باتت الإدارة الأميركية مُستعدة الآن للمُضيّ قدماً في تنفيذ الهجوم العسكري لطرد عناصر تنظيم الدولة الإسلامية من آخر معاقله المتبقية تحت سيطرته في مدينة الرقة السورية، مع اعتراضات واسعة وقوية من قبل تركيا.
وبحسب ما نشر موقع “فورين بوليسي“، فإنه من المتوقع أن يُطْلِع الرئيس دونالد ترامب، نظيره التركي، رجب طيب أردوغان، على الخطط الأميركية، عندما يزور أردوغان البيت الأبيض في وقت لاحق من هذا الشهر.
وقال مسؤولون في وزارة الدفاع الأميركية إن العملية التي تأجلت كثيراً، والتي تستند إلى خطة أعدتها إدارة أوباما لإعطاء القوات الكردية دوراً قيادياً في العملية، من المُرجح أن يتم المُضي قُدُماً فيها بعد زيارة أردوغان.
وقد أرسلت القيادة المركزية الأميركية بالفعل طلباً إلى وزير الدفاع، جيم ماتيس، ليمنح الإذن بالبدء في تسليح القوات الكردية السورية، استعداداً للهجوم على الرقة. ويجب على ترامب أن يُبارك الخطة ليمهد الطريق للهجوم، بمجرد أن يضع ماتيس إمضاءه على الطلب. وقال بعض المسؤولون والخبراء إنه من المرجح أن يوافق ترامب على الخطة التي يطرحها القادة على الفور.
تفاصيل الخطة
أما عن الهجوم فسيعتمد على وجود قوة مختلطة ما بين المُقاتلين الأكراد والعرب، مدعومة بالقوات الجوية والمدفعية الأميركية. وقد ورث ترامب مُخطط طرد الدولة الإسلامية، المعروفة باسم داعش، إلى خارج الرقة، من الإدارة الأميركية السابقة، حيث خلُص فريق أوباما إلى أن القوات الكردية السورية تُمثل القوة الوحيدة الموجودة حالياً القادرة على الاستيلاء على الرقة دون اللجوء إلى نشر عدد كبير من القوات الأميركية التقليدية. ومن جانبها، تُعارض تركيا بشدة فكرة قيام مُقاتلين أكراد بتحرير مدينة عربية.
وقدَّم البنتاغون طلباً مُماثلاً لتسليح الأكراد من أجل عملية الرقة، وكان ذلك في الأيام الأخيرة من إدارة أوباما، إلا أن الرئيس الأميركي وقتها قرر أنها كانت خطوة كبيرة للغاية ليتم اتخاذها مع قُرب تولي ترامب منصبه، خاصة مع موقف تركيا من العملية.
وقبل أيام من أداء ترامب لليمين الدستورية، قام مسؤولون كبار في إدارة أوباما وضباط بالجيش، بإطلاع مُساعدي ترامب على الخطة الموضوعة، كما قاموا بحثهم على التحرك بسرعة للبدء في العملية.
وتحدث أحد مسؤولي البيت الأبيض، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، قائلاً: “في مُناقشاتنا، اعتبرنا ذلك الأمر أولوية عُليا، ومن أهم قضايا الأمن القومي”. إلا أن البيت الأبيض بعد تولي ترامب اختار وقف سير العملية، وإجراء مُراجعة لاستراتيجية الحرب.
وفي الوقت نفسه، ضغطت أنقرة على واشنطن لتقوم باتباع نهج مُختلف، من شأنه الاعتماد على القوات التركية المنتشرة في سوريا، وكذلك القوة العربية التي لم تُختبر بعد، وهو الجيش السوري الحر. إلا أن ليندا روبنسون، المُحللة في شركة راند، التي قدمت النُصح للقوات الأميركية، والتي عادت مُؤخراً من زيارة إلى سوريا مع قادة بالجيش الأميركي، قالت: “إن المسؤولين الأميركيين قاموا ببحث واستكشاف العرض الذي قدمته تركيا، ووجدوا أنها لا تقدم ما يكفي للمساهمة عسكرياً”.
وأثناء حكم إدارة أوباما، لم يكترث كبار المسؤولين بمقترحات تركيا ولم تُثِر انبهارهم.
