أدلى الجميع بدلوهم في الحديث عن جائزة نوبل ومصداقيتها، ومع آراء النقاد عن نجيب محفوظ وجائزته كان لزاماً علينا معرفة رأيه هو وهل كان مشجعاً للجائزة وأهدافها أم أنه
فضَّل الصمت إلى أن فاز بها؟
وباطلاعنا على هذه الحوارات، وجدنا موقفه قبل الجائزة مختلفاً عما بعدها؛ فقبل الجائزة: صرح بأنه سيرفض الجائزة إذا حصل عليها؛ لأن ذلك سيؤلّب ضده الجماهير ويربطون بينها وبين موقفه من اتفاقية كامب ديفيد بقوله: “نعم، سأرفض الجائزة لو منحوني إياها؛ لأن البعض اعتقد أنني أدعو إلى السلام وكامب ديفيد من أجل الحصول على جائزة نوبل التي تسيطر عليها الصهيونية العالمية”.
وأضاف: “إنني أدعو إلى السلام في نظر هؤلاء؛ لكي أحظى برضا تلك المنظمات التي تتحكم في منح الجائزة لمن تريد، ولهذا سأرفض جائزة نوبل لو مُنحت لي بالفعل؛ لأنني في الحقيقة في غنى عن رضا الصهيونية”.
ومن ثم، فقد أكد تهمة من الاتهامات التي طالت نوبل، بأنها غير مستقلة في قراراتها وأن أهدافها ليست أدبية صافية؛ بل هناك أهداف أخرى يتحكم فيها صراع المنطقة العالمية، منها القوة الصهيونية.
لقد كانت آراء نجيب محفوظ تجاه السلام مع إسرائيل أبرز الأخطاء التي وقع فيها، خاصة أنها قضية حساسة في التاريخ العربي وما زالت جذورها ممتدة إلى يومنا، ونال بسبب رأيه الكثير من السخط والانتقاد وحتى السبّ بتهم كالخائن والعميل والباحث عن أطماع لدى الدولة؛ لأنه مؤيد لها في قراراتها، وإن كان يدّعي أنه سبق السادات في دعوته وجاء على لسانه: “إنني ضد اللاسلم واللاحرب؛ لأنها حالة تستنزفنا، وإن المفاوضة هي مواجهة الموقف بواقعية، ولم يكن السادات في ذلك الوقت فكّر في المبادرة. والعجيب أن السادات كان يهاجمنا قبل المبادرة وبعد المبادرة بأننا نؤيده!”.
ويضاف إلى ذلك، آراؤه تجاه الغرب؛ فهو وفي حوار آخر بخصوص إسرائيل والصلح معها ارتكب خطأ أفدح من السابق بقوله: “لو كان الأخذ من حضارة متفوقة يعني الفناء كنا فنينا في الاستعمار البريطاني والفرنسي، والطلياني والإسباني، لقد استفدنا وبقينا أحسن؛ بل أخذنا من المبادئ التي حاربناهم بها وأخذنا الاستقلال، هل كنا نعرف الديمقراطية والاستقلال التام؟ هم من علمونا”.
هذا النوع من الآراء التي يزلّ بها لسان نجيب محفوظ في حواراته جعل فوزه بنوبل تلفّه الشكوك والشبهات، وقبل عام واحد من حصوله على الجائزة أدلى بحديث إلى الشرق الأوسط يؤكد قوله الأول من أنه سيرفض الجائزة، “أنا لم أفكر أبداً في جائزة نوبل، أُعجب كثيراً كيف نشغل بالنا ليل نهار بهذه الجائزة وكأننا لن نكتب أدباً! أو لن يكون لنا أدب إذا لم نفز بها؟!”.
هذا كان قبل فوزه بجائزة نوبل، لكن الأمر تغير بعد فوزه، ولم تبق هذه الأحاديث على حالها؛ فقد عاد بتصريحات أخرى مغايرة، وما يمكن أن نقف عنده مندهشين أنه لم يرفضها؛ بل قبِلها مرحِّباً وكان شديد السعادة، “إنني سعيد لنفسي وللأدب العربي”، مشيراً إلى أنه يتذكر في هذه اللحظات أساتذته من الأدباء المصريين الذين كانوا يستحقون نيل الجائزة، مثل طه حسين، وعباس العقاد، وتوفيق الحكيم، ورأى فيها رزقاً وتأميناً لحياة بناته من بعده.
بعد فوزه، سأله أحدهم عن أثر ذلك عليه، فقال: “ولأني منذ زمن حسمت الأمر مع نفسي، ربما منذ 10 سنوات، حيث عرفت أن الجائزة تُعطى للعمالقة أمثال برنارد شو وتومي جان، وتأكدت أنها ليست لنا نحن العرب، ربما لحسابات كثيرة- كانت دهشتي الكبرى هي الشعور الغالب على هذه اللحظة”.
