أحضر النادل كوب القهوة المرة في مقهى “نوير” بمدينة لويفن البلجيكية، بعدما نادى عليه جمال “بدون سكر لو سمحت”، ووضعها على طاولته وهو غارق وحده في قراءة تفاصيل الوثيقة الجديدة لحركة حماس بواسطة هاتفه النقال والتي طرحتها في الأول من مايو الحالي.
تفاؤل معلق كان هذا ما يشعر به جمال العطار صاحب الـ 33 عاماً، والذي خرج من غزة قبل ثمانية أعوام هرباً من الحصار ورغبة في إكمال الدراسة، لكنه اليوم متخوف من العودة نتيجة الظروف الصعبة التي يعيشها قطاع غزة، ومتخوف من البقاء في أوروبا والتأقلم بعيداً عن الوطن، حاله حال ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الخارج.
بدأ جمال يراجع الوثيقة متذكراً الجماهير العارمة التي كانت تخرج في احتفالات انطلاقة حماس وهي تردد “لن نعترف بإسرائيل، يتمتم جمال “أخاف أن يكون أول الرقص حجلان”، وهو مثل يقصد منه أنه لا يمكن دخول معترك السياسة والمفاوضات دون تقديم تنازلات.
وكان رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل أشار في لقاء استعراض الوثيقة من الدوحة إلا أن الوثيقة عرضت على قانونيين لضبطها، وفق القانون الدولي لمراعاة كل الاعتبارات بما يخدم القضية الفلسطينية، مبيناً أن الحركة اختارت أن تقدم نموذج الجمع بين المقاومة الصلبة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي والفكر الوسطي المعتدل والعقل السياسي المنفتح.
وفي الوقت الذي رفضت حماس في وثيقتها كلّ المشروعات والمحاولات الهادفة إلى تصفية قضية اللاجئين، بما في ذلك محاولات توطينهم خارج فلسطين وفق ما جاء في البند الـ 13 تحت موضوع اللاجئين والعودة، إلا أنها أثارت جدلاً كبيراً لقبولها إقامة دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس، على خطوط الرابع من يونيو/حزيران 1967، شريطة عدم الاعتراف بإسرائيل تحت إطار “صيغة توافقية وطنية مشتركة”، كما جاء في البند العشرين من الوثيقة.
جدلية البند الـ 20
إذاً “البند 20” هو أكثر ما أثار الجدل، إذ اعتبره البعض “خطوة أولى” نحو الاعتراف بإسرائيل واللحاق بركب منظمة التحرير “المفرط بالحقوق الوطنية”، حسب وصف المعارضين.
لكن هذه الموافقة الحمساوية على هكذا دولة ليست جديدة، إذ سبق أن أعلنت حماس عن استعدادها لقبول دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة 67 دون الاعتراف بإسرائيل، وسبق أن طرحت مبادرتها الخاصة بإقامة هدنة مع إسرائيل لعشر سنوات دون الاعتراف بإسرائيل.
أستاذ العلوم السياسية والدراسات الفلسطينية في جامعة النجاح الوطنية بنابلس، عبد الستار قاسم، ذكر في مقال له أن البند العشرين لا يعني أن حماس تطرح مبادرة، إنما يعني أن “حماس لن تعارض إذا أفرزت المسيرة التفاوضية مع إسرائيل دولة فلسطينية في حدود 4 يونيو/حزيران”.
وأوضح أن خالد مشعل كان موفقاً في توضيح أن الواقع قد يفرز حلاً من هذا القبيل، والمنطق لا يدعو إلى رفضه. لكن ذكر أيضاً أن مشعل لم يكن موفقاً عندما وصف التفاوض بأنه آلية دون أن يوضح جيداً متى يمكن استعمالها، “صحيح أن التفاوض مع إسرائيل يشكل مساومة، والمساومة على الحقوق الفلسطينية ليست واردة من ناحية المبدأ”.
ويشير عماد أبو الروس باحث الدكتوراه في العلاقات الدولية والمختص في شؤون حركة حماس، إلا أن حماس لم تحسم بشكل واضح طبيعة الصراع هل هو ديني أم قومي أم وطني؟، حيث جاء في وثيقتها أنها ليست في صراع عداوة مع اليهود، في الوقت نفسه تؤكد أن من واجب المسلمين والعرب حماية فلسطين، مع قبولها بدولة على حدود 67.
