يجلس في غرفته ليلاً، يتابع عملاً درامياً بطلُه بائسٌ يتعامل مع حياته اليومية بكل لا مبالاة ويعود في نهاية يومه إلى منزله مع موسيقى في الخلفية تُشعرنا بمدى ضعفه أثناء مسيره، وسط السعداء من الناس حتى يصل إلى غرفته، ويبكي ويتألم وحيداً دون أن يراه أحد.
لسببٍ ما غير معلوم، لنشوة غيرِ مفهومة المصدر -أو ربما تكون مفهومة- للذةٍ تتنافى مع طبيعة اللذات، تستهويه تلك الحياة، ويتقمص دور البطل، في حياته الحقيقية، ولكنه -للأسف- لم يكن يعلم.
لم يكن يعلم أن ذاك البطل لم يكن وحده، لم يكن يعلم أن ذاك البطل لم يكن بطل حياته الزائفة فحسب، وإنما هو بطل العمل بأكمله، وبطله هو شخصياً، لم يكن يعلم أن ذاك البطل هو محور الحياة، وأن القصة لم توجد إلا لأجله ابتداءً، وأن الكاميرات لم تُخلَق إلا لتصوير حياته “الوحيدة” “للعالم أجمع”.
لم يكن يعلم أن المشهد لا يصله كاملاً، وأن عينيه لم تعودا قادرتين على الإبصار، لتلك الغشاوة التي صنعها ماء عينيه الفائض تعاطفاً واستشعاراً لوحدة ذاك البطل.
لم يلاحظ أن ما يظنه وحدةً قد جعله هو يبكي، وأن ذاك البطل كان يعلم أن قصته ستُروَى للملايين، لم يكن يلاحظ أن موقعه في هذا العمل ليس بموقع البطل أصلاً، ولذلك حينما أراد أن يعيش دور ذاك البطل في حياته الحقيقية، فإنه لم يكن يعلم.
لم يكن يعلم مسبقاً أنه سيبكي وحده حقاً، لم يكن يعلم أنه لن يكون محور العالم، ولا بطل الرواية، وأن الكاميرات لن تكون موجهةً إليه، وأن الحياة لن تتوقف لأجله، لم يكن يعلم أن الملايين، بل حتى من حوله، لن يعلموا -ناهيك عن أن يشعروا- بما يمر به أصلاً.
لم يكن يعلم أن كَذِبَة أنه لا يريد لأحدٍ أن يعلم عنه لن تصمد طويلاً، لم يكن يعلم أن تلك الغشاوة ستتبدل بتبدل الأدوار، وسيحل محلها جفافٌ من بكاء العين تعاطفاً مع نفسها.
لم يكن يعلم أن الأمر لن يكون بتلك الدراما التي ظن أن البطل يعيشها، وأن الخُسارة هنا ستكون خسارةً حقيقيةً، وأن ما سيفوته لما يوهم نفسه أنه يعيشه، أو لما يعيشه حقاً، لن يتكرر للأسف.
لم يكن يعلم أن الألم سيتحول إلى ألمٍ حقيقي، لم يعلم له مثيلاً عندما يرى ما أحدَثَهُ -فترةَ “تقبسه”- في المقربين منه من إيلام.
لم يكن يعلم أن كل ذاك الاقتباس سيتحول إلى حقيقة، وأن ذاك الألم سيتحول إلى حقيقة، وأن تلك الوحدة ستتحول إلى حقيقة، بينما لا أحد يعلم عنه، وذلك لأنه -للأسف- لم يكن يعلم.
لم يكن يعلم أنه لم يكن وحده أبداً، لم يكن يعلم أنه كان معه دائماً من يسمع ويرى، لم يكن يعلم أنه بالفعل محور العالم، ولكن عند من لم يكن محورَ عالمِه هو للأسف.
لم يكن يعلم أنه بطل الرواية فعلاً عند أحدهم، وأنَّ الكاميرات موجودةٌ وموجهةٌ نحوه بالفعل، وأنَّ مِن خلفها حبيباً يسمع ويرى ويشعر ويعلم ويصحبه في كل حالٍ وكل طرفة عين، كأن هذا الكون لم يوجد إلا لأجله.
لم يكن منتبهاً إلى أنَّ هناك مَن أَوْجَدَه ليكون له ابتداءً، لم يكن يعلم أن جمال التسليم يكمن في تهوين وتبسيط أمر الدنيا بكل ما فيها من تعقيداتٍ ومساوئ، وأن ذلك لا يكون إلا بجمال صحبة من ليس لجماله مثيل.
لم يكن يعلم أن كل ما كان يراه من تدبيرٍ ولطفٍ لم يكن سوى نداءاتٍ من ذاك الحبيب القريب البعيد، القريب منه، البعيد هو عنه، في محاولاتٍ لإخباره أنَّ هناك بالفعل من يشعر به ومن يصحبه ومن يهتم لدموعه تلك.
لم يكن يعلم أن وحدته تلك كانت بمثابة خوف موسى وهارون، موضحةً له لِمَا لم تأتِ “إنني معكما أسمع وأرى” بالتصريح إلا بعد التلميح في “وألقيت عليك محبةً مني ولتصنع على عيني إذ تمشِ أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفساً فنجيناك من الغم وفتناك فتوناً”.
أَيَا نفسي، قد رُزقتِ حبيباً، لا يَقْبَلُكِ على ما أنتِ عليه، بل يحبكِ لنقصانكِ، ولا يتأفف من أعذاركِ، بل ما من أحدٍ أحب إليه أعذاركِ منه، لا يَمَلُّ من حديثكِ أبداً، بل هو من يأتي بكِ لمحادثته، يصحبكِ في كل لحظة، يرى منكِ ما لا يسره فلا يتغير، ويقابل نسيانكِ إياه بذكره لكِ، ومجافاتكِ له بتدبير ما يردكِ إليه، وعودتكِ إليه بفرحٍ واستقبالٍ يفوق استقبال العشاق، يغار عليكِ -مع سيئ صنعكِ- مما سواه.
أَيَا نفسي، كوني نِعمَ المحبوب، ولا تضيعيه.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.