دعنا نركز هنا على قوله “ربما منذ 10 سنوات”؛ إذا حسبنا 10 سنوات قبل عام 1988، وجدنا أنه يعني تاريخ 1978؛ أي تاريخ اتفاقية كامب ديفيد مع إسرائيل، ومن ثم فتصريحه بأنه لا يهتم للجائزة وأنه يجب ألا نشغل بالنا بهذه الجائزة- كله كلام إعلام لا أكثر ولا أقل؛ لأننا من خلال القول السابق نجده فكَّر في الجائزة وشغل نفسه بها لكن قبل 10 سنوات؛ لذلك قدم لها السبت من أجل الأحد، لكن أحده تأخر إلى ما بعد 10 سنوات.
وقد برر للجائزة أبعادها غير الأدبية في أكثر من موضع؛ من مثل تركيزها على ما يخدم وجهة النظر الغربية، سواء كان ذلك سياسياً أو ثقافياً أو أدبياً، وقال إنها صفة أي جائزة فلا يمكن لأحد أن يهدر ماله دون أن ينتظر مقابلاً من ورائه، “ما من جائزة إلا من ورائها شروط ما؛ لأنه لا يمكن أن أرصد مالي لجائزة إلا وعندي هدف، وجائزة نوبل تعبر عن قيم الحضارة الغربية”.
نتفق معه في هذا الحديث؛ فلا بد أن يستفيد من يقوم بتأسيس جائزة معينة بجملة من الأهداف التي تخدمه، كبناء علاقات وتأسيس لأهداف تعود بالنفع على صاحبها، وهي في جائزة نوبل السويد.
وتغيُّر وجهة نظر نجيب محفوظ بين ما قبل الجائزة وما بعدها، يؤكد لنا أن الجائزة النوبلية كانت تعنيه وأراد الفوز بها وإن أنكر ذلك؛ لأن الخط الذي اختاره -رغم استنكار الشارع العربي له- يدل على خطط بعيدة المدى وإن حُجبت تحت عناوين كبيرة، مثل مصلحة مصر إعادة أرضنا أولاً ثم الاتحاد مع العرب لاسترجاع باقي الأراضي؛ فبعد هزيمة 1967 أدلى برأي خطير مفاده “إنك تسألني عن هزيمة 5 يونيو/حزيران 1967 وأنا لا بد أن أستخدم الواقعية، أنا رايح أدافع عن أرض الناس (فلسطين) خسرت أرضي”!
ويجب التنبيه لها، وهو أن نجيب محفوظ من الأشخاص الذين لا يعبرون عن آرائهم السياسية صراحةً؛ بل يبطّنها بين طيات رواياته، وتأتي على لسان شخصياته فيبقى القارئ والناقد في حيرة؛ هل هذا موقفه الشخصي أم موقف شخصياته؟
فلماذا عند هذه القضية بالذات كانت آراؤه مدوِّية؟ وأسمعَها لكل العالم وهو نفسه يقرّ بأن هذه الجائزة ككل جائزة تقوم على أساسين:
الأساس الأول: عمل يُشترط فيه درجة من التفوق، وهذا لا ينكره أحد على نجيب محفوظ حتى أشد أعدائه ضراوة.
الأساس الثاني: تحقيق مضمون معين لا يخلو من خط سياسي بالمعنى العام، وهذا ما حققه بموقفه من السلام مع إسرائيل، وكذا موافقته لجملة من الآراء التي تتوافق والمصطلحات الغربية الفخمة المجوفة في الحقيقة من معناها الأصلي؛ كالديمقراطية، والعدالة، والحرية، ونبذ التعصب وتقبُّل الآخر، وهي مفاتيح استطاع تحقيقها في رواياته من وجهة النظر التي تجد هوىً في نفس الغربيين عامة.
كما أننا لا نقول إنه الوحيد الذي نهج هذا النهج، فغيره من الأدباء والمفكرين كثير، ولكن يبقى تركيز الضوء على من وصل إلى الهدف وحققه. وينطبق على نجيب محفوظ في هذا الإطار ما يسمى مثقفي النموذج الثالث، وهو مثقف الطبقة المتوسطة والدنيا المرتبط بالطبقة العليا النازع إلى التسلق الطبقي، الذي يلتقي في كثير من الأمور مع فريق مثقفي الطبقات الوسطى (النموذج الرابع) قبل انحرافه، وكأني بالنموذج الرابع مجرد قناع يلبسه المثقف إلى أن يصل إلى أهدافه!
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.