أخذت مكاني المعتاد في المقهى القريب، قليل مَن يحضر هنا، تعدّهم على أصابع يديك، كلهم ما بين الخمسينات والستينات من العمر، والشباب لهم أماكن أخرى يفضلونها، هنا لن يحصلوا على الكابتشينو، ولا وجود للهوت شوكليت، والتلفاز قديم صورته مهتزة، ليس هنا مجال للاشتراك بباقات المباريات، ولا توجد فرصة سانحة للعب البلايستيشن.
هناك في مقهي تيتو كل ما يحبونه موجود ومتاح، والأهم بعيداً عن أعين الرقابة اللصيقة في المقهى القديم، القريب من سكناهم، ولو أمسك أحدهم بمقبض الشيشة، فحتماً لن يتم الحجر، فالأخبار هنا تسري بسرعة البرق، ولنا في خبر سعدية عبرة واضحة لا تقبل تأويلاً.
قريباً وإلى الخلف منّي، جلس ثلاثتهم يلعبون الدومينو؛ عم حربي، والحاج مسعد والحاج عابد ثالثهم، أحب سماع تندرهم على عم حربي، وردوده المضحكة.
عابد يوجّه كلامه إلى عم حربي:
* العب يا عريس.
– يرد حربي: وطّي صوتك تودينا في داهية.
انتبهت إليهم، وضعت كوب الشاي على الطاولة ثم قلت بصوت عالٍ:
– ما خلاص فركش، والله انكتب لك عمر جديد يا عم حربي.
يضحك ثلاثتهم ضحكات هيستيرية.
يوجه مسعد إليهم الكلام: طيب الأستاذ محمد ده، عضمه لسَّه طري.
بدوت أمامهم كساذج فعلاً، هل فعلها الرجل؟!
لم أدع الفضول يقتلني، سحبت الكرسي ودنوت من ذوي الخبرة.
– يبقى انت نيّمت سعدية تاني واتجوزت يا عم حربي يا جن بعد ما طلّقت عند المأذون.. دي كانت أقصر جوازة في التاريخ، ما لحقش المأذون يقفل صفحة الجوازات، إلا والقضا المستعجل خلاك طلقت وقتي.
* غشيم وعودك طري زي ما قالك الحاج مسعد.
– الطلاق باللفظ بس قدام سعدية، من سربعتها وعصبيتها ما شافتش قدامها ولا ميزت، ومولانا قفل الدفتر.
وبعدها سألت مولانا، قال لي: طلاق المكره لا يقع، وهل من مكره مثلي.
أسندت ظهري إلى مسند الكرسي أضحك على نفسي من فرط سذاجتي، أدركت ساعتها لمَ سكت مولانا ولم يكمل حديثه يوم أتيته في بيته!
يا ابن اللّعيب يا عم حربي، لأ ومولانا.. أوحى إلى الجميع بغير ما حدث من دون أن يكذب، ولم نعهده كاذباً يوماً.
أحسست بثقل الكواهل ومتانة عقولهم، وخبث تدبيرهم، ليس عليَّ إلا أن أسكت وأتعلم.
نظرت إليه نظرة تلميذ لأستاذه المخضرم، وسألته:
– طيب وسعدية عرفت يومها إزاي يا عم البورَم؟
يهز عم حربي رأسه وليّ شيشته معاً، متوعداً صاحب الفعلة النكراء فقد اهتدى إليه، ثم يجيب بهدوء لا يخلو من الغل.
* حرم مولانا المأذون يا عم، من باب الستات لبعضيها، ونردهالك في الأفراح، ومن قدم السبت يلقى الحد قدامه.
التقم ليّ الشيشة ثانية ينفث فيها غلَّه، ويسترضي نفسه بما صنع ليلتئم كبرياؤه المجروح.
*******
– رجالة ما لهاش أمان.
كان تعليق زوجتي العزيزة على عم حربي، ثم أردفت وقد بدا على كلامها التوجس:
– حتى عم حربي اللي كنا بنقول عليه راجل طيب وصابر، يعمل نفس العملة المنيّلة، همّا الرجالة ما فهموش من الدين غير جوازة الاتنين والتلاتة؟!
أسمع كلامها منتشياً برصيد الخوف الذي تخفيه خلف كلماتها، ثم رأيت ثقباً أنفذ منه إلى عقلها، فأدرأ بالتهمة عن الرجل وحيداً.
* يعني هو اللي بيتجوز تاني بيتجوز راجل؟ ما هي بردو واحدة ست، وقبلت تكون ضرة، ومبسوطة وراضية.
لو كان الفعل خيانة، فقد استوى فيها الرجل والمرأة، ولو كان الرجل جباراً ظالماً، فقد رأينا جميعاً سعدية وأفعالها التي لا ترضي أحداً.
سكتت مغتاظة وافتعلت الانشغال، فليس من ثمة رد.. (يُتبَع).
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.