نتنياهو يُحاصر مجموعة من جنوده المتقاعدين الذين يكشفون انتهاكات جيشه.. فهل يذهبون به للمحكمة الدولية؟

اشتعل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غضباً عندما التقى وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل مؤخراً بمجموعة من الجنود الذين يفترض أنهم قاتلوا يوماً تحت إمرة رئيس الوزراء الإسرائيلي.

وكان نتنياهو قد ألغى، في 25 من أبريل/نيسان 2017، لقاء مقرراً مع غابرييل أثناء زيارة رسمية إلى إسرائيل، بعد خلاف حول إصرار الوزير على الاجتماع بمنظمتين حقوقيتين تنتقدان الحكومة الإسرائيلية، خاصة مجموعة “كسر الصمت” التي تضم جنوداً إسرائيليين يفضحون انتهاكات الاحتلال بحق الفلسطينييّن.

وفي المقابل، اختار غابرييل بالفعل الالتقاء بمجموعة الجنود، مما جعل نتنياهو، الذي يشغل أيضاً منصب وزير الخارجية الإسرائيلي، يعلن أن تجنب الزوار العازمين على الالتقاء بمجموعة كسر الصمت، قد أصبح الآن سياسة رسمية تعتمدها إسرائيل، حسب تقرير لوكالة أسوشيتد برس الأميركية.

في المقابل حاول الرئيس الألماني الذي بدأ زيارة لإسرائيل الأحد، 7 مايو/أيار 2017 تقليل التوتر الناجم عن هذين اللقاءين، وفقاً لوكالة الأنباء الفرنسية.

والمنظمتان اللتان التقاهم غابرييل هما “كسر الصمت” و”بتسيلم” الإسرائيليتين ، وترصد منظّمة “كسر الصمت” انتهاكات الجيش الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلّة، بينما تنشط “بتسيلم” في توثيق الاعتداءات والدفاع عن حقوق الإنسان وتعارض بشدة بناء المستوطنات الإسرائيلية.

دفاعاً عن إسرائيل أم فلسطين

وتقول هذه المجموعة من الجنود الإسرائيليين المتقاعدين “كسر الصمت”، ممن زُجَّ بهم في قلب الخلاف الدبلوماسي المتصاعد مؤخراً بين ألمانيا وإسرائيل، إن تسليط الضوء الدولي المفاجئ على الأزمة تسبَّب في منحهم مساحة أكبر لمعارضة الاحتلال الإسرائيلي المسيطر على ملايين الفلسطينيين، والممتد لقرابة خمسين عاماً.

وهؤلاء الذين كسروا دائرة الصمت هم مجموعة من الجنود السابقين، الذين يحذرون من أن الاحتلال الإسرائيلي مفتوح الأمد، لأراضٍ من المُزمع إنشاء دولة فلسطينية عليها، يمثِّل تهديداً وجودياً لدولتهم، حسبما نقل عن تقرير أسوشيتد برس.

ومنذ عام 2004، جمعت المجموعة شهاداتٍ من أكثر من 1100 جندي زميل، تصف الجانب المظلم لهذا الحكم المحتل، بما في ذلك ما يبدو أنه إساءة معاملة روتينية لمدنيين فلسطينيين جُرِّدوا من الحقوق الأساسية.

ويأمل المحاربون القدامى أن شهادات كتلك من قِبل محاربين سابقين سيكون لها شأن، وستثير نقاشاً عاماً حول ما يوصف بالكلفة الأخلاقية للاحتلال الإسرائيلي.

ممولون من الخارج

على الجانب الآخر، يتبنى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وكبار قادة حكومته وجهة نظر مختلفة تماماً، واصفين مجموعة “كسر الصمت” بكونهم مثيري شغب مُمَوَّلين من الخارج يحاولون تشويه سمعة إسرائيل وجيشها، حسب ما نقل عنه.

وفي الآونة الأخيرة، بدا أن نتنياهو على استعدادٍ لتدمير علاقات إسرائيل مع حليفها الأوروبي الرئيسي ألمانيا، بهدف إحراز نقاط ضد مجموعة “كسر الصمت”، التي تضم 16 عضواً، وعشرات المتطوعين، وميزانية سنوية تصل لحوالي 2 مليون دولار أميركي، وذلك لمقاطعته لوزير الخارجية الألماني الذي أصرَّ على لقاء المجموعة.

هل يلتقي بهم الرئيس الألماني؟

وسعى الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير خلال زيارته لإسرائيل الأحد، 7 مايو/أيار 2017، إلى طي صفحة التوتر الدبلوماسي بين البلدين، مؤكداً أن العلاقة الثنائية قوية بما يكفي لتحمل “الاضطرابات”.

والزيارة هي الأولى التي يقوم بها شتاينماير لإسرائيل منذ توليه منصبه، في مارس/آذار 2017، وأول زيارة خارج أوروبا بعد الخلاف الذي اندلع في الآونة الأخيرة بين وزير خارجية ألمانيا سيغمار غابريال ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.

