محامون عملوا مع أوباما يقاضون ترامب.. هل كانت ضربته لـ سوريا قانونية؟

ترفع إحدى مجموعات رقابة الحكومة، يديرها محامون من إدارة الرئيس الأميركي السابق أوباما، حالياً دعوة قضائية لإرغام إدارة ترامب على الكشف عن سندها القانوني لقصف موقع تابع للنظام السوري عقب الهجوم الكيماوي الذي استهدف منطقة خان شيخون، أو الإقرار بأنَّها شنَّت هجوم السادس من أبريل/نيسان 2017 دون التفكير بشأن القانون.

وبعد مرور شهرٍ على إصدار الرئيس ‏الأميركي ‏دونالد ترامب أوامره بتوجيه ضربةٍ عسكرية ضد النظام السوري عقاباً له على استخدامه للأسلحة الكيماوية، لم تُقدِّم إدارته بعد التبرير القانوني الذي اعتمد عليه في ذلك، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.

ولفت التقرير إلى أنه في حين لاقى الهجوم دعماً من كلا الحزبين باعتباره مسألةً سياسية، إلّا أنَّ الأساس القانوني كان مثار جدل.

ووفقاً للنيويورك تايمز لا تمتلك الولايات المتحدة مُسوِّغاً يعتمد على فكرة الدفاع عن النفس، ولم يمنح الكونغرس أو مجلس الأمن تفويضه بالهجوم، الأمر الذي يثير التساؤلات بشأن نطاق وحدود سلطة ترامب كمسألةٍ من مسائل القانون الداخلي، وسلطة الولايات المتحدة كمسألةٍ من مسائل القانون الدولي. غير أنَّ إدارة ترامب لم تُجب على أيٍّ منهما.

وظهرت تحفظات داخل الكونغرس الأميركي بشأن قيام ترامب باستخدام للقوة دون تقويض تشريعي، فقد طالب عضوان ديمقراطيان في الكونغرس بأن يقدم ترامب نوعاً من المبررات القانونية غير تصريحات مسؤولين في الإدارة عن الهجوم على سوريا.

وبعث السيناتور تيم كاين من فرجينيا والنائب آدم شيف من كاليفورنيا برسالة إلى البيت الأبيض نهاية أبريل/نيسان 2017 محذرين من أن ما فعله ترامب يمكن أن يشكل سابقة خطيرة لتنفيذ ضربات وقائية والتسبب في مخاطر وقوع حرب مع قوى الكبرى، مع إخراج الكونغرس من الصورة، حسب ما ورد في تقرير لموقع “ذَا إنترسيبت“.

ماذا يقول الدستور الأميركي؟

وقال ستيف فلايدك أستاذ قانون الأمن القومي ل”سي إن إن” إنه لا نص الدستور ولا السوابق التاريخية تعطي إجابة نهائية بشأن حاجة الرئيس الأميركي لموافقة الكونغرس على استخدام القوة العسكرية، فالدستور قسم صلاحيات الحرب بين الكونغرس والرئيس، ويترك الأمر دون تحديد هل يتطلب استخدام القوة العسكرية توقيع الكونغرس أم لا.

وأضاف إن المادة الأولى من الدستور تمنح الكونغرس سلطات “إعلان الحرب”، و”وضع قواعد” لتنظيم الجيش وتمويل كل العمليات العسكرية، ولكن المادة الثانية تعطي الرئيس” السلطة التنفيذية “، وتجعله” القائد العام “للجيش، والسلطات التي فسرها جميع الرؤساء تقريباً لمنحهم على الأقل بعض المساحة لاستخدام الجيش دون إذن صريح من الكونغرس.

وأشار إلى أن إدارة ترامب اعتبرت أن الضربة ضد سوريا، ممارسة للسلطة الأصيلة للرئيس بموجب المادة الثانية من الدستور الأميركي، وعلق قائلاً من حيث الحكم على النص الدستوري، والممارسة التاريخية، والفهم المعاصر، فإن الحجة التي قدمتها إدارة ترامب “مطاطة”.

