بينما كانت بعثة الصندوق مشغولة في القاهرة بمقابلات مع مسؤولين حكوميين للتعرف عن قرب عن مدى التزام مصر بشروط حصولها على القرض، كانت سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية، منهمكة مع فريق هذه المنظمة المدنية، لإبداء الملاحظات المتخصصة بشأن برنامج الإصلاح الاقتصادي المصري.
وقبل مغادرتها البلاد، تحمل بعثة الصندوق معها انطباعات نهائية عن مدى التزام الحكومة المصرية ببرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي تعهدت به في سبيل الحصول على قرض من الصندوق.
ومنذ يومين وفي شارع هادئ بمنطقة جاردن سيتي بقلب العاصمة المصرية القاهرة حيث مقرها، أصدرت المبادرة المصرية للحقوق الشخصية وهي منظمة مجتمع مدني مستقلة، تقريرها الأول الذي شاركت فيه سلمى عن متابعة برنامج قرض صندوق النقد لمصر المقدر بـ12 مليار دولار، والذي يصرف على دفعات.
يصور غلاف التقرير رجلاً يحمل قنبلة كبيرة توشك على الانفجار، لأن النار تشتعل في طرف فتيلها. “عين على الدين” هو عنوان التقرير الذي يفند في طياته ما تم تنفيذه من التعهدات التي قطعتها مصر للحصول على القرض، بالإضافة إلى ما لم يتم تنفيذه حتى الآن.
هناك 4 تعهدات كانت مصر تقول إنها ستنفذها في موعد أقصاه 31 مارس/آذار، لكنها لم تف حتى الآن بهذه التعهدات، كما يكشف تقرير المبادرة. “وهي إجراءات تتعلق بالشفافية أكثر منها إجراءات اقتصادية”، كما توضح سلمى حسين، لعربي بوست.
وتضيف: “الإعلان عن القرارات الاقتصادية بكل شفافية يعطي المواطنين درجة كبيرة من الرضا لتقبلها، لأنهم يكونون على علم بالوضع الاقتصادي، وهو ما لا يحدث من الحكومة المصرية”.
ما التعهدات التي لم تنفذها الحكومة المصرية حتى الآن؟
1- نشر تقارير ربع سنوية عن السياسات النقدية والتضخم لزيادة الشفافية بشأن سياسات الدولة، في 31 مارس/آذار الماضي، لكن الموعد المحدد لنشرها مرَّ ولم تنشر الحكومة المصرية أي شيء، كما يوضح تقرير المبادرة.
2- إعداد بيان شامل عن المخاطر المالية لجميع المجالات، بما فيها مخاطر الاقتصاد الكلي والمشاريع العامة وإدارة الديون والمعاشات في موعد 31 مارس/آذار الماضي، لكن هذا البيان لم يرَ النور حتى الآن.
3- إعلان استراتيجية لإصلاح قطاع الطاقة من خلال تقرير أعده مستشار خارجي للحكومة المصرية في 31 مارس/آذار، لكن هذه الاستراتيجية لم تعلن بسبب عدم انتهاء الشركة الأجنبية بالأمر من تقريرها.
4- وضع خطة عمل للهيئة العامة للبترول، لتمكينها من الاستدامة المتكاملة.
وما الإجراءات التي نجحت مصر في إنجازها؟
في صفحتين متتاليتين تحملان الرقمين 64 و65 من أوراق قرض صندوق النقد الدولي لمصر، وضعت الحكومة جدولاً زمنياً للإجراءات التي نفذتها والتي سوف تنفذها، في إطار اتفاقها مع الصندوق.
ومن الإجراءات التي طبَّقتها الحكومة وأشارت إليها الوثائق:
1- تعويم الجنيه. في صباح الخميس 3 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، كان المصريون على موعد مع قرار البنك المركزي بتعويم الجنيه، أي ترك سعره يحدد بناء على العرض والطلب.
2- رفع سعر الفائدة بعد لحظات من تعويم الجنيه، حيث قرر البنك المركزي المصري رفعها 300 نقطة أساس.
3- رفع أسعار الوقود، قبل منتصف ليل 3 نوفمبر/تشرين الثاني، تلقى المصريون ضربة ثانية بعد تعويم الجنيه، وهي رفع أسعار البنزين والسولار والمازوت والكيروسين وغاز السيارات بنسب تتراوح بين 7.1% و87.5%.
4- تطبيق ضريبة القيمة المضافة بدلاً من ضريبة المبيعات، في سبتمبر/أيلول الماضي.
5- تمرير قانون التراخيص الصناعية في منتصف مارس/آذار الماضي، كإجراء لتقليل نسبة البطالة وتشجيع الاستثمار.
لكن هذه القرارات دفعت المصريين لمواجهة عدة صعاب، لم تجد الحكومة المصرية حلاً لها حتى الآن.
ما الصعاب الاقتصادية الناجمة عن قرض الصندوق؟
الشبح الأكبر الذي يطارد مصر منذ الإعلان عن حصولها على قرض صندوق النقد في نوفمبر/تشرين الثاني، ومن قبله تعويم الجنيه هو معدل التضخم الذي وصل إلى أعلى مستوى له منذ 30 عاماً في مارس/آذار الماضي.