وشدد شتاينماير الذي من غير المرتقب أن يعقد أي لقاء مع منظمات قد يثير الجدل خلال زيارته إسرائيل، على الثقة والتفاهم بين البلدين اللذين يجب ألا يؤديا بحسبه إلى أي قيود، حسب وكالة الأنباء الفرنسية.

وقال الرئيس الألماني في تصريح بمقر نظيره الإسرائيلي رؤوفين ريفلين قبل اجتماع مشترك: “علينا ألا نفرض قيوداً، وعلينا الثقة في أن أصدقاء مثلنا يمكنهم تفسير ما يسمعون بشكل سليم”.

وأضاف أن “العلاقة الفريدة بين بلدينا مهمة للغاية، بحيث يتعذر قياسها فقط بمسألة من يعتبر محاوراً شرعياً”.

وأقرَّت حكومة نتنياهو اليمينية عدداً من القوانين التي تستهدف المنظمات التي تتهمها بمحاولة نزع الشرعية عن إسرائيل.

وألمح نتنياهو أثناء لقائه بالرئيس الألماني، الأحد، إلى الخلاف مؤكداً أن “الجيش قادر على حمايتنا بجنود وضباط شجعان يحملون قيماً أخلاقية”، حسب وصفه.

كما شدَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي على ما وصفه بـ”التحالف الفريد (بين البلدين) المنبثق من منظار تاريخي خاص، ومن فهم أهمية مستقبل من السلام والتنمية بالنسبة لإسرائيل”، كما نقلت عنه وكالة الأنباء الفرنسية.

من جانبه، تطرَّق الرئيس الإسرائيلي ريفلين إلى التوتر بين البلدين، قائلاً إن “إسرائيل ديمقراطية نابضة تضم أصواتاً مختلفة ومتنوعة وناقدة، حتى إن بدا قبول تلك الأصوات صعباً أو أثارت الاستياء أحياناً”.

فضلٌ تشوبه المساوئ

وصرَّح يهودا شاؤول، المؤسس المشارك في مجموعة كسر الصمت، بأن الانتباه الإعلامي الأخير للمجموعة هو فضلٌ يشوبه بعض المساوئ.

ونقلت عنه أسوشيتيد برس في مقابلةٍ أجريت معه في مكتب الحركة، المتواجد بعيداً في ممشى قديم في منطقة صناعية وضيعة في تل أبيب: “إن التركيز على الخلاف الدبلوماسي يحوِّل الكثير من الاهتمام عن القضية الحقيقية وما يجري في الأراضي المحتلة، ولكن من ناحية أخرى، فإن اهتماماً كهذا يمنحنا مزيداً من المنصات التي تسمح لنا بالتحدث عن تلك الأزمة”، قاصداً بذلك وسائل الإعلام ودعوات الخطاب العام التي تجذب جماهير أكبر.

وأشار تقرير أسوشيتد برس إلى أن الإسرائيليين انقسموا بشدة حول ما يجب فعله إزاء الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والأراضي التي استولوا عليها، في يونيو/حزيران 1967.

فقد ضمَّت إسرائيل القدس الشرقية لها بعد حرب 1967 مباشرةً، مع احتفاظها بسيطرةٍ كليةٍ على الضفة الغربية، بالتوازي مع عدة مناطق تخضع للحكم الذاتي الفلسطيني. وانسحبت إسرائيل، في خطوة أحادية من جانبها، من قطاع غزة في العام 2005، بينما فرضت بعد عامين حصاراً على الحدود منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية “حماس” على القطاع.

وحسب التقرير يؤيد الكثير من الإسرائيليين فكرة إقامة دولة فلسطينية من حيث المبدأ، إلا أنهم يعتقدون أنه ليس من الآمن تخليهم عن الأراضي التي اغتنموها من الحرب في الوقت الحالي، إذ أثارت ثلاث حروب مُحتدِمة بين إسرائيل وحماس منذ 2008 عدة مخاوف، وتسبَّبَت في تصعيد الصراعات الإقليمية. في الوقت نفسه، فإن هناك 600 ألف من المستوطنين الإسرائيليين يقيمون في الأراضي الفلسطينية المحتلة، علاوة على توسعهم لضم مستوطنات بشكل مطرد.

“جيراني الفلسطينيون”

وصرَّح شاؤول أنه ورفاقه هم الوطنيون الحقيقيون، وليس أولئك المتشبثين بالأراضي المحتلة، قائلاً: “أؤمن بأن لليهود الحق في تقرير المصير في الأراضي المُقدَّسة، حسب تعبيره، ولكنني أرفض قبول أن الطريقة الوحيدة التي سيُسمح لي من خلالها بتطبيق حقي في تقرير المصير هي بتجريد جيراني، الفلسطينيين، من الحق ذاته الذي أطالب به لنفسي، فالاحتلال الدائم هو أكثر المواقف المعادية للصهيونية التي يمكن اتخاذها، إذ تقضي بأننا محكومون بالعيش في الخطيئة”.

