في أول أعوام مراهقتي، لم تكن فكرة الانتقال ما بين الحدود إلى دولة أخرى مُكتملة المشاعر والتصوُر في ذهني الساذج بعد.
حينما أقول المشاعر -مُختصاً هذا الأمر ألا وهو عبور الحدود- أقصد خيالاتي عن رائحة الهواء وكذا تراب الدولة الأخرى التي ستطأها قدماي إن عبرت الحدود، فضلاً عن نمط جغرافيتها الحدودية ونظرات ولهجة وهموم قاطنيها التي تغزو وجوههم وأنا أعبر من بينهم كغريب.
أول فرصة أخذت بي إلى أقصى الحدود الشمالية الشرقية في مصر، قاصداً مدينة رفح، كانت بمثابة كابوس سيئ المعالم، انتهي بي في مدينة الإسماعيلية معتقلاً مُهاناً، لم أعبر للضفة الشرقية من القناة كي أستكمل الطريق.
في المرة التالية، تجنبت طريق الاعتقال الأول واتخذت طريقي مع ثُلة من الأصدقاء قاصدين المدينة ذاتها.
في الطريق إلى الحدود، كل ما هو سيئ حليفك، فكان الاعتقال ثلاثاً من بعد النجاح في العبور للضفة الأخرى بأعجوبة هو حليفنا السيئ مع محاضرة لضابط برتبة عقيد في الجيش المصري بأنهم -قاصداً نفسه وجنوده من خلفه- يطمحون لتحرير فلسطين، وأن ما نسعى إليه نحن المتهورين محض هراء وتوريط لخُطاهم الملعونة التي لم تقصد هذا الطريق صدقاً كي نخلفهم من بعدهم.
في المرة الثالثة، اتخذت طريقي وحيداً، مُختنقاً بحر الصيف ورطوبته، مدينة الإسماعيلية كانت المحطة الأم ومن ثم تنفست الصعداء وقت عبرت كوبري السلام في سيارة فريدة من نوعها “تمانية راكب” كما يُطلق عليها بالعامية في العريش، كانت الصحراء على مرمى البصر تُنبئ بالارتياح وأن تاريخاً ما ومشاعر ما في كل هذا الجمال لم تجد طريقها للخروج بعد.
العريش كانت مدينة الارتقاء من مرحلة التأمل في الصحراء إلى إيقاظ جُل حواس الجسد عنوة، 5 ساعات كدُمية مُعلّقة في حائط انتظرت على مقهى شعبي، تحركتُ على أثر اتصال هاتفي بعد تلك الساعات المُثيرة للأعصاب لرجل لا أعرفه لكنه يعرفني، سلمني لتاجر أعماله شبه القذرة -أتحفظ على ذكر تجارته- اقتادني بين صحراء ما بعد العريش إلى أقصى الحدود الشمالية، وصحراء ما بعد العريش أشد قسوة وأكبر سنّاً من صحراء ما قبل العريش، صحراء رجالها أكثر اكتمالاً، ابتسامتهم نادرة، حديثهم هادئ رزين قدر خمول الحزن في جسد العالمين.
هذا الذي اقتادني من عند الذي اتصل بي كي أمثُل أمامه في مكان ما، أوصلني إلى أقصى الحدود بعد مغامرة مثيرة -أَقسم عليَّ ألا أذكرها على ملء الصحافة- بعد أن علم أنني في طريقي لمهمة صحفية، لكنه أوصلني إلى مبتغاي ولم يسألني جزاءً ولا شكوراً رغم تجارته المثيرة للقلق، والتي كانت تجعل من داخلي مرتبكاً، أصارع قيمي وأخلاقي من الداخل، لكنني كُنت أرنو إلى العبور، فصمت مبادئي كي أصل ووصلتُ بفضل من الله لم أكن أتوقع حدوثه.
الأرض كل الأرض لفلسطين، كانت تلك هي الكلمة التي اجتاحتني وقت وطئت قدماي أرض مدينة رفح الفلسطينية، أول عبور لي لحدود دولة أخرى غير نطاق مصر الجغرافي.
نَص ما حدث لي وقت العبور الأول والمشاعر الأولى ودفعة الهواء الأولى من برد فلسطين لن أكتبه الآن.
لكنني سأقف عند ما قبل انتهاء مدة عبوري الأول وعودتي مرة أخرى للديار مساء وقوفي تلصُّصاً وخلسة أمام معبر بيت حانون، صمت أعوام وأول ما كتبت عن هذا اليوم كان هذا الآتي:
“هذا اليوم الذي بدأت فيه خلايا رجولتي تنمو شيئاً فشيئاً؛ مشهد أول جُندي صهيوني في البعيد وملامحه الحمقاء؛ الأسلاك الشائكة على الأطراف؛ الجُدر الأسمنتية الكئيبة الطلة؛ وأشجار الزيتون على مدى البصر في الأفق تُسبح بالجهاد إلى أن يأتيها المجاهدون يوماً ما؛ ورائحة الحنين القادمة من أُفق البلدات المحتلة على مدى النظر في الأمام على الروابي المُنكسة حزناً من أثر الاحتلال، وكيف كنت أحمل سلاحاً لأول مرة دسسته في بنطالي من الظهر، ضمن عادات كرم الضيافة.
قرأت لك كيف ابتعثت رجولتي هذا اليوم مرة أخرى، كيف كانت خلاياي في جسدي تئنّ بنتوءات جديدة، بهمٍّ جديد، بقضية لا تنتهي ولم تنته، وقت أن ترددت في قتل الجندي الأول برصاصة مقصوده لن تُصنف أنها طائشة أبداً.
كتمت تلك الحكاية سنوات عدة، كانت تؤرق فضولي ورغبتي في بثها، لكنني حفظتها بي لوقت أن أتيتِ أنتِ فتحررتْ بكل حب إلى عينيك أمانةً تحفظينها أبداً شاهدةً على هذا الحب الذي كان يتصاعد فيَّ لك”.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.