فجر إعلان رئيس الهيئة المستقلة للانتخابات في تونس –هيئة دستورية تشكلت بعد الثورة وأوكلت لها مهام تنظيم ومراقبة نزاهة الانتخابات- شفيق صرصار استقالته من منصبه الثلاثاء 9 مايو/أيار، حالة من الصدمة بين التونسيين وسط تعاظم المخاوف من تأثير هذا القرار على موعد إجراء الانتخابات البلدية المقررة بتاريخ 17 ديسمبر/كانون الأول 2017.
يرى البعض أن تبعات الاستقالة تمثل تهديداً للمسار الديمقراطي الذي يعتبره التونسيون أهم مكسب بعد الثورة ومحاولة لضرب نزاهة هذه الهيئة الدستورية المستقلة والتي طالما ظلت بعيدة عن التجاذبات السياسية والحزبية بشهادة مراقبين من داخل تونس وخارجها.
وقال صرصار في مؤتمر صحافي وقد بدت عليه ملامح التأثر وصلت حد البكاء، أنه “اضطر” للتنحي عن رئاسة الهيئة رفقة اثنين من الأعضاء -القاضي مراد المولي نائب الرئيس والقاضية لمياء الزرقوني عضو مجلس الهيئة- بعدما تأكد أن “الخلاف داخل المجلس (مجلس الهيئة) لم يعد مجرّد خلاف في طرق العمل بل أصبح يمس القيم والمبادئ التي تتأسس عليها الديمقراطية”، وفق تعبيره، واصفاً قراره بالمسؤول.
الرئيس المستقيل دعا أيضاً البرلمان التونسي لتعويض الأعضاء المستقيلين من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات في أقرب الآجال قبل العطلة البرلمانية مشدداً على أن الأعضاء المستقيلين سيواصلون رغم ذلك مهمتهم في تأمين المسار الانتخابي.
ضرب مصداقية الهيئة من قبل الأغلبية الحاكمة
وحذر القيادي في التيار الديمقراطي المعارض محمد عبو من خطورة قرار استقالة رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات باعتبارها الهيئة المستقلة الوحيدة التي أنشأت قبل وصول الأغلبية الحاكمة لسدة الحكم –النداء والنهضة- ويحظى رئيسها شفيق صرصار باحترام الشعب والأطياف الحزبية حسب قوله.
وأضاف في تصريحه لـ”عربي بوست” أن “من الواضح أن الأغلبية الحاكمة حالياً تسير الدولة بمنطق العصابات والمصالح الخاصة أكثر منها بمنطق الدولة والمصلحة العامة وما دأبت عليه هذه الأغلبية هو بث الفتن وضرب مصداقية أي جهاز مستقل عنها على غرار ما فعلته بهيئة الحقيقة والكرامة”.
عبو اعتبر أنه في حال تمسك صرصار بموقفه بالاستقالة من رئاسة الهيئة العليا للانتخابات، فإن ذلك يقود منطقياً لتأجيل موعد الانتخابات البلدية نظراً للتمشي القانوني والدستوري لعمل الهيئة والذي ينص في حال استقالة رئيس أو أحد أعضاء الهيئة على إعادة فتح باب الترشح من جديد لانتخاب أعضاء جدد تحددهم الأغلبية الحزبية في مجلس نواب الشعب “وهو ما يضع مصداقية وشفافية الأعضاء الجدد على المحك ويعزز المخاوف على نزاهة الانتخابات القادمة”، وفق تعبيره.
علاقة الاستقالة بتمرير “قانون المصالحة”
من جانبه أثنى القيادي في “حركة مشروع تونس” الصحبي بن فرج على ما وصفه بالقرار المسؤول من رئيس الهيئة، مضيفًا: “أتوجه بالشكر للسيد صرصار على أمانته باعتباره حين وجد نفسه غير قادر على إتمام مهمته على أكمل وجه أعلن الاستقالة رغم أني أخالفه الرأي في قراره وتمنيت لو ظل هناك ليحارب ويفضح الفساد الموجود في الهيئة”.
واعتبر بن فرج أن المسؤولية الوطنية والتاريخية لرئيس الهيئة تحتم عليه الخروج للعلن والإفصاح عن الأطراف التي تهدد المسار الديمقراطي في تونس وماهي طبيعة الخلافات التي أعلن عنها داخل الهيئة.
وأضاف في حديثه لـ”عربي بوست”: “شخصياً عندي معلومات من مصادر تتعلق بتدخل أحزاب بعينها في سير عمل الهيئة ومصداقية العمل الانتخابي لكني أتحفظ على نشرها وأدعو السيد صرصار لفضحها في حال وجدت وسيجد منا كأحزاب كل الدعم”.
وختم قائلاً :” استقالة صرصار قبل يوم واحد من موعد خطاب الرئيس الباجي قائد السبسي الذي سيتوجه به للشعب غداً يطرح أكثر من تساؤل خاصة وأننا سمعنا بدعوة وجهها أحد أعضاء الهيئة المستقلة للانتخابات يعلن فيها عن استعداد الهيئة لإجراء استفتاء شعبي حول قانون المصالحة المثير للجدل والذي يحظى برفض شعبي فضلاً عن عدم دستوريته”.
يذكر أن عضو الهيئة المستقلة للانتخابات نبيل بفون صرح الاثنين 8 مايو/ آيار لوكالة الأنباء الرسمية في تونس أن “الهيئة مستعدة لإجراء إستفتاء شعبي حول مشروع قانون المصالحة الإقتصادية إذا طلب منها ذلك رسميا”، رغم الرفض الشعبي والمعارضة الشديدة لمشروع القانون، وهو ما فسره البعض بتدخل السلطة التنفيذية في قرارات الهيئة المستقلة وأحد أسباب تنامي الخلاف داخل الهيئة التي انتهت باستقالة رئيسها.
الانتخابات ستتم في موعدها
وحول الموقف الحكومي من قرار استقالة صرصار واثنين من معاونيه، اعتبر وزير العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الإنسان المهدي بن غربية أن رئاسة الحكومة تلقت بدورها إعلان الاستقالة ببالغ الأسف، مشدداً على دور الهيئة في ضمان المسار الديمقراطي في تونس.
وأضاف “شخصياً اتصلت بالسيد رئيس الهيئة لأعدله عن قراره من جهة وأستفسر عن الأسباب الحقيقية وراء قراره فأخبرني أنها تعود أساساً لخلافات داخلية في صلب الهيئة”.
بن غربية أكد من جهة أخرى على حرص الحكومة على انجاز الانتخابات البلدية في موعدها المقرر في ديسمبر القادم وأن رئيس الهيئة سيواصل مهمته في صلب الهيئة حتى بعد قرار الاستقالة إلى حين انتخاب أعضاء جدد.
قرار رئيس الهيئة العليا المستقلة للانتخابات -الذي وصف بالصادم- خلق جدلاً بين نشطاء التواصل الاجتماعي في تونس حول الأسباب الحقيقية للاستقالة وتداعياتها على المسار الديمقراطي في تونس.
يشار أن رئيس الدولة الباجي قائد السبسي سيلقي غداً خطاباً غداً الأربعاء وصف بالهام ومن المنتظر أن يثير عدة قضايا تهم الأزمة السياسية والاجتماعية في البلاد فضلاً عن موقفه من قانون المصالحة مع موظفين سابقين في عهد الرئيس السابق بن علي اتهموا بالفساد والذي حظي برفض شعبي وصل إلى الدعوة لعصيان مدني من بعض الأحزاب المعارضة في حال تم تمرير القانون في مجلس النواب.