وتعود بدايات حركة “كسر الصمت” لمدينة الخليل، المدينة الأكبر في الضفة الغربية، حيث يحرس مئات الجنود الإسرائيليين نفس التعداد تقريباً من المستوطنين اليهود، في منطقة تسيطر عليها إسرائيل جزئياً بشكل لا يسمح للفلسطينيين بارتيادها.

وأشار التقرير إلى شاؤول الذي نشأ وتربى في منزل يهودي أورثوذكسي، قد قضى أكثر من عام من مدة تجنيده الإجبارية، التي امتدت لثلاث سنوات، في منطقة الخليل في ذروة انتفاضةٍ فلسطينيةٍ مسلحة شاعت فيها التفجيرات وإطلاق الرصاص، اندلعت عام 2000.

وقد شَعَرَ بخيبةِ أملٍ متزايدة من مهمته العسكرية، التي أحس أنها هدفت بدرجةٍ كبيرة إلى إخافة الفلسطينيين منه ومن رفاقه.

ونقل التقرير عنه قوله إنه بينما قاتل آباؤه وأجداده ضد الجيوش للدفاع عن إسرائيل، فإن قصصه “التي يمكن سردها هي حكايات اقتحام المنازل في منتصف الليل لترويع الناس، ورؤيته للأطفال يبكون ويبلِّلون أسرَّتهم”.

وفي عام 2004، نظَّمَ شاؤول وعشرات من أعضاء وحدته معرضاً فوتوغرافياً عن الخليل في تل أبيب.

ومنذ ذلك الحين، جمعت المجموعة شهاداتٍ موثقة من مئات الجنود، بمن فيهم أولئك من قاتلوا في الحروب الأخيرة بين إسرائيل وحماس، وقد تحدث بعض الجنود قائلين إن أولوية تنفيذ مهمة القوات وسلامتها في هذه الحروب فاقت اعتبارات أخرى، مثل أرواح الفلسطينيين وممتلكاتهم.

شهادات زائفة

وصرَّح شاؤول بأن أكثر من 100 جندي سجلوا شهاداتهم بأسمائهم، بينما حرص البقية على إخفاء هويّتهم خوفاً من رد الفعل، إلا أنهم معروفون لدى مجموعة الباحثين المعنيين بالتحقُّق من قصصهم.

وأضاف أن إدارة البحث تمكَّنت من التحقُّق من أربع شهادات زائفة من قبل نشطاء يمينيين حاولوا تقويض مصداقية الجماعة، معقباً أن جميع المواد تخضع للرقابة العسكرية قبل نشرها لتجنب الضرر غير المتعمد لأمن إسرائيل.

ويزعم النقاد أن الجماعة تختبئ وراء شهادة مجهولة لتشويه الجنود الإسرائيليين ومساعدة أعداء إسرائيل على توجيه تهم مستقبلية بارتكاب جرائم حرب في المحكمة الجنائية الدولية.

ويقولون إن الحركة، والتي لا تدعو إلى مقاطعة إسرائيل بالمرة، تتغذى على ما يعتقده العديد من الإسرائيليين بأنه اتجاهٌ عالمي يميِّز إسرائيل بشكل غير عادل وينزع عنها الشرعية، حسبما نقل عنه تقرير الوكالة الأميركية.

وقالت وكيلة وزارة الخارجية، تسيبي حوتوفلي، مؤخراً، إن مكتبها يحث الدول الأوروبية على وقف تمويل ما وصفته بـ”المنظمات المناهضة لإسرائيل”، بما في ذلك “كسر الصمت”. وأضافت: “سنطلب من أصدقائنا في العالم احترام هذا الخط الأحمر ووقف المساهمة في هذه المنظمة”.

أنبياء الكتاب المقدس

ويرى بعض المدافعين عن الحركة، أنها، ومنظمات أخرى معادية للاحتلال، مستهدفون في الاعتداء الحكومي المتزايد على المجتمع المدني الإسرائيلي.

ونقل تقرير أسوشيتد برس عن عاموس عوز، الكاتب الأكثر شهرة في إسرائيل، قوله إن الجنود السابقين المعادين للاحتلال يلعبون دوراً حاسماً في المجتمع الإسرائيلي، مقارناً إياهم بأنبياء الكتاب المقدس المُبلِّغين بالحقائق المزعجة، موضحاً موقفه هذا في خطابه، في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، الذي استشهد به الرئيس الألماني، بحسب ما زعمت التقارير الإعلامية، قائلاً: “الوازع الأخلاقي هو مسألة ذات أهمية وجودية قصوى”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top