لماذا لم أشترِ بيتاً في كندا؟ “3”

هل يصنع الإنسان قدَرَه؟) يمكن العودة إليه.

المهم أنه وبتلك العزلة والخوف والذنب، بدأ يتلاشى الشعور بالاستقرار لهذا الرجل، وأصبح حلماً اختفى إلى الأبد في غابات كندا الثلجية البعيدة عن مواطن الرزق في وسط المدينة، ناهيك من أنه كلما ابتعدت عن وسط المدينة كلما فقدت الأمل في إيجاد عمل، كما تصبح خياراتك محدودة إن لم تكن منعدمة في الإتيان بالمال كما ينبغي، حتى يُصبح البيت الذي اشتريته بعيداً قد أصبح لعنة عليك بكل ما تعني كلمة اللعنة من معنى!

عندما جئت إلى كندا، انتبهت مباشرة لهذه الفكرة الخطيرة، فأنا لديَّ ثلاث فتيات، وفي يدي قرار سعادتهن أو تعاستهن، وانتبهت إلى أني لو سكنت بعيداً عن جاليتنا، سأقضي على مستقبل هويتهن العربية والإسلامية، ونحن -العرب المسلمين- لدينا التزامات تجاه ديننا وعروبتنا، ولا يمكن اللعب بالنصوص الشرعية وتحريف الإسلام بسبب قرارات خاطئة اتخذناها في السابق.

منذ فترة كنت أشاهد وثائقياً على قناة (DW) الألمانية يتحدث عن امرأة عربية هاجرت إلى جزيرة آيسلندا في أقاصي الكرة الأرضية، وعلى الرغم من أنها أصبحت نائبة في البرلمان الآيسلندي، فإنها دفعت ثمن تلك الهجرة إلى بلد ليس فيه جالية إسلامية تُذكر، فبناتها تزوجنَّ من غير المسلمين وأزواجهنَّ لم يعتنقوا الإسلام، وعندما سألتها المراسلة كيف تجرأتِ على اتخاذ مثل ذلك القرار؟ قالت إنها لم تملك أي قرار أو سلطة على بناتها في الغرب، فكل واحدة بموجب القانون تقرر مصيرها بنفسها، فضلاً عن أنها تعتقد أنَّ النص القرآني قد وجب تطويره (تحريفه) ليواكب مستجدات العصر، فهي لا ترى أي حرج من اقتران بناتها برجال غير مسلمين!

هذا ما يحدث عزيزي القارئ عندما تضع نفسك في المكان الخطأ وتتخذ قرارات خاطئة، يُصبح الإسلام عبئاً عليك، كما تصبح نصوصه هي سبب التخلف!

للحصول على نوع من الاستقرار في بلاد الغرب، لا ينبغي للأسرة العربية المسلمة ترك المدينة المكتظة في أي حال من الأحوال، حتى لا يدفع المسلم ثمناً باهظاً لذلك الترك، (فعليك بالجماعة، فإنَّ الذئب يأكل من الغنم القاصية) وهذا قد يتطلب التضحية بفكرة الشراء للحصول على الاستقرار الحقيقي.

الاستقرار بالنسبة لي عزيزي القارئ، هو أن أحيا حياة كريمة وأنا خالٍ من الديون.. خصوصاً البنكية، وأن أكون حر الحركة في ملكوت الله قادراً على استغلال الفرص كلما أنزلها الله من السماء، والأهم ألاَّ أخشى على أسرتي من خلال إدخال الفشل إلى بيتي بيدي.

فقد تعلمت أنَّ الاستقرار الحقيقي يأتي من خلال تحصيل العلم والخبرة والقدرة على تطوير العقل والذات وبناء المهارات التي تأتي لي بالمال، فلو كان هناك شيء فعلاً قد منحني الاستقرار في حياتي، فبالتأكيد لم يكن ذلك الشيء بيتاً اشتريته أو جنسية غربية حصلت عليها، فتلك أمور قد تمنح استقراراً نفسياً مؤقتاً ولكن ليس دائماً.

إنما الاستقرار الحقيقي (الدائم) كان من خلال المبادئ التي أؤمن بها، وشهادتي الجامعية التي نلتها، والدورات التدريبية والخبرة التي حصلت عليها من خلال تنقلي حول العالم بين المدن والشركات الكبرى، ذلك الشيء الذي فتح لي أبواب العالم ومنحني الاستقرار.. وليس جواز سفر أو كومة أحجار.