“السياسات النقدية في مصر فشلت في احتواء التضخم الناتج عن تعويم الجنيه”، هذا ما يخبرنا به تقرير المبادرة.
تشرح سلمى حسين، الباحثة الاقتصادية ورئيس قسم الاقتصاد في بوابة الأهرام، ويكلي سابقاً، أسباب الفشل بأن “صندوق النقد كان تقديره خاطئاً للموجة التضخمية التي ستعقب تعويم الجنيه في مصر، وحدث أضعاف ما كانوا يتوقعون”.
توقع الصندوق أن يرتفع مؤشر التضخم إلى 18%، في حين أنه ارتفع إلى أعلى معدلاته في 30 عاماً، وسجل 32.2% في مارس/آذار، و31.7% في فبراير/شباط.
هذا التنبؤ الخاطئ عرَّض الملايين من المصريين للسقوط تحت خط الفقر، وحرمهم من احتياجاتهم الأساسية، وعلى رأسها المأكل، كما يقول تقرير المبادرة.
وخلال الأشهر الأخيرة زاد اعتماد الكثير من المصريين الفقراء على الخبز المدعوم من الحكومة، بينما يكافحون لتحمل الزيادة الكبيرة في تضخم أسعار المواد الغذائية، كما تشير صحيفة فيننشيال تايمز في تقرير لها، نشر في 6 مايو/أيار الجاري.
هذه الظاهرة تؤكد مدى معاناة المصريين جراء الإصلاحات التي طبقتها الحكومة لتأمين قرض صندوق النقد الدولي، الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار، بجانب أن اعتماد المصريين على الخبز الحكومي المدعم، الذي يباع الرغيف فيه بخمسة قروش مصرية، يمثل حماية ضد الجوع وصمام أمان ضد الاضطرابات الاجتماعية، كما توضح الفيننشيال.
ما أدوات مصر للسيطرة على التضخم؟
لا تملك الحكومة المصرية الكثير للسيطرة على تضخم نسبته هي الأعلى من 30 عاماً، كما أن قرار رفع الفائدة 300 نقطة أساس بعد التعويم مباشرة لم يكن كافياً للحد من الارتفاع المتزايد للأسعار.
والسبب وراء فشل دواء رفع الفائدة كعلاج للتضخم هو أنه “دواء غير فعال”، نظراً لأن 10% فقط من سكان مصر هم الذين يتعاملون مع البنوك، وفقاً لتقرير المبادرة.
وتلجأ الحكومات عادة لرفع أسعار الفائدة كإجراء للسيطرة على ارتفاع معدلات التضخم، لسحب السيولة المالية من الأسواق وإحداث انكماش وركود في الأسواق، ومن ثم تراجع معدلات التضخم.
“ارتفاع نسبة التضخم في مصر ليس سببها وجود سيولة مالية حتى تلجأ الحكومة لرفع نسبة الفائدة، ولكن بسبب ارتفاع تكلفة المنتجات منذ التعويم”، كما تقول رضوى سويفي، رئيس قطاع البحوث في بنك استثمار فاروس، لعربي بوست.
“إقدام الحكومة على رفع سعر الفائدة مرة ثانية لن يؤتي ثماره، بل بالعكس سيزيد من عجز الموازنة العامة وزيادة الفوائد على الدين العام المحلي”، كما تقول رضوى.
هل يكون التضخم عائقاً في علاقة مصر بالصندوق؟
في أولى أيام بعثة صندوق النقد في مصر خرجت أخبار صحفية تتحدث عن أن البعثة طالبت الحكومة بشكل رسمي بالعمل على تقليل نسبة التضخم؟
وهو ما كان يلمح إليه جهاد عازور، مدير إدارة الشرق الأوسط ووسط آسيا في صندوق النقد الدولي، الذي قال في مؤتمر صحفي منذ 3 أسابيع إن “مستوى التضخم تخطى الـ30% خلال الأشهر الماضية في مصر، وذلك مؤذي ليس فقط للاستقرار المالي بصفة عامة، لكن يؤذي أيضاً الاحتياجات الاجتماعية، وأصحاب الدخول الأقل، والقطاع الأفقر من السكان”، مضيفاً “في تلك الحالة، يكون استخدام اﻷدوات النقدية، وتحديداً سعر الفائدة هو اﻷفضل”.
“اطمئنوا، مصر وصندوق النقد لن يختلفوا وستحصل مصر على الشريحة الثانية للقرض في يونيو/حزيران مثلما هو معلن”، كما تقول سلمى حسين.
لكن لماذا علينا الاطمئنان؟
من وجهة نظر وزير المالية المصري، عمرو الجارحي، في لقاء تلفزيوني فإن “المراجعة التي تتم مع بعثة صندوق النقد الدولي تسير في شكل جيد”.
لكن سلمى حسين لديها ما يؤكد هذا التصريح، “فمصر هي ثاني أكبر عميل لدى صندوق النقد الدولي من حيث القرض الذي حصلت عليه، كما أنها تحظى بدعم كبير من الولايات المتحدة الأميركية، أكبر ممول لصندوق النقد، فإنه من مصلحة الصندوق الاستمرار في إقراضها”.