وأضاف فلايدك في معرض إجابته على تحقيق صحفي ل”سي إن إن” حول قانونية الضربة التي أمر بها ترامب أنه “كون الضربة لم ينتج عنها أي عواقب محلية لا يعني أنها كانت قانونية”.

وقال وربما الأهم من ذلك، من المرجح الآن أنه سيكون من الصعب جداً سواء من الناحية العملية والقانونية أن يستخدم ترامب قوة عسكرية إضافية ضد نظام الأسد دون موافقة محددة أكثر من الكونغرس، متوقعاً أنه لن يكون هناك حل رسمي للمسألة القانونية، وبالتالي، ستكون هذه سابقة أكثر غموضاً في الفصل الخاص بسلطات الحرب.

ويبدو أن هذا الجدل القانوني وصل ذروته يوم الإثنين، 8 مايو/أيار 2017، عندما رفعت إحدى مجموعات الرقابة، والمُسمَّاة “Protect Democracy”، دعوى بموجب قانون حرية المعلومات بشأن كافة رسائل البريد الإلكتروني، والمُذكِّرات، والتسجيلات الأخرى التي تتناول سلطة ترامب القانونية لشن الضربة، وفقاً لما جاء في تقرير نيويورك تايمز.

وكتب جاستن فلورنس، المدير القانوني للمجموعة، وأحد محامي البيت الأبيض خلال حكم الرئيس السابق أوباما، في مقالٍ له يعلن فيه عن الدعوى: “علينا جميعاً أن نتفق على أنَّه في ديمقراطيتنا الدستورية، يُقيِّد القانون قدرة السلطة التنفيذية على مهاجمة بلدٍ آخر. وقد تتسامح بعض الدول مع إطلاق رئيسها صراعاً جديداً دون تقديم تبريرٍ قانوني واضح، لكنَّنا يجب ألّا نفعل ذلك”.

خطاب ترامب

وأكَّد ترامب في خطابٍ له إلى الكونغرس، احتوى على قليلٍ من التفاصيل، على أنَّ سلطاته الدستورية كقائدٍ عام للجيش تمنحه أساساً كافياً لشنّ الهجوم منفرداً من أجل تعزيز المصالح الأميركية، بما في ذلك منع استخدام مزيدٍ من الأسلحة الكيماوية.

وحسب نيويورك تايمز فقد استند العديد من الرؤساء الأميركيين الذين ينتمون لكلا الحزبين لوجود حقٍ يكفله القانون الداخلي لهم يمكِّنهم من استخدام القوة المحدودة في الخارج بصورةٍ منفردة من أجل تعزيز المصالح الأميركية.
فعلى سبيل المثال، قام الرئيس أوباما بذلك في 2011، حينما وجَّه الجيش الأميركي للمشاركة في تدخُّل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا دون تفويضٍ من الكونغرس.

ومع ذلك، أصدرت إدارة أوباما مُذكِّرةً من مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل وضعت مُسوِّغاً يُوضِّح لِمَ كان تعرُّض المصالح الأميركية في ليبيا للخطر كافياً لتبرير تحرُّكه.

وبعد وقتٍ قصير من الضربة الأميركية الشهر الماضي ‏أبريل/نيسان 2017، وزَّعت إدارة ترامب بياناً موجزاً وغير مُوقَّع على مُمثِّلين لوكالاتٍ مختلفة بشأن الأساس القانوني للضربة. لكنَّها لم تعلن رسمياً أبداً عنه، غير أنَّ مارتن ليدرمان، المحامي السابق بوزارة العدل خلال حكم إدارة أوباما، حصل على نسخةٍ من البيان ونشره على مُدوَّنة Just Security. ولاحقاً، أكَّد مسؤولٌ بالإدارة صحته.

أوباما يحميه

وذكر بيان ترامب غير المعهود: “هذا الأساس القانوني الداخلي مشابه جداً لسلطة استخدام القوة في ليبيا عام 2011، وذلك على النحو المُبيَّن في أحد آراء مكتب المستشار القانوني بوزارة العدل الصادر في أبريل/نيسان 2011”.