وقال إن هذا الخلاف أثير من قبل منظمة التحرير إذ صرح صائب عريقات رئيس طاقم المفاوضات في السلطة الفلسطينية في وقت سابق أنه “من الصعب حسم الصراع على أساس ديني أو قومي أو وطني”.
وقال أبو الروس لـ “عربي بوست” إن الوثيقة جاءت متأخرة في ظل حصار مفروض على حماس منذ 11 عاماً، لكن حماس استطاعت تكوين منظومة عسكرية قوية على حساب الانفتاح السياسي، وقد تشهد المرحلة القادمة خياراً سياسياً أكثر انفتاحاً على حساب مشروع المقاومة، الذي يشهد تحالفاً دولياً وعربياً ومن حركة فتح ضده لمحاولة إفشاله، “إذ أن البرنامجين السياسي والعسكري تفصلهما شعرة بحاجة لمناور جيد يبحث عن بدائل في الأفق لكسر الجمود”.
تخوفات عماد تلاقت تماماً مع رأي محمد الآغا الناشط في دائرة شؤون اللاجئين التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية، والذي قال لـ “عربي بوست” إن طرح حماس غير واقعي، “كيف تقبل بدولة على حدود 67 وهي لا تعترف بالدولة التي تحتل باقي المساحة، وما الذي ستقدمه حماس من تنازلات مقابل الحصول على هذه الدولة؟”.
الحمائم والصقور والتجارب السابقة.. ما بعد الوثيقة؟
في الوقت الذي أظهرت فيه نتائج الانتخابات الداخلية لحركة حماس في فبراير/شباط 2017 صعوداً كبيراً للجناح العسكري فيها، وترأس يحيى السنوار وروحي مشتهى ومروان عيسى لمكتبها السياسي في غزة، بعد تجربة طويلة لهم في المفاوضات المباشرة مع مصلحة السجون الإسرائيلية خلال فترة اعتقالهم، مما يفتح الأفق أمام مفاوضات مباشرة، إلا أن خالد مشعل أكد خلال عرضه للوثيقة على أن الحديث عن مفاوضات مباشرة مع الاحتلال الإسرائيلي لم يحن بعد.
جمال المغترب، الذي يوالي حماس منذ البداية على “الحلوة والمرة” لأنها تقاوم الاحتلال الإسرائيلي، وترفض الاعتراف به بأي شكل من الأشكال، يقلب يومياً التفاصيل الدقيقة في تناول الصحف الغربية لتطورات القضية الفلسطينية بحثاً عن بصيص أمل.
ها هو الآن يظهر مخاوفه حاله حال كثير من موالي حماس، قائلاً: “أسوأ مخاوفي هو التسويق للوثيقة على أنها لم تأت بجديد بين أبناء حماس، في حين أنها تفرض على الحركة سياسة جديدة لم تعهدها من قبل ولا طاقة لها بها وهي المفاوضات المباشرة لفترة من الزمن، كأن أبناء الصف الثاني والثالث في قيادات حماس يروجون لهذا الأمر اتساقاً مع حمائم الحركة في الخارج”.
ولكنه لم يستطع حسم رأيه بشأن الوثيقة خصوصاً أنه غادر من غزة ويعرف الظروف المعيشية الصعبة التي يعانيها القطاع، والأفق السياسي الداخلي والإقليمي المسدود والذي ينعكس سلباً على الواقع المعيشي للناس في غزة والضفة، فيظهر تخوفه تارة من انغماس حماس في العمل السياسي وتركها للمقاومة المسلحة، ويظهر تفاؤله تارة أخرى من أن الظروف تحتم على حماس الانفتاح أكثر على المجتمع الدولي.
ردينة الآغا ذات الـ 27 عاماً والناشطة الصحفية في قطاع غزة، تشاطر جمال بعضاً من مخاوفه، قائلة لـ “عربي بوست” إن طرح الدولة المؤقتة عبثي ولا يمكن القبول به من الاحتلال الإسرائيلي والدول الغربية المؤيدة له، “إذا كانت إسرائيل ترفض إقامة دولة فلسطينية لسلطة تعترف بها، وتنسق معها أمنياً ولا تدفع باتجاه عودة اللاجئين أو تحقيق رفاهية على الأرض فكيف بها أن تقيم دولة لمن يرفض الاعتراف بها؟”.
