جمهورية القهوة.. قصة نجاح كانت سبباً في غزو القهوة لإنكلترا في التسعينات

“سحر الهاشمي هي التي وضعت الكريمة في القهوة الإنكليزية” – صحيفة الغارديان البريطانية.

سحر هاشمي من مواليد إيران عام 1968، رحلت عنها عام 1980 عقب اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية إلى “إنكلترا” لتدرس (المحاماة)، ثم عملت بعدها في مجموعة “فرير كولميلي” القانونية، إلى أن توفّي والدها في عام 1994، فقررت الاستقالة، والسفر إلى الأرجنتين لتعلم اللغة الإسبانية.

لكنها قررت العودة إلى إنكلترا مرة أخرى؛ لتبحث عن “فرصة عمل”، فأصابها اليأس، فسافرت مجدداً إلى الولايات المتحدة الأميركية لزيارة (باباك هاشمي)، الأخ الذي يعمل في شركة “ليمان براذر” المصرفية في “نيويورك” كاستشاري في الاقتصاد والتمويل، فكانت الزيارة التي غيَّرت مجرى حياتهما بالكامل!

قصة البداية.. الإلهام موجود حولك

توجهت ذات يوم “سحر هاشمي” إلى أحد المقاهي في “نيويورك” لتتناول كالعادة (القهوة الأميركية الشهيرة) بصحبة أخيها بوبي وصديقهما؛ ليلمع في عقلها سؤال: لماذا لا أحصُل على مثل هذه القهوة الرائعة في إنكلترا؟”.

كان ذلك السؤال هو الانطلاقة في تأسيس مشروع يقدم (القهوة الأميركية) في إنكلترا، والتي لم تكن معروفة في السوق العالمية؛ نظراً لطبيعة الشعب الإنكليزي المغرم بالشاي، فقرر الأخوان إنشاء ما يعرف بـ(حانة الإسبريسو الأميركية)، وأطلقوا على المشروع (جمهورية القهوة).

دراسة السوق.. لا ترمِ الدمية بعيداً، كن كتوماً.

حينما بدأ “سحر” و”بوبي” العمل على فكرة المشروع كانت السوق الإنكليزية قد انتشرت به الشائعات حول مفهوم القهوة الأميركية الجديدة، ولذلك كان على “الأخوين” أن يعملا بأقصى جهدهما؛ ليتمكنا من إطلاق مشروعهما الريادي في أسرع وقت ممكن.

فقام بوبي بالاستقالة من الشركة المصرفية في نيويورك وعاد إلى إنكلترا؛ ليقوم بدراسة السوق الإنكليزية وتحليل قطاع المبيعات في مجال صناعة القهوة، أما سحر فقامت بالبحث عن أفضل أنواع القهوة والنكهات المختلفة؛ لتطلقها مع المشروع الجديد، وخلال 6 شهور متتالية استطاعت (هاشمي) وضع قاعدة بيانات عن قطاع صناعة القهوة من (المورّدين، الخبّازين، شركات صناعة ماكينات الإسبريسو وملحقات القهوة.. إلخ).

وبالتأكيد لم يكن لدى (المحامية والمصرفي) أي خبرة عن هذه الصناعة أو كيفية تنفيذ المشروع، ولذلك كان دراسة السوق وكتابة خطة العمل هي المرحلة الأصعب في تاريخ جمهورية القهوة.

خطة العمل.. ما زالت تسبح عكس التيار

في البداية واجه (الأخوان) في كتابة خطة العمل وتنفيذها العديد من العقبات، ففضلاً عن أن إنشاء مشروع (للقهوة الأميركية) في بلد كإنكلترا يعتبر “مجازفة غير محسوبة”، فالسوق المحلية كانت هي الأخرى مترددة بشأن التغيير في مفهوم صناعة القهوة والأضرار التي قد تلحق بهذه الصناعة.

لم يقتنع الموردون بفكرة المشروع، مما دفع ذلك العديد لرفض التعاقد مع (جمهورية القهوة) بشأن توريد (ماكينات الإسبريسو) أو ملحقات تصنيع القهوة، فكان على الفريق استيراد الماكينات من الولايات المتحدة من الشركة الأم عبر (فيديكس للشحن).

وضعت “جمهورية القهوة” نظاماً يضمن الحصول على المشروب في (الأكواب الورقية الفخمة) -والتي نستخدمها حالياً فلم تكن معروفة في التسعينات- لاحقاً وجدت (هاشمي) إحدى الشركات الريادية التي تسعى نحو الأفكار الجديدة، فخصصت لها خط إنتاج يحمل (الأكواب الجديدة الورقية) لعالم القهوة، وبالمناسبة كانت تلك هي المرة الأولى التي استُخدم فيه هذا النوع من الأكواب!

