مذكرات طالب معتقل “1”

كلما أقبل موعد امتحانات نهاية العام الجامعي، ثارت في النفس خلجات وشجون وذكريات تطل برأسها كلما أقبل شهر مايو/أيار من كل عام، أتذكر عامي الأول في الجامعة الذي قضيت نصفه الدراسي الثاني معتقلاً، هذه الأيام التي تتعلق بامتحانات الفصل الدراسي الثاني، حينما تقدمت بطلب للامتحان من داخل السجن كآلاف الطلاب المعتقلين فداء للحرية والعدالة، فقد طلبوا بهذا الأمر شيئين: العلم، والحرية.

أتذكر هذه الأيام بكافة تفاصيلها ليس فقط؛ لأنها تخصني بشخصي فقط، ولكن لأنها قضية الطالب التي تتكرر كل موسم امتحانات مع آلاف من الذين يحاولون استكمال المسيرة العلمية المقدسة من داخل قلاع الظلم، هذه الأحداث متكررة يختلف فيها فقط الزمان والمكان، ولكن يبقى الرابط المشترك (طالب العلم) الذي اعتقل في بلاد الجور، ولم ييأس، ولم يفتر في طلب العلم حتى ولو كلّفه الأمر حريته وحياته
لم أتوانَ لحظة عن التفكير في كيفية تحصيل العلم من داخل السجن، وعددت اعتقالي فترة أخلو بها مع الكتب ومع ذوي الأفهام والعقول الذين قابلتهم في كل زنزانة عشت فيها، ولي في كل زاوية من الزنازين التي عشت بها ذكرى مع معلومة قد حصّلتها فيه.

هذه قصتي التي عشت تفاصيلها في مثل تلك الأيام منذ 3 أعوام، طالب في مقتبل حياته الجامعية، ولج إلى جامعته مفعماً بالأمل والنشاط والحماسة التي لن تجدها سوى في طالب يحب تلك البلاد، يهيم عشقاً بترابها ولا يرجو لها إلا خيراً، وإذ به بعد أن فرغ من أداء امتحانات الفصل الدراسي الأول في جامعته عائداً – كما هي عادة الطلاب المغتربين – إلى بلدته ليجد أبواب المعتقل مفتوحة بدلاً من أبواب بيته؛ ليبدأ رحلته التي زادت عن ثلاثمائة وثمانين يوماً لم يعلَق بذهنه أيام منها كما علقت أيام امتحانات الفصل الدراسي الثاني ورحلة سجن الامتحانات.

دقت الساعة السابعة صباحاً في يوم الجمعة الثاني من شهر مايو/أيار، وإذ بصوت عالٍ ينادي باسمي في كلمات صاخبة: سيف الإسلام، اجهز، ترحيل، امتحانات.. كانت تلك الكلمات ثقيلة على أذني لها وقع الكهرباء التي رحّبت بي في أول أيام الاعتقال، فقمت مفزوعاً من نومي هارعاً أجهز أغراضي، وأعدّ كتبي وأقلامي وشيئاً أتقوى على طول الطريق -وما للطالب المعتقل شيء سواهم – فحاجة المعتقل في ترحيله إلى أي مكان بعيد ليست كحاجة المسافر العادي من أمتعة، فما يسمح له بشيء إلا ببعض من لباسه البالي، وشيء يسير من الطعام، وبعض من الكتب التي تُراجع أمنياً إذا كان طالباً.

خرجت من زنزانتي في لباسي الأبيض الناصع، يقتادني شرطي رديء الهيئة، إلى الزنزانة المتنقلة الزرقاء “عربة الترحيلات” ذاك المكان الحديدي، خرجت لا أعلم مقصدي، وإن كان القانون الدولي يكفل لأسير الحرب أن يعلم مقصد ترحيله، ارتحلت وحيداً إلا من الحراسة عن يميني وعن شمالي، يزين يدي ذاك القيد الحديدي الغاشم، لا أملك سوى الابتسامة التي تحبط كبرياء السجّان.

