في مديح الـ”ولا حاجة”

أعددت كوب الشاي بالحليب الذي أحبه وهيَّأت نفسي لأسرد بعضاً من أفكاري وأختار إحداها لأكتب عنها في مقال جديد، ولم تسترسل أفكاري، تبخرت جميعها مثلما تتبخر أيام حياتي، وجدتني في حيرة ترى عن ماذا أكتب، فلقد مللت الشكوى والاعتراض وضقت من كثرة الغضب، أردت أن أكتب عن شيء خفيف يبعث على الراحة النفسية ولو لدقائق، فنحن جميعاً غارقون في بحر من التوتر والغضب والقلق والخوف؛ لذا أردت أن أكتب عن شيء يخفف عنا تلك المشاعر ووجدتني أفكر في الـ”ولا حاجة”.

نعم اكتشفت أن الشعور بالـ”ولا حاجة” هو شعور رائع لا يقدر بثمن، ويستحق أن يحتل مديحه أحد مقالاتي، هذا الشعور الذي يجعلني أطفو فوق سحب الحياة المملة غير مكترثة بما تحملها تلك السحب من وجع وخيبة، هذا الشعور الذي تتبلّد فيه مشاعري فأجد نفسي في حالة من السُّكر أو قد أصفها بأنها حالة من الرضا، تلك الحالة التي نادراً ما تحدث لي ولكن للأسف لا تدوم طويلاً؛ لأن أفكاري اللعينة تسحبني منها لتسحقني أرضاً بقوة لأجد نفسي أصارع الشعور بالاكتئاب.

عندما أنظر لوجوه الأطفال الجميلة والبريئة وهم يلعبون ولا يفكرون في شيء سوى الاستمتاع بما لديهم، أجدني أحسدهم على هذه الراحة النفسية، فلا يشغلهم ماذا سيحدث غداً، هم الوحيدون القادرون على الاستمتاع بإخلاص، كم أتمنى أن أعود طفلة كي يتوقف عقلي عن التفكير وأستمتع بإخلاص بدون الخوف من القادم والندم على ما فات.

أشاهد التلفاز، فأجد الأخبار تتفنن في إعلان حصاد اليوم من الأرواح البريئة هنا وهناك، أحاول جاهدة أن أشتت فكري، أفتح صفحتي على الفيسبوك أجد الجميع يستنكر ويؤنب، وتبدأ معارك كلامية عنيفة بين أشخاص افتراضيين نجحوا في نقل تلك المشاعر السلبية لي ولغيري، وبالطبع أقوم بدوري في إعادة بثها مرة أخرى، ونظل في تلك الدائرة السلبية إلى أن أقرر أن أغلق الهاتف والتلفاز وأحضر طبق فاكهة أو أي حلويات متوفرة وأنقض عليه أو أفرغ فيها تلك الشحنة السلبية فتزداد كتلة جسمي وتخف حالة بؤسي.

لذلك أنصحكم جميعاً بأن تقدروا لحظات التفكير في الـ”ولا حاجة” وأن تغتنموها؛ لأنها هي العلاج السحري للخروج من الضغوط الحياتية، فلقد اكتشف أن الـ”ولا حاجة” هي أهم حاجة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top