شائكات العمل التطوعي

في البداية لقد شرفت بالعمل في عدة منظمات خيرية وفرق عمل شبابية، تعلمت منها ما تعلمت من معاني الإيثار والتضحية والإخلاص، ولكن في وسط تلك المعاني والأهداف السامية، وجدت بعض المنغصات التي تعوق هذا العمل من وقت لآخر، وتفسد أنفسنا ويتأثر بسببها إخلاصنا كمتطوعين.

أولها ما يسمى بنظام “الشلة، الشللية”، وهي بعيدة كل البعد أحياناً عما يعرف بـ”الصحبة”، فهذا النظام يفسد أي عمل تطوعي، فهو يشعر المرء الذي يعود بعد انقطاع أو المشارك حديثاً أنه وحيد جداً أو غير مرغوب فيه بذلك المكان، فقد يكون أصلح فرد لتولي مسؤولية ما، ولكن مع الأسف فنظام “الشلة” لا ولن يسمح بذلك، فتولّي المسؤوليات يقتصر عليهم فقط دون غيرهم من المتطوعين الجدد.

على الرغم من أن العمل التطوعي هو نظام يعتمد على مشاركة الكل لا الجزء، يعتمد على مشاركة كل مَن يطلق عليه لقب أو صفة “إنسان” دون تمييز، فلماذا أيها الأحبة تقصرونه عليكم؟

فكم شاهدت مواقف كان من أمثالها أن فلانة “متبرجة”، فلان “مش مننا ولا زينا”، علانة “مختمرة أو منتقبة”، وما إلى ذلك من اللطائف!

هل تعي أنت أو هي أنكما تمنعان إنساناً يريد مساعدة إنسان آخر لمجرد أنه لم يكن على شاكلتكما؟! أو لمجرد أنه ليس من هؤلاء الذين يلمعون في سماء الـ”فيسبوك” أو الأعمال التطوعية المجاورة؟!

ثانيها النتائج المترتبة على نظام “الشلة”، وهو إفساد المجالس بالنميمة على هذا وذاك، ثم الدخول في طور الادعاءات الكاذبة وراء حب فلان لفلانة والعكس؛ ليتحول العمل التطوعي بعدها لمكان لـ”شقط عروسة أو عريس والجري للمتاعيس”، ويذهب الهدف الأسمى من العمل هذا إلى الجحيم.

فمحالفة الحظ لبعض الشباب الذين سنحت لهم الأقدار بالزواج من زميلاتهن في العمل التطوعي، جعلت البعض الآخر يظن أن نصيبهم ها هنا، وأنهم لن يتلحلحوا عن هذا المكان إلا ومعهم شريك حياتهم، فتبدأ مشاعرهم في حالة المواربة، فلو تبسمت فلانة في وجه فلان يشعر في نفسه بارتياح وكأن المولى استجاب لرغبته ووجد فتاته، وإذا ألقى فلان على فلانة السلام على غير عادته ظنت أنها ملكته.. إلخ.

فضلاً عما يحدث في وسط “المتدينين، من التدني” الذي يحسب المرء فيها على الدين وهو لا علاقة له بأصول وصحيح الدين من قريب أو بعيد، ولن أستطرد في هذه النقطة، فكل لبيب بالإشارة يفهم.

ثالثها ثقافة العمل التطوعي، التي يجهلها أغلبنا، فالمتطوع يشعر المؤسسة الخيرية بأنه تفضل وتكرم ومنح سيادتهم جزءاً من وقته الثمين للغاية.

وهنا لا بد من وقفة مع النفس، فالتطوع ليس في حاجة إلينا، بل نحن في أمَسّ الحاجة إليه، فهو إحدى سبل ترويض النفس، وإحدى سبل نشر ثقافة التكاتف مع الغير، والإيثار والإحسان، وهي مكتسبات تعود بالنفع على صاحبها وبيئته المحيطة.

لذلك قبل أن تخطو قدماك نحو العمل التطوعي، تذكر مشهد “ماري منيب” و”عادل خيري” في مسرحية “إلا خمسة” وسَل نفسك: “انتي جاية تشتغلي إيه؟”، فمساعدة الذات على تحقيق هدفها ومطالبها السامية تجعلها تسعى لتحقيق مطالب واحتياجات الغير، وهنا نستطيع أن نضرب المثال “فاقد الشيء لا يعطيه”، فمن لم يستطِع مساعدة نفسه لا يستطيع مساعدة الغير.

وأخيراً وليس آخِراً، استقيموا وأخلصوا النية وأحسنوها، فكلنا مفارِق، وكلنا مسؤول.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top