تحركت العربة، وإذ بأصوات المحركات تغطي سكون الصباح في يوم الإجازة الأسبوعية، وانطلقنا في رحلة لا يعلم الرحالة فيها مقصده، حاولت السؤال إلى أين المسير؟ فلم يجب أحد سوى بأنني ذاهب إلى الامتحانات.

لم أجد مؤنساً في هذا الطريق سوى كتاب الله، وكأن الله يراسلك من خلاله، قرأت قول الله: “يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات”، فأحسست بعظم المقصد وسمو المهمة وعلوّ الشأن، انتهيت من قراءتي لآيات كتاب الله، ووقفت أنظر من شباك العربة المقيّد بالأسلاك وكأنه يُراد بك ألا ترى الحقيقة سوى مقطعة الأوصال، ترى الصورة غير مكتملة، فكان الطريق السريع الذي اعتدت على رؤيته أثناء سفري للكلية، ولكن الحالة غير الحالة، والهيئة غير الهيئة.

عمدت قاعداً لأتحسس الكتب فوقع الاختيار على كتاب من كتب التاريخ يستقطع بعضاً من القصص ويحللها، وأراد القدر أن أبدأ بقصة “فتنة خلق القرآن” التي تحكي عن مقاومة الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، وكيف صمد في وجه الظالم دفاعاً عن العلم الصحيح، ولم يبِع الحقيقة بهوى السلطان، ووقف شامخاً إلى أن انتصر الحق على يديه، وخلّده التاريخ.

فشعرت بأن هذه الرحلة لأمر جلل – وقد حدث ما خِلته – سرت بعمق الإيمان ووعي الحقيقة إلى مقصدي الذي لم أعرفه.

أمضيت ساعات في الطريق أتطلع من أجزاء الشباك على الناس العاديين في الشوارع والطرقات، رأيت مَن هم في سني ومَن يكبرني ومَن هو دوني، رأيت كل صنوف البشر، فما أحسست أني ارتكبت جرماً لأكون في هذا المكان، وأُعامل بهذه المعاملة القاسية، قطع هذا التفكير توقّف العربة أمام أحد المساجد الصغيرة؛ ليؤدي الحراس صلاة الجمعة، عسى الله أن يستجيب لهم، فاستمعت إلى الخطيب الذي لم يكن يحسن الخطابة، يتحدث عن أهمية كتاب الله بين الناس، ولم يتحدث عن تحكيمه! فعجبت أشد العجب!! واستفتيت قلبي وصليت صلاة الجماعة بدون جماعة، وأنا مقيد بداخل العربة.

سارت العربة بنا في طريق جديدة لم أسلكها من قبل، دهاليز لم أشاهدها من قبل، وطريق أشبه بالصحراء تكتنفه الهضاب من كل ناحية، وصلت إلى مكان غريب عجيب، وإذ بي أرى لافتة تدل على أن هذا المكان هو أحد السجون العمومية التي لم أكن لأتخيل يوماً من الأيام أني سأدخلها – ولو حتى زائراً – رفضت النزول أو التوقيع على أي ورقة حتى أبلغ أهلي، وأصررت على ذلك حتى استُخدمت القوة لإجباري على النزول وقد قُيّدت كلتا يدي، ورفضت التوقيع على أية ورقة حتى أُعلم أبي وأمي بمكاني الجديد، ولم تجدِ حيلهم الغبية حتى استعملت حيلتي، وأبلغت أمي عن طريق هاتف أحدهم نظير مبلغ من المال.

تحدثت إلى أبي في عشر ثوانٍ فقط لم يسمع مني سوى كلمة واحدة (أنا بخير والحمد لله وصلت إلى…)، في صوت بدا عليه الإحساس بالظلم الشديد.

ثم وافقت على الدخول إلى المكان الجديد، ولا أعلم ما ينتظرني هناك.. (يُتبَع).

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top