يعد مصطلح “أطفال الشوارع” من المفاهيم التي تتميز بالحداثة نسبيّاً، وخاصة في المجتمع المصري، وعلى الرغم من شيوع مصطلح أطفال الشوارع الآن، فإنه لا يوجد تعريف محدد ومتفق عليه إلا بعد إعلان استراتيجية حماية وتأهيل الأطفال بلا مأوى (أطفال الشوارع) في مصر في مارس/آذار 2003م.
وقد استخدمت معظم الدراسات في بداية الظاهرة مصطلح التشرد، فالطفل المُشرَّد يشير إلى كل من يعيش دون منزل، أو يعيش بعيداً عن أسرته، هائماً على وجهه، ويمثل الشارع مأوى له.
إن مصطلح “طفل الشارع” الذي استعملته لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة في عـام 1994م قد وُضِع في الثمانينات من القرن الماضي لوصف “أي بنت أو ولد […] أصـبح الـشارع بالمعنى الأوسع للكلمة، بما في ذلك المساكن غير المأهولة والقفار وما إلى ذلـك (مـسكنه المعتاد و/أو مصدر رزقه، ولا يحظى بما يكفي من الحماية والمتابعة والتوجيه من قبل بـالغين مسئولين”.
وحينها، كان “أطفال الشوارع” مصنفين إمّا إلى أطفال يعملـون في الـشارع ويعودون إلى أسرهم ليلاً، وإما أطفال يعيشون في الشوارع وليس لديهم عمليّاً أي دعم أُسري.
ومن الطريف أن نتأمل ما تطلقه عليهم مجتمعاتهم؛ حيث إن لهذا دلالة كبيرة في النظرة الاجتماعية لهم، ففي (نابولي): رأس المغزل، وفي (بيرو): طائر الفاكهة، وفي (كولومبيا): الصبي أو أولاد الغبار وحشرات الفراش، وفي (بوليفيا): الفئران، وفي (رواندا): الأولاد السيئون، كما يطلقون عليهم في (البيرو): طيور الثمار، وفي (جنوب إيطاليا): البلابل الدوارة، وفي (الكاميرون): الكتاكيت والبعوض.
أما في العالم العربي فيطلقون عليهم في (السودان): الشماسة، وإذا كانت هذه تسميات تعكس الوضعية الهامشية المشتركة لأطفال الشوارع وأيضاً نظرة المجتمع السلبية إليهم، وفي (اليمن – في مدينة صنعاء): أطفال الكراتين؛ لأنهم يقومون ببناء أماكن شبه الكوخ للنوم في الكراتين، و(في مدينة عدن): يطلقون عليهم المتسكعين.
وبالرجوع إلى التعريفات نجدها تناولت الظاهرة من جوانب متعددة فقد عرفهم “أنيلي” بأنهم “هم الأطفال الذين يعملون ويقيمون في الشوارع كل أو بعض الوقت، دون رعاية من أسرهم، أي أنهم الأطفال الذين سلبت حقوقهم رغماً عن سنهم، وهم بهذا مظلومون ومصيرهم الشارع”، ويعرفهم “بويدون” بأنهم “الأطفال المهضومة حقوقهم، والمظلومون الذين يقيمون في الشوارع ويعملون بها”.
أما من منظور معاناتهم النفسية والاجتماعية، فهناك الطفل الذي ترعرع في أسرة مفككة أو كثيرة المشاكل أو حتى قليلة الإمكانيات الضرورية للحياة، وبهذا يعاني ضغوطاً نفسية وجسدية لا يستطيع التكيف معها، فيلجأ إلى الشارع؛ حيث لا يجد سبيلاً للبقاء أو النمو أو حتى الحماية الطبيعية، ويعاني كل صنوف انتهاكات حقوق الطفل المعترف بها دوليّاً.
واستمرت المصطلحات في التطور لتعترف بهؤلاء الأطفال كفـاعلين اجتمـاعيين لا تنحصر حياتهم في الشارع، ويشير قرار مجلس حقوق الإنسان 12/16 إلى الأطفال الذين يعملون و/أو يعيشون في الشوارع، واعتمدت لجنة حقوق الطفل مصطلح “الأطفال الـذين يعيشون في الشوارع”، معترفةً بأن الأطفال يقومون بأنشطة عديدة في الشارع وبأن المشكل، إذا ما حدث “مشكل”، ليس في الطفل بل بالأحرى في الأوضاع التي يجد فيها نفسه.