ومع ذلك، وكما أشار ليدرمان، استند تسويغ 2011 جزئياً على الحاجة لتعزيز مصداقية مجلس الأمن الدولي، الذي فوَّض الدول استخدام القوة لحماية المدنيين الليبيين. وعلى النقيض من ذلك، لم يمنح مجلس الأمن تفويضاً بتوجيه ضربةٍ لمعاقبة سوريا على استخدامها الأسلحة الكيماوية، ولذا فإنَّ التدخُّل في سوريا يقوِّض نظام الأمم المتحدة الهادِف لتقييد الحرب على حد قوله.

ولا يعترف ميثاق الأمم المتحدة، الذي صدَّقت عليه الولايات المتحدة، سوى بطريقتين قانونيتين لاستخدام بلدٍ ما القوة فوق أراضي بلدٍ آخر دون موافقة الأخير: إمَّا أن يمنح مجلس الأمن تفويضاً بهجوم، أو للدفاع عن النفس.

وتحتوي مذكرة بيان ترامب على قسمٍ مُعنون بـ”دولي”، لكنَّه يتألَّف من حُجج السياسة، وليس الحُجج القانونية، ولم يأتِ على ذكر ميثاق الأمم المتحدة. حسب نيويورك تايمز.

إنها قانونية وفقاً للدستور

وفِي المقابل قال تقرير “لناشيونال ريفيو” إن واضعي الدستور أعطوا صلاحيات واسعة للرئاسة في مسائل الأمن القومي، وأعطوا الكونغرس سلطة قطع التمويل.

وقال التقرير هذه المرة، الرئيس ترامب لديه الحق وفقاً للدستور، فقد مارس سلطاته بشأن الحرب وفقاً لتقاليد السياسة الخارجية الأميركية، فطوال تاريخ أميركا، لم يتصرف الرؤساء ولا الكونغرس على أساس الاعتقاد بأن الدستور يتطلب إعلان الحرب قبل أن تقوم الولايات المتحدة بأعمال قتالية عسكرية في الخارج.

وأضاف التقرير “لقد استخدمنا القوة في الخارج أكثر من 100 مرة ولكننا أعلننا الحرب في خمس حالات فقط: حرب 1812، والحروب المكسيكية الأميركية والأميركية الإسبانية، والحرب العالمية الأولى والثانية.

وتابع “بدون موافقة الكونغرس، أرسل الرؤساء قوات لمحاربة الهنود والقراصنة الأمازيغ (في شمال إفريقيا) والثوار الروس؛ وكذلك لمحاربة الشيوعيين الكوريين الشماليين والصينيين في كوريا؛ وهندسنا تغييرات في الأنظمة في أميركا الجنوبية والوسطى؛ ومنعنا وقوع كوارث لحقوق الإنسان في البلقان”.

وأشار التقرير إلى أنه في صراعات أخرى مثل حرب الخليج عام 1991، وغزو أفغانستان عام 2001، وحرب العراق عام 2003، حصل الرؤساء على “تفويض تشريعي” ولكن لم تصدر إعلانات حرب.

ولفت التقرير إلى قيام السلطات الرئاسية بشأن الحروب، التي تلتها موافقة الكونغرس، هي ممارسة قديمة قامت بها كل الإدارات الديمقراطية والجمهورية، وهي تعود إلى أيام الرؤساء أبراهام لنكولن وتوماس جيفرسون وجورج واشنطن.

هل تبرر انتهاكات حقوق الإنسان التدخل العسكري؟

وقد بدأ الجدل حول قانونية الضربة الأميركية لسوريا حتى قبل تنفيذها ونقل تقرير لـ-“بي بي سي” عن جيوفري روبرتسون، المحامي الدولي في حقوق الإنسان قوله “لا يوجد ما يدعو على الإطلاق لقرار يصدره مجلس الأمن للموافقة على تحركات ترمي إلى وقف أو معاقبة أو ردع جريمة ضد الإنسانية.

وأضاف “بيد أن استخدام أي قوة يجب أن يكون نسبياً ويجب أن يكون هدفه هو ردع سوريا ومنع استخدامها غازات سامة في المستقبل. وهذا ما يعني التحرك العسكري المحدود للغاية، وربما اغلاق القواعد الجوية مع التهديد بتعزيز التحركات في حالة استخدام المزيد من الغازات السامة”.
وقال جَيْفَر قبيل تنفيذ الضربة “ليس من الممكن أن يحظر العالم استخدام أسلحة كيميائية ثم يقف مكتوف الأيدي حيال استخدام دولة ما لها وقتل مدنيين”.