وأضافت “الجماهير الشعبية العربية والعالمية تصطف مع حماس لموقفها الرافض للاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي، وعلى حماس توضيح خطواتها السياسية القادمة لجمهورها الشعبي خصوصاً في الدول العربية حتى لا تفقد قوتها في المدركات الجمعية العربية”.
ويعتبر الصحفي في وكالة شهاب للأنباء التابعة لحماس، إسماعيل النجار، ذو الـ 30 عاماً أن الوثيقة “غير كافية للمجتمع الدولي برغم التغيرات التي طرحتها”.
أما علاء البطة رئيس اللجنة الحكومية لكسر الحصار ورئيس ديوان وزير الخارجية في غزة قال لـ “عربي بوست إن الوثيقة تستهدف ثلاث دوائر مهمة أولاً الدائرة الفلسطينية حيث كان مطلب وطني في اتفاق مكة والدوحة والشاطئ أن تقدم حماس مرونة كافية للوفاق الوطني، ثانياً الموقف العربي منهم الدول الموالية لحماس وموقف مصر والأردن والسعودية، وتجنبت حماس أي ذكر يربطها بالإخوان المسلمين مؤكدة أنها حركة مقاومة فلسطينية، ثالثاً المجتمع الدولي وأتوقع أن تشهد كل الأطر السياسية في حماس نشاطاً دبلوماسياً كبيراً للدوائر السياسية الثلاث في الوقت الراهن.
أولى التحركات الدبلوماسية للتعريف بالوثيقة كشفتها مصادر خاصة لـ “عربي بوست” داخل حركة حماس، وتتمثل في لقاء سياسي مرتقب بين المخابرات المصرية وعدد من قيادات حماس سيعقد قريباً في إطار تعريف حماس لبعض الحكومات العربية، بموقفها وسياساتها في إطار وثيقة المبادئ الجديدة.
وتأتي الوثيقة في ظل مشهد فلسطيني داخلي أكثر تعقيداً حيث تدفع حماس آلاف الجماهير للخروج بمسيرات في غزة تحت شعار “عباس لا يمثلني“، مع ارتفاع وثيرة التهديدات من السلطة الفلسطينية في رام الله ضد غزة بقطع الكهرباء والرواتب ووقف الدعم الصحي حتى تسلم حماس قطاع غزة بالكامل.
آخر رشفة من القهوة رسالة جمال إلى مشعل
أنهى جمال آخر رشفة من القهوة المرة بعد مكالمة مطولة معه، تنهد بصوت مرتفع، ثم ضحك قائلاً باللهجة الفلسطينية “تعرف مش قادر أحسم موقفي هل أنا مع الوثيقة أم ضدها، حماس تعاني حصاراً ويحق لها المناورة السياسية، لكن لا يوجد دولة فلسطينية على حدود 48 وأخرى على حدود 67، ببساطة كانت تسمى فلسطين، وصارت تسمى فلسطين، والحلول المرحلية تؤدي إلى مزيد من التنازلات”.
واختتم حديثه قائلاً “المجتمع الدولي لن يشبع من التنازلات، ولا يوجد سقف محدد لإرضائه ببساطة إنهم يبيعوننا الوهم، وعلى الأرض حقائق مختلفة عن الوعودات، إنهم يراهنون على الزمن لإسقاط حماس، وحماس تراهن على الزمن لتغيير الإقليم، ولن تنجح أي مبادرة سياسية دون ترتيب البيت الفلسطيني أولاً”.
يغلق جمال هاتفه النقال، يدفع حساب القهوة وبعض البقشيش للنادل، يجمع حقيبته في انتظار موعد القطار المتجه نحو “بروكسل” لمهمة بحثية علمية، في جيبه جواز سفره الفلسطيني والمكتوب عليه “جواز سفر”، تحته مباشرة “وثيقة سفر” في تناقض واضح بين المصطلحين في القانون الدولي، وهو يردد كلمات الشاعر الفلسطيني محمود درويش “آه يا جرحي المكابر.. وطني ليس حقيبة وأنا لست مسافر”.