بتقرير مطول من 9500 كلمة، استعرضت مجلة أميركية قصة محامية من أصل باكستاني أخذت على عاتقها مهمة زج المتهمين بالإرهاب في السجون الأميركية ونجحت في إيقاف عدد كبير من المخططات التي كانت تستهدف أميركا رغم شخصيتها المتحفظة.
تعمل المحامية زينب أحمد في المقاطعة الشرقية لولاية نيويورك، والتي اتخذت منحى قاسياً ضد الإرهاب منذ اعتداءات 11 سبتمبر/أيلول 2001. وتمكن المكتب الادعائي من زج أكبر عدد من المتهمين بالإرهاب مقارنة بأية مقاطعة في أميركا كلها.
أما زينب أحمد فتتخصص بمكافحة الإرهاب، وتحديداً قضايا التهديد القادم من الخارج، أي أنها تمضي وقتاً طويلاً خارج أميركا للتفاوض مع مسؤولي الدول واستجواب شهود وأحياناً مساجين، وتجميع أدلة دامغة لمتهمين وقعوا تحت رادار المخابرات الأميركية. تمضي أيضاً وقتاً طويلاً مع المساجين في أميركا، وتحديداً المدانين بجرائم إرهابية أو التخطيط لهجمات إرهابية، أكثر من أي مدّع عام في أميركا.
وعنهم تقول أحمد إنهم “كنوز معلوماتية عندما يقررون التعاون، إذ بدلاً من تفجير أنفسهم يجدون أنهم عالقون في زنازين لم يتصوروا أن الأمر سينتهي بهم داخلها، فيصبحوا ضعفاء ويائسين وهم بالنهاية بشر”، على حد قولها لمجلة “ذا نيويوركر“.
وقالت إن الإغراء الأقوى الذي يعتمده المدعون هو العقوبة المخففة، فبدلاً من قضاء بقية حياتهم في السجن، تعرض أحمد عليهم عقوبة قصيرة الأجل لقاء معلومات قد تنقذ حياة الكثيرين.
عملت أحمد في 13 قضية مكافحة إرهاب منذ العام 2009 ولم تخسر بعد أياً منها.
“المعلومات هي كل شيء في قضايا مكافحة الإرهاب والسجناء المتعاونون هم الأبطال المجهولون في هذا العمل”. وأوضحت زينب أن “الجهاديين السابقين يعرفون أكثر مما قد يتصورون، وكل ما يتذكرونه يوضح لنا الصورة الكبرى”.
ولفتت إلى أن نسبة كبيرة منهم تتعاون مع المنظمات المصنفة إرهابية ليس من منطق إيديولوجي ولكن طمعاً في المال.
زارت أحمد خلال عملها العديد من الدول منها: أفغانستان وباكستان واليمن والعراق والسعودية وتونس والجزائر وسورية ونيجيريا والنيجر وكينيا والصومال وترينيداد وغويانا وكندا والمملكة المتحدة.
وعن تقنيات عملها، لفتت إلى أن أصعب جزء منه هو إقناع السلطات الأميركية بأن إحضار متهم من هذه الدول آمن لأنها لا بد أن تحصل على موافقة خاصة من عدة أجهزة أمنية بما فيها مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض.
من هي إذاً زينب أحمد؟
اختبرت زينب طفولة متلونة الخلفيات، فهي ولدت لأبوين باكستانيين وعاشت في ولاية لونغ آيلاند، لكنها كبقية أطفال المهاجرين كانت تزور باكستان وبريطانيا في الصيف. وقالت إن زيارتها لبريطانيا كانت دائماً تشعرها بالتمييز العنصري ضدها، وبأن أقاربها كانوا يشعرون أنهم غير مقبولين كبريطانيين، بعكس التربية في أميركا.
أما والد زينب فعضو فعال في المسجد المحلي للمدينة التي يعيش فيها ويؤكد أنه ربّى ابنته على تقبل الآخرين. هاجر والداها إلى كندا في بادئ الأمر، ثم انتقلا إلى أميركا حيث ولدت زينب.
دبلوماسية بالفطرة
لم تظن أنها ستتخصص في قضايا مكافحة الإرهاب لكنها بعد إنهاء دراستها بمنحة دراسية للقانون وتوظفها في وزارة العدل، وجدت نفسها فجأة تعمل على قضية تخطيط لتفجير خزانات الوقود والتمديدات في مطار “جي إف كي” بنيويورك. المخطط كان من دولة غوانا الإفريقية وخيوط القضية دلت إلى العراق وإيران.
ولأنها تمثل دائرة قانونية أميركية، فلا بد من أن تصرح عن سبب تواجدها في الدولة الإفريقية وأخذ موافقات رسمية للتسجيل والمراقبة والتحقيق. وهذا ما نجحت به زينب – التعاون مع السلطات المحلية للدول الأجنبية.