الشعب الإنكليزي لا يشرب إلا الشاي، القهوة مجرد هوس، كانت هذه إحدى جمل الموردين للقهوة، والذي لم يقتنع بفكرة سحر حول إضافة نكهات مثل (الكابتشينو – لاتيه – الكريمة المخفوقة – نكهات البندق والعسل والقرفة..).

ولكَ أن تعلم أن جمهورية القهوة أسهمت في نشر هذه النكهات حتى قبل أن تُعتمد في السلاسل الشهيرة ستاربكس أو كوستا كوفي.

كانت المشكلة الأكبر التي واجهت الأخوين هي التمويل، فالمشاريع الريادية لا يمكن أن تحصل على تمويل مناسب، وجاء الرفض من كل البنوك التي قُدمت لها ورقة العمل، إلا أن “سحر” قررت فجأة أن تعرض الخطة على أحد فروع بنك (ناتويست) في مقاطعة (تشانسري لين)، فلقد تذكرت أنها درست المحاماة في تلك المقاطعة، وقد يكون (بنك الحظ) موجوداً بها، وصدق أو لا تصدق، وافق البنك بالفعل على تمويل المشروع، وانطلقت جمهورية القهوة بتمويل (100 ألف جنيه إسترليني).

التأسيس.. تعوّد على المنافسة

الآن بعد أن انطلقت جمهورية القهوة مع التمويل الرائع من ناتويست، كانت الخطوة قبل الأخيرة هي توفير الموظفين للمقهى، فتعرفت سحر إلى فتاة كندية الأصل عملت في حانات بالولايات المتحدة، وكانت بالخبرة التي جعلت سحر تقوم بوضعها المديرة العامة للمقهى، تانيا Tania التي كرمت بعد 6 سنوات كأفضل مديرة سلسلة مطاعم ومقاهٍ في إنكلترا، بالإضافة إلى أنها استعانت بـ”ماكس وميجيل” طالبين قدما من الولايات المتحدة لدراسة الإنكليزية يعرفان عن القهوة الأميركية وعادات البيع فعملا بدوام جزئي في بداية التأسيس.

الآن وبعد أن رتبت جمهورية القهوة الأمور الداخلية من التمويل؛ تعيين الموظَّفين، والحصول على صفقات توريد القهوة بدا أن المنافسة اشتعلت مبكراً!

فظهرت العلامة التجارية (قهوة سياتل) في السوق الإنكليزية فجأة تحمل نفس الفكرة التي تسعى لها جمهورية القهوة، وتمكنت من افتتاح أول فرع في إنكلترا قبل أن تنطلق جمهورية القهوة بأسابيع، وبالطبع أثار ذلك القلق في فريق العمل داخل جمهورية القهوة، لكنهم اعتبروه الصراع الطبيعي في السوق، وأن الأمر أفضل من أن تعمل بمفردك في السوق بدون منافسة، وبالفعل خلال 3 أسابيع أعلنت جمهورية القهوة تواجدها في السوق الإنكليزية بالفرع الأول في شارع ساوث مولتون عام 1995م.

الريادة والنجاح.. يأتي النجاح عندما تتلاقى الفرصة مع الإلهام

بعد العام الأول من تأسيس جمهورية القهوة نجحت في تأسيس الفرعين الثاني والثالث، بينما الغريم التقليدي قهوة سياتل أصبح يمتلك 6 فروع على مستوى إنكلترا، وخلال 3 أعوام فقط استطاعت الجمهورية أن تؤسس 30 فرعاً حول إنكلترا، وكان النجاح مذهلاً حتى 1998م، فقد كان العملاق ستاربكس الأميركي يستعد لدخول السوق الإنكليزية أخيراً، وبدأ الافتتاح بعشرين فرعاً حول إنكلترا.

تلك الخطوة الخطيرة في عالم القهوة الإنكليزي بالنسبة لجمهورية القهوة وقهوة سياتل كانت تُنذر بسحب ريادتهم من السوق، فاختارت قهوة سياتل الاندماج وقررت بيع جميع الفروع الخمسين لصالح ستاربكس، بينما وقفت جمهورية القهوة منافساً قوياً للعملاق الأميركي، وظل الأسلوب التنظيمي الرائع في التسويق والمبيعات الذي اعتمدت عليه الجمهورية يمثل التنافس الشرس ضد ستاربكس حتى كان أبريل/نيسان 2001 ذلك التاريخ الذي قرر فيه الأخوان سحر وباباك هاشمي الرحيل عن مجلس إدارة السلسلة، فقررا بيعها لصالح مستثمر إنكليزي بمبلغ 7.5 مليون دولار.

وما زالت جمهورية القهوة مستمرة إلى اليوم في أكثر من 30 بلداً حول العالم، بينما اختارت إنكلترا سحر الهاشمي من المائة امرأة الأكثر تأثيراً في إنكلترا في القرن العشرين، وحوّلت سحر قصة المشروع لكتاب تحكي فيه تفاصيل المشروع كاملاً، وهو “الجميع قادرون”.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top