ورغم أن تركيا كانت لديها شكوك، إلا أن إدارة ترامب خلصت إلى أن خروج القوات الكردية في الصدارة، هي الطريقة الواقعية الوحيدة لدفع تنظيم الدولة الإسلامية إلى خارج الرقة، المدينة التي أشار إليها التنظيم بأنها عاصمة “الخلافة”.
ولكن، لتجنب تفاقُم الوضع وتدهور العلاقات مع أنقرة، قال المسؤولون إن البيت الأبيض والبنتاغون اختارا تأجيل اتخاذ أي قرار بشأن الرقة، إلى أن تنتهي تركيا من إجراء الاستفتاء، الذي انتهى الشهر الماضي.
تصاعد التوترات
وكانت التوترات بين واشنطن وأنقرة قد تصاعدت كثيراً منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، في يوليو/تموز من عام 2016، عندما حاولت مجموعة من الضباط العسكريين إسقاط الرئيس أردوغان. وتسببت حملة الاعتقال التي أعقبت الانقلاب، في إزعاج إدارة أوباما والاتحاد الأوروبي.
كما قصفت الطائرات الحربية التركية، القوات الكردية في شمال سوريا أواخر الشهر الماضي، ما أسفر عن مصرع 18 فرداً من المقاتلين المدعومين من الولايات المتحدة، في غارة وقعت على بُعد أقل من 6 أميال من مواقع القوات الأميركية. وتسبب ذلك الهجوم في دفع البنتاغون لإرسال كتيبة أخرى من قوات حرس الحدود الأميركية إلى الحدود، لتقوم بدورها كقوات عازلة بين القوات الكردية والتركية.
وفي الأسبوع الماضي، أخبر قائد قوات الأطلسي في أوروبا الجنرال الأميركي كورتيس سكاباروتي، نظيره التركي الجنرال خلوصي أكار، بأن الهجمات كانت خطيرة للغاية، لأن أنقرة منحت القوات الأميركية إنذاراً مُسبقاً مُدته أقل من ساعة واحدة فقط قبل بدء القصف.
وتؤكد الكلمات الغاضبة والضربات الجوية التركية على حلفاء الولايات المتحدة من الأكراد في سوريا، على مخاطِر المُضي قدماً في خطة الرقة، وتتطلب التوترات القائمة بعض الدبلوماسية الدقيقة في التعامُل لطمأنة أنقرة، التي تخشى أن يكون الأكراد قد وُعِدوا بالحصول على دولة مستقلة على الحدود الجنوبية لتركيا.
وبعد أشُهر من جهود التدريب، يُعَلِّق القادة الأميركيون آمالهم على الوحدة الكردية-العربية المُختلطة -المعروفة باسم قوات سورية الديمقراطية- للاستيلاء على الرقة. وتعتبر أنقرة أن المقاتلين الأكراد السوريين على وفاق وتحالُف مع حزب العمال الكردستاني الكردي المشهور باسم PKK، الذي تعتبره أنقرة جماعة إرهابية، وتضع كليهما في التصنيف ذاته. إلا أن واشنطن، من ناحية أخرى، تميِّز بين المجموعتين ولا تعتبرهما مجموعة واحدة.
ويتردد المسؤولون الأميركيون كثيراً فيما إذا كان عليهم إلغاء خطتهم، وتخصيص الدور الرئيسي للقوات التي تدربها تركيا، حيث قال أحد مسؤولي البنتاغون إنه رغم أن القوات التي تدربها الولايات المتحدة، تُعتبر مُختلطة، فإن الأكراد يشغلون جميع المناصب القيادية تقريباً. وأي تحرك يهدف إلى إدخال الميليشيات المدعومة من تركيا، من شأنه تعقيد العملية، إذ إن القوات المدعومة من تركيا هاجمت المقاتلين الأكراد شمالي سوريا من قبل.
