيا، التي تتطلب عشرات الوثائق المصاحبة لها، ومن ضمن ذلك وثيقة صغيرة، من شبه المستحيل الحصول عليها، من شرطة اللاذقية، تفيد بعدم وجود سجل إجرامي له.
جَمَعَ نذير الوثائقَ أخيراً، وأرسلها بنجاح. بعد ذلك بحث عن عيادة عيون تقبله متدرباً. لم تكن هناك أية فرصة متاحة في فرانكفورت أو دير أودر، بلدته الحالية.
قال نذير: “شعرت بالإحباط؛ بل إنني فكرت في أن أعيد التدريب للعمل طبيباً للعيون. لكنَّ مركز العمل رفض قائلاً: محال!. أنت طبيب بالفعل”.
أخيراً، جاء الفرج. عَرَضَت عليه عيادة أسرية في بلدة بيسكو، التي تبعد عنه مسافة رحلة قصيرة بالقطار، مكاناً. ثم بعد أسبوعين من التدريب عرضوا عليه وظيفة دائمة ما إن تأتي أوراقه كاملة. وقال نذير: “شعرت بسعادة غامرة، وتغيَّر مزاجي تماماً”.
حالياً، ترعى العيادة محاولته الحصول على اعترافٍ ألمانيٍ بمؤهلاته التي حازها في ألمانيا، وهي عملية قد تستغرق شهوراً قليلة. لكنه لا يزال بحاجة إلى “تصديق” -أو رخصة لممارسةِ الطب هنا- وهي نتيجة ثمينة قد تستغرق 5 إلى 6 أعوام ليحصل عليها.
حتى ذلك الوقت، لن يكون بإمكانه إلا أن يعمل تحت إشراف طبيب ما. هل هذا أمر مهين لشخص عمل طبيباً للعيون 14 عاماً في سوريا ولديه عيادته الخاصة؟ أجاب نذير: “أبداً. لا أبالي بذلك. لا بد أن أعمل”.
وفي أثناء كل ذلك، الحياة جيدة. تُخطِّط زوجته، هبة، لبدء التدريب لتصبح مُدرِّسة حضانة، ما إن ينتهي برنامجها لدراسة اللغة الألمانية. أكبر طفليه، شادي (14 عاماً)، ومهند (11 عاماً) في المدرسة الآن.
أما طفلاه الأصغران، باسل (6 أعوام)، ووائل (3 أعوام)، فهما في الحضانة. كل أفراد أسرته مستقرون جيداً، ويتعلمون الألمانية بسرعة ويكوِّنون صداقات. وتتوقع هبة مولوداً خامساً في يونيو/حزيران 2017.
كان الطريق طويلاً، حافلاً بالمنعطفاتِ والطرقِ المسدودة. استغرق الأمر 11 شهراً ليحصل نذير على حق اللجوء، ولم يكن بإمكانه، طيلة هذا الوقت، أن يدرس أو يُحضِر أطفاله من سوريا.
وتلت ذلك شهورٌ أخرى من الإحباط عندما حاول الإبحار وسط البيروقراطية الطبية الألمانية، وتساءل أحياناً إن كان سيغدو بإمكانه أبداً أن يمارس مهنة الطب مرة أخرى.
ثم جاء التدريب في بيسكو ليكون نقطة تحول حقيقية. قال نذير: “للمرة الأولى أشعر حقاً بأنني سوف أنجح هنا”.
ـ هذا الموضوع مترجم عن صحيفة The Financial Times البريطانية. للاطلاع على المادة الأصلية، اضغط هنا.