وركز البعض الآخر على معيار الخطورة والجسامة التـي يتعرض لها الطفل بسبب وجوده في الشارع دون رقابة أو حماية من الأسرة، ويدخل تحت طائلة هذا المعيار الأطفال المتسولون، والمهتمون بأي عمل من أطفال الشوارع المعرضين للاستغلال والخطر دون حماية أو رعاية أسرهم، حتى ولو كانوا يلتحقون بأسرهم للنوم مع تردي علاقتهم دائماً بأسرهم.
وقد حاول البعض التوفيق بين الطرحين، فأكدوا ارتباط هذه الفئة بالشارع، غير أنه يريد التفريق بينهما بأن يطلق على الفئة الأولى (أطفال الشوارع)، وعلى الفئة الثانية (أطفال في الشـارع)؛ حيث تتعرض كلتا الفئتين لأخطار الشارع ولآليات التعايش في مجتمع الشارع، ولكن ارتباط الفئة الثانيـة بالأسرة لا يزال أكثر قوة، مما يقلل من تأثرها بديناميكيات الشارع.
ويفضل بعض الباحثين أن يطلقوا عليهم “أطفال في وضعية الشارع”؛ لأنهم أطفال ينتشرون هنا وهناك، في الشوارع والأزقة الخلفية، تميزهم حالاتهم المَلبسية ووضعيتهم، فهم يظهرون في حالات متسخة يشمون السلسيون ويتسولون المارة، ها هم مشردون بيننا، لا بيت يؤويهم، ولا مسكن يحميهم، ولا مدرسة تستقبلهم، فما التسمية التي تليق بهم؟ أهم مشردون؟ أم منحرفون؟ أم تشردهم طريق لانحرافهم؟
حيث الغالبية العظمي من أطفال الشوارع ليسوا بالضرورة بدون مأوى أُسري، أو مجهولي الأهل أو ليس لديهم منازل أو أسر يعودون إليها في فترات متقطعة، إلا أن الأمر ينتهي بكثير منهم إلى العيش في الشارع، وفي هذا الإطار نجد أن الكثير من الدراسيين للظاهرة أدركوا أن مصطلح أطفال الشوارع في حد ذاته يعد مشكلة، فهو يعطي انطباعاً مشوهاً؛ لأنه يوحي بافتراض أن هؤلاء الأطفال فئة واحدة، وأنهم يعيشون في الشارع بنفس الأسلوب ولأسباب متشابهة، وهذا مخالف للواقع؛ لذلك قامت محاولات عديدة لتصنيف أطفال الشارع إلى فئات فرعية تختلف فيما بينها في السمات الرئيسية، ولكنها تتفق في وجودها داخل الشارع مع طبيعة واختلاف ذلك الوجود.
ومن التصنيفات الأخرى التي تتعلق بأطفال الشوارع تصنيفهم إلى فئتين؛ حيث الفئة الأكبر حجماً هي فئة الأطفال الذين يعملون في الشارع (أطفال في الشارع)، وهم غالباً ما يعملون في الشارع في أثناء النهار، ويعودون إلى أسرهم في الليل.
هؤلاء الأطفال قد يذهبون إلى المدارس لبعض الوقت ولديهم فرص ضئيلة للحصول على الرعاية الصحية والخدمات الاجتماعية الأخرى، أما الفئة الثانية فتتكون من (أطفال الشارع) وهم أطفال يعملون ويعيشون في الشارع باعتباره المأوى الوحيد لهم؛ حيث يحتفظون بروابط ضئيلة بأسرهم، ولكنهم يعيشون في المقام الأول معتمدين على أنفسهم.
وفي ضوء ما سبق من المفاهيم المتعلقة بأطفال الشوارع نجد أن المجتمع ينظر إليهم نظرة ثاقبة ثنائية، فالبعض ينظر إليهم باعتبارهم مظلومين وليس لهم ذنب في الوضع الذي هم عليه، فهم ضحايا ظروف أسرية ومجتمعية واقتصادية، والبعض الآخر ينظر إليهم باعتبارهم سبباً لمشكلات كثيرة لا يرضى عنها المجتمع فينظر إليهم نظرة دونية فيها لوم واحتقار باعتبارهم متشردين منحرفين منبوذين.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.