“المدعي المثالي هو دبلوماسي بالفطرة”، هكذا وصفها محامي الادعاء المسؤول عن القضية، واعتبر أن احترامها للآخرين وتواصلها معهم جعلها تنجح في مهمتها.
تتبعت زينب آثار الرجل ورسائل بريده الإلكتروني، وقبل أن يحط في إيران مع مخططات المطار تم اعتقاله.
منافسة داخل الدوائر القضائية
يوجد في أميركا 93 مكتب ادعاء، أقل من نصفهم يسمح لهم بالتعامل مع قضايا الإرهاب، ومن هنا اشتعلت المنافسة بين المقاطعة الشرقية والجنوبية لولاية نيويورك.
فعندما تبدأ وكالة التحقيق الفدرالية FBI تحقيقاً ما، تبدأ في البحث عن محام، وتختار المحامي الأفضل لاستلام القضية. ولأن زينب سافرت وتنقلت بين دول العالم، ارتفعت أسهمها داخل الوكالة وبات ممثلو الوكالة “يترجّون” مديريها لاختيارها ممثلة عنهم، وفق ما أوضحت نائب المدير السابق لقسم التحقيقات الجنائية في المقاطعة الشرقية لنيويورك القاضية مارغو برودي.
في قضية أخرى استغرقت منها عملاً على مدى 4 سنوات وزيارات إلى قواعد عسكرية أميركية في العراق، بذلت زينب كل الجهود لتقنع الحكومة الكندية باستدعاء مواطن كندي من أصل عراقي بتهمة قتل 5 جنود أميركيين على يد انتحاريين سافروا من تونس لينضموا لتنظيم القاعدة في العراق بدعم من الرجل المعني.
لمحة شخصية
تنسب زينب قدرتها على التواصل مع الآخرين لترددها على الجامع في صغرها حيث ترعرعت، فكانت تلتقي بشتى أنواع وأطياف المجتمع المسلم في أميركا.
تزوجت لفترة قصيرة من محام أردني، لكنها تطلقت منه لاحقاً، وتعيش حالياً لوحدها مركزة على عملها وحفلاتها الاجتماعية، حيث تشتهر حفلاتها بالطعام اللذيذ، على حد تعبير كاتب التقرير.
تشير زينب إلى أن الإدارة الأميركية الحالية أعربت أنها عازمة على توسعة معتقل غوانتانامو، الذي لم يستقبل سجيناً واحداً منذ نحو 9 سنوات. وتمتنع دول غربية عديدة منها ألمانيا وبريطانيا وكندا عن تسليم متهمين أو مشتبهين لأميركا إذا كانت محاكمتهم عسكرية وليس مدنية، وهو الأمر الذي يضع وزارة العدل في حيرة من أمرها.
Asst. U.S. Attorney Zainab Ahmad, a Muslim American, on her prosecution of some of key terror cases in recent years: https://t.co/6MpK0SoBM8
— Paul Cruickshank (@CruickshankPaul) December 15, 2015
هل نراقب هل نتهم هل نحاكم؟ هذه هي الأسلئة التي يطرحها قسم المكافحة وفقاً لزينب، خصوصاً مع عودة مشتبهين من دول عانت من سيطرة تنظيم داعش مثل سورية والعراق.
تعمل المحامية الشابة حالياً على قضيتين إحداها للعراقي الكندي والثانية ضد باكستاني أميركي، إلى جانب مشتبهين آخرين لم تذكر أسماءهم لأنهم إما في وصاية الدولة أو بدأوا التعاون مع أجهزتها وتقديم المعلومات.
وقال أحد زملاء زينب رافضاً الكشف عن اسمه إن خطورة جلب زينب لهؤلاء المشتبهين إلى داخل الأراضي الأميركية تستمر لما بعد محاكمتهم، فإن تمت تبرئتهم عندها يمكن أن يتقدموا بطلبات لجوء سياسي، أو تقديم أدلة بأن تنظيم القاعدة أو حكومات دولهم ستعذبهم عند العودة، ومن ثم يعيشون في أميركا بين المدنيين بكل حرية.
وعن ذلك تقول زينب إن “هذه مغامرة أفضل بكثير من أن يترك المتهم يخطط ويدبر لاستهداف أميركا، وأكدت إن لم تتم إدانته ثم أطلق سراحه بعد انتهاء مدة سجنه فإنه سيكون تحت المراقبة، لكن الأجهزة الأمنية لم تفعل ذلك قط!”.
كاتب التقرير
اختار الكاتب الصحافي المخضرم والمؤلف وليام فينيغين أن يلقي الضوء على دور زينب الفعال، مركزاً على نجاحها كامرأة باكستانية في إحدى أهم الإدارات الأميركية التي تعنى بأمان الأميركيين. فاز بالعديد من الجوائز الصحافية لتقاريره الاستقصائية وكتبه، ومن المقرر أن ينشر التحقيق في عدد المجلة المقبل.