ويقول ضباط عسكريون أميركيون إن واشنطن ستضمن عدم تشغيل القوات الكردية من جانب واحد، ولن تسمح لها بالسيطرة على حكم الرقة بعد إجبار تنظيم الدولة الإسلامية على الخروج منها. كما قالوا إنهم ينظرون في بعض الخيارات التي تشمل تقنين ذخيرة القوات الكردية، بهدف تهدئة المخاوف التركية بشأن تخزين الميليشيات الكردية للأسلحة التي تزوّدها بها الولايات المتحدة، لتستغلها في إقامة دولة مستقلة.
وقد قلل بالفعل الفريق ستيفن تاوسند، قائد القوات الأميركية في العراق وسوريا، من خطر قيام القوات الكردية بتغيير التركيبة العرقية في الرقة، وأكد أن القوات المُشارِكة في الهجوم المُحتمل ستُسْتَمَد من مُختلف الطوائف العرقية.
وقال تاونسند في تصريح للصحفيين الشهر الماضي: “لا أعتقد أننا سنغير التركيبة الديمغرافية للرقة مع مشاركة الأكراد أو التركمان أو أي مجموعة أخرى في العملية. إلا أنني أتوقع مُشاركة جميع الفصائل السورية شمالي سوريا في تحرير الرقة”.
قتال طويل وصعب
ومن المتوقع أن يكون القتال في الرقة طويلاً وصعباً. وبينما تُعتبر الرقة أصغر حجماً وأقل اكتظاظاً بالسكان، مُقارنة بمدينة الموصل العراقية، إلا أن جميع الدلائل تشير إلى أن تنظيم الدولة الإسلامية يستعد لاستخدام التكتيكات ذاتها التي أبطأت عمليات الجيش العراقي حول الموصل، وجعلته زحفاً دموياً يمر على جميع المنازل، منزلاً منزلاً.
وصرّح مسؤولو البنتاغون بأنه على غرار الدفاعات التي أُقيمت في الموصل، قام بعض المسلحين التابعين لتنظيم الدولة الإسلامية ببناء شبكة متطورة من الأنفاق والمصدات، والفخاخ المتفجرة للدفاع عن الرقة. وقال الكولونيل جون دوريان، المتحدث باسم القوات التي تقودها الولايات المتحدة في العراق وسوريا، في تصريح للصحفيين في وقت سابق من هذا الأسبوع: “يغلب علينا الظن بأنها ستكون معركة خطيرة وصعبة للغاية عندما تبدأ”.
وقد عانت القوات العراقية التي كانت تُقاتل في الموصل من خسائر فادحة. وبعد إطلاق هجومها في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2016، لا تزال القوات العراقية تقاتل من أجل القضاء على تنظيم الدولة الإسلامية في الأجزاء الغربية من المدينة، وذلك رغم مئات الضربات الجوية الأميركية.
ومن جانبهم، يعتقد القادة العسكريين الأميركيين أن الدولة الإسلامية في موقف ضعيف، وأن الانتقال إلى القتال في الرقة مع تراجع المسلحين في الموصل وأماكن أخرى، من شأنه توجيه ضربة قوية ضد الجماعة.
ويرى كبار قادة الجيش الأميركي أن التحرك عاجلاً وعدم التأجيل يُعد أمراً أساسياً للحفاظ على قوة الدَفْع والزخم ضد تنظيم الدولة الإسلامية، كما يشيرون إلى التهديد الإرهابي المُحتمل الذي تُشكله الرقة.
وتخشى الحكومات الأميركية والأوروبية من تدبير مؤامرات للقيام بهجوم إرهابي مُحتمل ضد أهداف غربية في الرقة، التي تعتبر ملاذاً لتنظيم الدولة الإسلامية. ورغم أن مُقاتلي تنظيم الدولة فرّوا بالفعل من المدينة، إلا أن أجهزة المُخابرات الأميركية تعتقد أن تنظيم الدولة مازال يخطط لشن هجمات إرهابية أو “عمليات خارجية”، وأن استعادة السيطرة على الرقة يظل جزءاً أساسياً من الرسالة الدعائية للجماعة، كما أكد المسؤولون.
وقال مسؤول في المُخابرات الأميركية، والذي لم يكن مُفوضاً للحديث لـ”فورين بوليسي“: “لا تزال الرقة تمثِّل مركزاً هاماً للجاذبية بالنسبة لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، بما في ذلك العمليات الخارجية”.