واستدرك قائلاً “ولكن يبرز عبء تقديم الدليل على أولئك الذي يرغبون في استخدام القوة من حيث إثبات تورط سوريا دون شك”.

وأضاف “سيكون من الأفضل تقديم الدليل أمام محكمة دولية، وقد تكون هذه الخطوة في حد ذاتها مبكرة وقد يلزم تقديم الدليل أمام مجلس الأمن، وإذا قبل معظم الأعضاء ذلك فسيكون بالإمكان المضي قدماً في استخدام القوة بهدف الردع”.
كما اعتبر سيجرون سكوغلي، رئيس كلية الحقوق بجامعة لانكستر” أن التدخل بدون موافقة مجلس الأمن لا يعد شرطاً في ميثاق الأمم المتحدة، غير أن الدول يجب عليها بمقتضى هذا الميثاق تعزيز وتشجيع احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية.

وتابع قائلاً “إذا ارتكبت السلطات السورية جرائم قتل جماعية استهدفت سكانها، فستكون قد ارتكبت جرائم ضد الإنسانية. وفي مثل هذه المواقف، يكون لزاماً على الدول اتخاذ تحرك واضح على أساس مسؤولية توفير الحماية، بعد موافقة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، دون أي أحكام قانونية صارمة”.

المسؤولية عن الحماية

ويرى تقرير لموقع بوليتيكو أن قصف الموقع السوري يستند لمبدأ “المسؤولية عن الحماية”، وقد تم تطوير هذا المبدأ تحت رعاية الأمم المتحدة فى أوائل عام 2000، ووافقت عليها جميع الدول الأعضاء فى القمة العالمية للأمم المتحدة عام 2005.

وظهر كرد فعل على الإبادة الجماعية في التسعينيات في رواندا والبوسنة، حيث أدى الفشل الدولي في العمل إلى خسارة الملايين من الأرواح، وتقضي مسؤولية الحماية بأن على الدول اتخاذ إجراءات لحماية مواطنيها ومنع الجرائم ضد الإنسانية داخل حدودها. وإذا لم يفعلوا ذلك، يتحمل المجتمع الدولي مسؤولية التدخل.

وواجب التدخل يضع التزاماً على جميع الدول الأعضاء ويتعين عادة تعزيزه بقرار من مجلس الأمن الدولى يجيز استخدام القوة.
أما في حالة سوريا، فإن أي محاولة من جانب مجلس الأمن للتصرف قد تعرقل من جانب روسيا والصين. بيد أن مسؤولية الحماية تتطلب أكثر من مجرد جهود فاشلة للحصول على موافقة الأمم المتحدة، إذ ينص المبدأ على أن للدول الأعضاء واجباً إيجابياً لمنع الجرائم ضد الإنسانية حتى عندما يفشل المجتمع الدولي في الوفاء بالتزامه. وبعبارة أخرى، فإن الدول الأعضاء ملزمة باتخاذ إجراء عندما لا يفعل مجلس الأمن ذلك، حسب تقرير بوليتيكو.

احتمال مزعج

ولكن يبدو أن أكثر ما يزعج Protect Democracy التي رفعت الدعوى أنهم يعتقدون أنَّ صمت إدارة ترامب يشي بأحد احتمالين “مُزعجين”: إمَّا أنَّها تحاول “تجنُّب النقاش العميق ومراقبة إمكانية قيادة الرئيس البلاد إلى صراعٍ مع دولةٍ أخرى”، أو أنَّها “لم تُجرِ قط أي تقييمٍ دقيق حول شرعية الضربات السورية” من الأساس.

والآن، تأمل مجموعة Protect Democracy في تسليط بعض الضوء عن طريق دعوى قضائية قد تُحدِّد على الأقل ما إذا كانت المُذكِّرات القانونية موجودة، سواء أُعلِن عنها بعد ذلك أو لا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top