في الختام، أريد أن أقول إنني مُدرك تماماً أنَّ هناك آلاف المتابعين المُحبِّين الذين يتأثرون بما أكتب وينتظرون رأيي في هذه المسألة؛ لذلك سأقول كلمة وأنا مسؤول عنها أمام الله، وأعلم يقيناً أنه سيُحاسبني – لا محالة – إن لم أختم بها، هذه الكلمة لأولئك الذين ما زالوا يؤمنون بأنَّ لهذا الكون إلهاً، وأننا سنقف بين يديه يوم الحساب فُرادى، مسؤولين عن قراراتنا التي اتخذناها في هذه الدنيا.

كلنا يعلم أنَّ شراء البيت في كندا يستحيل من دون اللجوء إلى البنك، يعني أننا سنقترض المال ونرده مع زيادة، وهذا في الإسلام يُسمَّى (الرِبَا) الذي هو من أعظم المعاصي التي عرفتها الكرة الأرضية، وهي المعصية الوحيدة في القرآن الكريم التي توعَّد الله فاعليها بحرب في الدنيا والآخرة: “فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ”.

ماذا يعني هذا؟ هذا يعني أنَّ الربا جُرم عظيم يهدم البيوت ولا يُعمِّرها، ويجعل فاعليها أشقياء.. حتى وإن اغتنوا وأصبح لديهم مال وجاه، فهم عند الله أذلاَّء وسيحاسبهم حساباً عسيرا، وحُكم الربا ثابت في القرآن كثبات الجبال، لن يتغير مهما تغيرت الأماكن والأزمان.

الفتوى التي أصدرها علماء المَجمَع الفقهي في أوروبا وأميركا الشمالية واضحة ودقيقة، وهي تؤكد أنَّ شراء البيت في الغرب عن طريق القروض الربوية حرام ولن يُصبح حلالاً مهما كان الظرف، وبناءً عليه أجازوا القرض فقط للمضطر المحتاج صاحب العائلة الكبيرة الذي لا يجد مَن يُؤجِّره منزلاً، أو أنه لا يقوى على دفع أجرة منزل لعائلته الكبيرة والتي قد تصل إلى (3000) دولار شهرياً، في الوقت الذي يمكنه تدبير قرض من البنك بمُجمَل دفعة شهرية لا تتعدى الـ(1500) دولار.

واستند العلماء في الغرب على المبدأ الفقهي الشهير عند أهل السنة والجماعة (الضرورات تُبيح المحظورات) وذلك لأنَّ الله رحيم ولا يرضى لعباده الضرر في دينهم ودنياهم، فأجازوا اللجوء إلى البنوك للمحتاج الذي لا يجد سقفاً يستره، قياساً على مَن تقطَّعت به السبل وسط الصحراء، ولم يجد سوى لحم الخنزير ليأكله كي يبقى على قيد الحياة، فيجوز لذلك المُنقطع في تلك الحالة ذبح الخنزير وأكل لحمه.

لكن.. هل هذا الاستثناء يجعل من لحم الخنزير حلالاً؟ بالتأكيد لا، فحكمه ثابت في القرآن والضرورات لن تُغيره أبداً. والأهم.. هل يجوز لهذا المُنقطع أخذ ما بقي من لحم الخنزير ليبيعه في المدينة؟ أو ليُطعم منه غير المُحتاج؟ بالتأكيد لا؛ لأنَّ أهل المدينة التي عاد لها غير محتاجين لذلك اللحم وتلك الرخصة، فإذا فعلوا مثل الذي انقطع في الصحراء.. أثموا إثماً كبيراً.

وأنت عزيزي القارئ.. اسأل نفسك: هل تحتاج فعلاً لشراء بيت عن طريق الربا سواء في كندا أو غيرها؟ أم أنك فقط مُقلِّد للمجتمع الذي تعيش فيه؟ هل أثَّرت بك أصوات الأغلبية حتى سلبوا دينك وعقلك؟ هل أثَّر بك بعض سماسرة العقار الذين أصبحوا في هذه الأيام أسوأ من سحرة فرعون؟ أولئك الذين يُرعبونك بأنَّ العُملة تخسر قيمتها ويُشعرونك بالذنب؛ لأنك الخاسر الوحيد إن أعرضت عن شراء عقارهم؛ حتى أصبحت لا تنام الليل من شدة الصراع مع الذات ومع مبادئك لاتخاذ القرار.

نحن لا نُعارض استثمار الأموال عن طريق العقار أو غيره، ولكن أضعف الإيمان أن يكون ذلك الاستثمار حلالاً، وفتوى شراء العقار التي يتغنى بها الجميع هي ليست للاستثمار، إنما لستر عورة المحتاج! والفرق بين الحالتين كالفرق بين السماء والأرض.

