* دعوة للغذاء:
حلمت بأنني طفل صغير ألهو مع أقراني، وإذا بصوت أمي يناديني من بعيد للحضور لتناول الغذاء والكفّ عن اللعب.
فتركت ما بيدي وأسرعت إليها خشية توبيخها، صعدت درجات السلم سريعاً، وبحثت عنها فلم أجدها، رفعت بصري فوجدت صورتها على حائط تبتسم إليّ، ومكتوب تحتها بخط صغير تاريخ الوفاة.
* الغربان:
سمعنا في تلك الليلة بكاء طفل وضحكة ماجنة لامرأة لعوب، وأعقب ذلك صرخة طائر لم نعرفه من قبل.
وفي الصباح صحونا لنجد أسراباً من الغربان تسد الأفق كغمامة سوداء ثقيلة، تفوق الحصر والعدد كانت تحط على الأسطح والجدران والأبواب وأعمدة الإنارة.
* الثمن:
قابلته ذات ليلة صيفية منذ سنوات بعيدة، جلسنا بمقهى “الشوشاني”، وتذكرنا أيام الشباب الأولى وبضعة مواقف تربطني به.
فجأة تكدّر وعبس وجهه، وقال: مثلك يقيم بين أهله سعيداً هانئاً، بينما أنا تغرّبت سنوات طويلة بحثاً عن لقمة العيش.
وقد ضاعت متع الحياة تحت وطأة الحاجة والغُربة وتسرّبت سنوات العمر، فمن يعيدها إليّ، ثم زفر هواء ساخناً من صدره أطاح بنسمة باردة كنت أراودها عن نفسها.
قلت: تلك حكمة الحياة لا تعطي المرء كل شيء، ودائماً هناك ثمن لكل منحة تنالها.
* شطرنج:
دعاني صديق للعب دور “شطرنج” بأحد المقاهي، جلسنا معاً وقد توسطت رقعة الشطرنج مجلسنا، أخذنا الحماس واشتدت المنافسة بيننا وألهب تشجيع الحضور مشاعرنا، فتحفّز كل ليقضي على خصمه ما وسعته طاقته وأنتجته قريحته، ثم عمّ الصمت المكان، تحفّز كلانا بجنوده وعتاده وخلف هؤلاء يقف الملك بشموخه وصولجانه، وتحميه القلاع والعتاد، ويؤنس وحدته وزيره وأقرب خلصائه، حمى وطيس اللعبة، وفي سبيل الفوز أطاح كل منّا بما يقابله من عساكر وعتاد لخصمه، حتى أضحت الرقعة كساحة حرب ممتلئة بأشلاء الضحايا دون مصابين وخراب مقيم.
رغم فوزي بالدور فإن غصة أصابت حلقي وشعرت بقبضة تعتصر قلبي، وأنا أنظر للرقعة وقد امتلأت بالأشلاء والخراب، وتخيّلت وجه أحد جنودي ملقى على أرض الرقعة ينظر لي بأسى قائلاً: لا تغتر بفوزك فما أنت إلاّ واحد منّا، فجميعنا نعيش ونموت من أجل الملك، ثم أعقب وهو يحتضر ويلفظ آخر أنفاسه، هي قيود صنعناها بأيدينا وحريّة تنازلنا عنها بإرادتنا، ومصير نستحقه دون رحمة.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.