ربما كانت تلك اللحظة إحدى أهم اللحظات في حياة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، منذ توليه المنصب وأكثرها تثبيتاً لمعنوياته: فور دخوله القاعة المليئة بمئات من ممثلي العمال، انطلق التصفيق وارتفعت الهتافات باسمه، دقائق طويلة، مشحونة بكل التضامن والتأييد للرجل، وبالرفض للحملة عليه، وعلى المؤسسة التي يرأسها، فيما اعتبرها كثيرون رسالة للنظام بالتوقف عما يبدو محاولات لإقصاء الطيب وإخضاع الأزهر للدولة.
وخلال الأيام القليلة الماضية، لاقت تحركات وكلمات الإمام ترحاباً وتضامناً واسعاً من العديد من الطوائف الشعبية؛ ما اعتبرها البعض “رد اعتبار” للأزهر ضد الحملة الشرسة التى تعرض لها، وخاصة عقب أحداث تفجير كنيستي طنطا والإسكندرية بداية الشهر الماضي.
تنظيم المؤتمر العالمي للسلام، برعاية ودعم الأزهر، جاء في الوقت المناسب للرجل ومؤسسته، فقد استطاع أن يجمع قادة دينيين من أنحاء العالم كافة، وممثلين للطوائف الدينية في العالم، تحت سقف واحد، وبحضور البابا فرنسيس بابا الفاتيكان.
وفي الكلمة التي ألقاها الإمام الأكبر شيخ الأزهر أمام العالم، في افتتاح مؤتمر السلام العالمي، دعا إلى السلام بفكر السلام، وأزال النقاب عن الاتهام الغربي للإسلام بأنه دين إرهاب، ليؤكد للعالم أجمع أن الإسلام دين سلام.
الدكتور نصر فريد واصل، مفتي الجمهورية الأسبق، قال إن كلمة شيخ الأزهر في المؤتمر العالمي للسلام وردود الفعل الشعبية التضامنية بعدها، “كانت أقوى رد فعل ضد حملات التشويه التي تعرض لها الأزهر الفترة الماضية”.
واصل، قال لـ”عربي بوست” إن “تحركات شيخ الأزهر الفترة الأخيرة، أثبتت شموخ الأزهر وعدم عجزه عن تجديد الخطاب الديني كما يدّعى البعض”، موضحا أن “المهاجمين للأزهر فشلوا ولن يستطيعوا النيل منه ومن مكانته بعد كلمة الطيب والترحاب والحفاوة الشعبية التي لاقاها الأيام الماضية”.
النشطاء يحتفون بكلمة الطيب
ولاقت كلمة الطيب في المؤتمر العالمي للسلام حفاوة بالغة على شبكات التواصل الاجتماعي، موضحين أنها رد بليغ على المشككين فى مكانة الأزهر وشيخه.
تصفيق حاد وهتافات لـ”الطيب”
اللقطة التي حظيت بالاهتمام الأكبر هذا الأسبوع، كانت استقبال الإمام في الاحتفال بعيد العمال بطريقة فريدة. ردد الحاضرون هتافات: “الأزهر الأزهر”، وقاموا بالتصفيق والوقوف احتراماً وتقديراً لشيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، خاصةً بعد الهجمة الشرسة التي تعرض لها في الفترة الماضية.
وردَّ الإمام الأكبر، الشيخ أحمد الطيب، التحية بشكل متواضع، وانحنى شيخ الأزهر للحضور تواضعاً، ووضع يده فوق رأسه، في إشارة منه إلى تقديره لتحيتهم.
أحمد بان، الخبير بشؤون الحركات الإسلامية، قال إن السلطة المصرية فوجئت بهذا الترحاب والاحتضان الشعبي للأزهر؛ ما دفع الدولة إلى التراجع مؤقتاً، في خطوة يمكن أن نسميها في العرف السياسي “الصمت التكتيكي”، في انتظار فرصة أجواء أخرى “لتنفيذ مخططها لتركيع مؤسسة الأزهر”، على حد قول أحمد بان.
وأكد بان لـ”عربي بوست”، أن السلطات في مصر لن تتراجع عما سماه تركيع كل مؤسسات الدولة سواء أكان الأزهر أم غيره؛ لأن هذه سياسة القائمين على النظام الحالي، موضحاً أنها تهيئ الأجواء لتنفيذ مخططها والعودة لحصار شيخ الأزهر مرة أخرى، بحسب وصفه.
ورغم احترام “بان” لرد الفعل الحالي من المواطنين وتأكيده أنه بمثابة رد اعتبار شعبي للهجوم الذي تعرضت له المؤسسة، لكنه يرى أنها لن تستمر؛ “لأن رد الفعل الشعبي عامة مثل موجات البحر يتمدد ويهدأ، والدولة تتعامل بشكل تكتيكي ولن تجازف حالياً أمام ثوران البركان الشعبي”.
مسودة قانون الأزهر في مهبّ الريح
وبعد كلمة الإمام الطيب، تقدم العديد من النواب لأمانة البرلمان المصري لسحب توقيعاتهم من مشروع قانون لإعادة تنظيم الأزهر والهيئات التى يشملها، الذي تقدم به النائب محمد أبو حامد والذي حدد مدة الإمام الأكبر بـ12 سنة كحد أقصى ووضع آلية للتحقيق معه.
وذكرت مواقع إخبارية أن نحو 5 نواب قدموا طلبات لسحب توقيعاتهم من مشروع القانون حال تقديمه، مشيرة إلى أن النائب محمد أبو حامد لم يقدم مشروع القانون إلى البرلمان حتى الآن، وأنه أرسل رسائل للنواب يخبرهم فيها بإعادة شرحه مشروع القانون مرة أخرى لهم؛ ليرفع الحرج عن أي نائب يريد رفع توقيعه.
أبو حامد عضو ائتلاف “دعم مصر”، قال إنه سيُقدم مشروع القانون الخميس المقبل، مفسراً أسباب إرجائه تقديم مشروع القانون رغم الانتهاء منه، إلى أن تصريحات صدرت من بعض رجال الأزهر ضد القانون، دفعته لإرسال رسائل للنواب بصيغة القانون وفلسفته؛ لحسم استمرار توقيعاتهم من عدمه.
رفْض بعض النواب لمسودة قانون الأزهر قبل طرحها على البرلمان، لا يعني صرف النظر عن القانون كما يقول أحمد بان؛ “لأن البرلمان تابع للسلطة التنفيذية وينفذ أوامرها، ومن وجَّه بوضع القانون هو من أمر البعض بالتراجع عنه حالياً؛ تجنباً لحالة الغضب الحالية”. يعود “بان” ليؤكد أن “المخطط ضد الأزهر سيتم تنفيذه حالاً أو لاحقاً”.
واعتبر العالم الأزهري صبري عبادة، أن رد اعتبار الأزهر الشريف بدأ منذ تنظيم مؤسسة الأزهر المؤتمر العالمي للسلام، وكلمة شيخ الأزهر التي دافعت عن الإسلام ورسخت للسلام العالمي، لتعد هذه الخطوة كأقوى رد على كل المشككين في دور الأزهر محلياً وعالمياً.
ونوه عبادة لـ”عربي بوست”، إلى أنه لا يعتقد أن تكون الخطوات المؤيدة لشيخ الأزهر من قِبل الدولة؛ لأنها خرجت من الظهير الشعبي، مؤكداً أن الأزهر مر بالكثير من الهجوم على مدار عهده، ولكنه باقٍ ولن يموت.