إلى هولاء الراحلين الحاضرين.. أكتب لكم

أهدي هذه الكلمات للراحلين الحاضرين الذين رحلوا عنَّي بأجسادهم وتركوا بداخلي ما يخلد ذكراهم بروحي ما حييت.

مرحباً أبي تحية طيبة.. ها أنا من جديد أكتب لك، ولكن هذه المرة مختلفة، فأكتب لك من عالمي الذي اخترت بكامل إرادتي أن أتقوقع بداخله فأدمنته وأدمنني.. فأصبحنا كتوأمين ملتصقين لا ينفصلان أبداً.. أخبرتك المرة السابقة عن بعض ما حدث في تلك المرحلة الانتقالية التي أعيشها، والتي أتمنى أن تنتهي، أخبرتك أنني لم أعُد فتاتك ذات الخمسة أعوام، وأنني أشعر كم أنا كبرت وغيرها من التفاصيل.. وفي هذه المرة فإنني عاتبة عليك يا أبي، عتاباً شديداً يحمل بداخله العديد من الأحاسيس المضطربة والمتضاربة، عتاباً على أنكَ علمتني أن ألون حياتي بالوردي فلم أدرك يوماً أنه سيأتي وقت ويفرغ القلم.. فأضطر حينها أن أستخدم ألواناً أكثر عتمة لم أعدها يوماً ولم أحبها قط.. دائماً ما حذرني الأكبر عمراً من كون الحياة ليست وردية، ولكنني أبيت أن أصدق، فقد علمتني دوماً أن لكل شخص تجارب حياتية مختلفة، فلا يوجد في الإنسانيات قاعدة عامة، فدائماً ما توجد استثناءات، وشجعتني على أكون الاستثناء في هذا العالم.

أتدري أيضاً بأنك لم تخبرني بماهية الفراق.. فكنت أظن أن الموت هو سبب الفراق الواحد والأوحد.. لكنك لم تخبرني قط أننا نستطيع أن نفارق أحبتنا ويفارقونا، ونحن على قيد الحياة، بل إنني وجدت الأصل في الحياة هو الفراق، وليس العكس “نبكي على الدنيا وما من معشر.. جمعتهم الدنيا فلم يتفرقوا”، هكذا قالها المتنبي منذ مئات السنين إن الأصل في الدنيا هو الفراق.

بت أشك في قاعدتنا القديمة بأنه لا توجد قاعدة عامة في الإنسانيات.. ولكنه أنهكني يا أبي، أنهكني الفراق غير المبرر فجأة وبدون مقدمات يختفون من حياتنا كما لم يكونوا قط.. ترى أسهل الفراق هكذا؟ تستيقظ يوماً فتقرر أنك لم تعد تتحمل تلك العلاقة أياً كانت مسمياتها.. حب.. صداقة.. زمالة، لكنني وجدت صفة مشتركة في كل العلاقات أنها معقدة، معقدة لدرجة لم أعُد أتحملها فقررت الوحدة.

أتذكر أنك طرقت بابَ غرفتي يوماً، وكنت أبكي بشدة في صمت كعادتي، وأحسست بي كعادتك واقتربت نحوي، وجففت دموعي بيدك، وضممتني بشدة، وهمست في أذني: “ألا لا تخافي ولا تحزني”.. وحدثتك يومها عن مخاوفي في تلك الحياة، واختصصت بالذكر الوحدة، واعترفت حينها بأنني أخاف الوحدة.. لا أريد أن أكون وحيدة يا أبي.. ووعدتني بأني لن أشعر بها يوماً، ولكنني اليوم ألفتها، فأصبحت الحياة بغير وحدتي.. غربة فبت وحيدة يا أبي.

أخبرتني في أول يوم مدرسة أن أحسن اختيار الصديقة التي ستظل معي للأبد، والتي سيتزوج ابني المستقبلي بنتها يوماً.. ولكنني وجدت لي في نهاية كل عام صديقة مختلفة عن التي سبقت، فلم تبقَ واحدة منهم فكلهن رحلن وانشغلن بأخريات وانشغلت أنا أيضاً.. ولن يتزوج ابني ابنتها، ويستمر الحال حتى الآن، فيأتي من تتعلق بهم أرواحنا قبل أجسادنا، ويرحلون ويتركوننا وحدنا نداوي آلام رحيلهم.

أخبرتني صديقتي ذات يوم أن كل شخص يأتي في حياتنا ما هو إلا رسول.. باعث برسالة أو درس وعندما ينهي رسالته يرحل!

أهكذا بهذه السهولة يجب أن أفكر في الرحيل؟! أن مهامهم في حياتنا انتهت، وأننا لم نعد نتحدث طول الليل! هكذا ببساطة ذهبوا وتركوا لنا ليلاً بائساً وفراغاً موجعاً! أهكذا يجب أن ننظر لكل شخص نقابله، أنه سيرحل إذا لم تفرق الأيام بينا سيفرق بيننا الموت يوماً؟! كيف لي أن أتحمل هذا يا أبي؟!

لقد تعبت فكرهت الناس واعتزلتهم، وكرهت الاختلاط بهم ليقيني التام بأنهم راحلون لا محالة وأسوأ ما في الفراق الذكريات، ملعونة الذكريات فهي تنهك الروح فتتحول الابتسامات لآلام، والأغاني لصراخ لا يحتمل تذكره.

أتتذكر فلاناً؟ إنني أخبرتك يوماً أنه صديقي المفضل فقد كان يشاركني كل تفاصيلي التي تبدو تافهة بعض الشيء، قد رحل عني دون سابق إنذار استيقظ فجأة ليرى أننا لن نستطيع أن نكون صديقين واختفى كما لم يكن، وتركني هو كغيره وكنت أتذكر أنني أخبرتك يوماً بأننا سنبقى معاً إلى الأبد وأنه كغيرهم.. ولكنه رحل.

وتتذكر يا أبي صديقتي التي كان يظننا من حولنا أننا توأمتان من تشابه صفاتنا فضلاً عن أشكالنا فأصبحنا مجرد “زمايل” تجمعنا بعض المحاضرات، ورحلت هي الأخرى، وأصبحت تبوح لأخريات بمدى حبها لهن، ولم تعد تخبرني ما تعانيه من ضيق كما تعاهدنا فقد تعاهدنا على السير معاً وعلى العهد لم نبقِ.

صحيح لم أخبرك عن ردة فعلي عندما يبدأون بالانسحاب، لقد تمسكت بهم يا أبي لدرجة لن يظنها أحد، تشبثت بهم، ولكنهم لم يتشبثوا بي يوماً بقدر ما تشبثت بهم، فقررت الرحيل عنهم، بل عن الدنيا، ووجدت في الوحدة أنسي، فهو وعدني ألا يتركني كما تركني الآخرون.. ترى هل ستتركني الوحدة يا أبي كما فعل غيرها؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top