إن كان المسلمون يلجأون إلى البنوك لشراء البيوت خوفاً على أموالهم من أن تخسر قيمتها في كل عام بسبب التضخم وارتفاع الأسعار، فهل هذا مُبرر للتعامل بالربا؟ هل يجوز الاستثمار في الحرام لحفظ قيمة المال؟ مَن أفتى بذلك؟ أي مَجمَع فقهي أجاز الاتِّجار بالحرام لحفظ قيمة أموالنا من الخسارة؟

إن كان الأمر بهذه الطريقة، فلماذا لا نُتاجر بالخمور والمخدرات والأسلحة والملاهي الليلية وغيرها من المحرمات؟ برأيي هذه تجارة أربح من شراء البيوت، وقد يكون جُرمها عند الله أخف من الربا بكثير!

هل ترون كيف يُسوِّغ لكم الشيطان الحرام ويُجمِّله ويجعله استثماراً؟ فتوى خرجت مُحددة وواضحة ليس عليها غبار، فجأة تحوَّلت من (الحاجة لستر العورة) إلى (الحاجة للاستثمار)، وصدقوني ما الشيطان إلاَّ أنا وأنتم إن أقنعنا أنفسنا بالحرام على أنه حلال واستمتنا في تبرير ذلك.

أعيد وأكرر: أنا لست ضد شراء العقار في كندا أو الاستثمار فيه، وأتمنى أنَّ أمتلك منزلاً أُوسِّعُ به على زوجتي وبناتي، ولكن إن أردت أن أقوم بذلك.. فلا بد أن يكون بالحلال، أو على الأقل أكون ضمن أولئك الذين قسمت الحاجة والضرورة ظهورهم لا سمح الله، وأنا لا أراها ضرورة مُلحَّة في حالتي، وما زال بمقدوري أن أنتقل إلى مسكن أوسع بإيجار معقول وأرخص من القروض.

فلماذا أختار الذل لنفسي وأسرتي، إن وهبني الله خيار العزة؟ هل تعلمون ماذا يعني أن أمارس الربا – اختيارياً – كل يوم لمدة عشرين سنة؟ يا ليته كان سنة أو اثنتين أو ثلاثاً ثم ننتهي، بل عشرين سنة! بأي وجه سأقابل الله يوم القيامة؟

حتى لو انقضت حياتي ولم أمتلك ذلك المنزل، فليست مصيبة كبرى، فشراء المنزل في الدنيا ليس ركناً من أركان الإسلام، وذلك الاستثمار الربوي في العقار الذي سأخلِّفه لبناتي من بعدي.. هنَّ بغنى عنه، فالحرام له ناسه، وهنَّ لسن أهلاً لذلك بإذن الله.

بمشيئة الله، سأخلِّف لهنَّ ما هو أفضل.. سأخلِّف لهنَّ علماً وعقلاً وإسلاماً وإيماناً وخبرة وقوة في الرأي والشخصية وقدرة على البحث والفهم والاستيعاب، تجعلهن يقفن على أقدامهن في أي بقعة في العالم، والأهم أني سأخلِّف لهن نسباً شريفاً، يجعل أكابر القوم وأشرافهم يتسابقون على الاقتران بهن بإذن الله، فهذا استثمار حقيقي ما بعده استثمار كما أراده الله سبحانه وتعالى.

أحبابي.. كل واحد منكم أعلم بحاله، فلا تسمحوا لأحد أن يغويكم عن الحق، وفرِّقوا بين الحاجة وبين الاستثمار، وهذا مربط الفرس الذي تستند عليه فتوى المجمع الفقهي لعلماء أوروبا وأميركا الشمالية، ولو قرأتم القرآن وفهمتم كلام الله لن تحتاجوا لأي فتوى، فلا تستمعوا لأحد ولا تتأثروا بأحد، ولا حتى بتجربتي وكلامي، فأنا إنسان مثلكم، قد أُغيِّر رأيي وأضعف – لا قدَّر الله – وأسير يوماً مع القطيع، وحتى لو حدث ذلك.. فسيبقى كلام الله وأحكامه في القرآن ثابتة لا تتغير مهما ضعفنا وحاولنا تحريفه.

وتذكر أنك لو أكلت الخنزير مُضطراً وسط الصحراء، فليس لديك ما تتباهى به بين الناس إن عدت إلى المدينة، فأكل الخنزير للمضطر ليس مفخرة، بل المفخرة هو أن تسجد لله شكراً الذي رخَّص لك أكل الخنزير في ذلك الموقف!

حفظ الله عليكم أنفسكم وأموالكم وأهليكم وإسلامكم، ووسَّع عليكم في دنياكم، وجعل لنا ولكم من كل همّ فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top