في كل مرة من الشهر، أذهبُ إلى صديقي القديم لحلاقة شعري في شارع (١٤ رمضان)، ثم أتمشى قاطعاً الطريق إلى مكان وصول حافلات نقل الركاب، وأثناء السير أمرُّ لشراء قهوة من محل مخصّص لبيع القهوة المطحونة والسائلة، والسجائر الفاخرة، بمختلف أنواعها، فأصبحت عملية شُرب تلك القهوة بالنسبة لي من التقاليد والأعراف المقدسة بعد الخروج من الحلاقة.
رغم أنني لستُ صديقاً للقهوة، لكنَّ تلك التي أشربها من ذلك المحل فريدة من نوعها؛ إذ تتميز بطعمها الممزوج؛ أي رشفةٌ منها حلوة، ورشفة مُرّة الطعم.
بعد أن يُعطيني صاحب المحل كوب قهوتي، أتلذذُ برائحتها الزكية لعدة ثوانٍ، ثم أثناء السير أشربُ منها قليلاً قليلاً وأرجو ألا ينتهي الطريق، ولا قهوتي اللذيذة.
في كل رشفة ذات طعمٍ حلو، أتذكرُ كل تلك اللحظات الجميلة في حياتي، فهي تشبهُ ذلك الطعم الحلو سريع الزوال، فلحظات الفرح قصيرة آنية، تزول بسرعة ولا تدوم طويلاً، ثم فجأة وفي رشفةٍ أخرى، يتحول الطعم مُرّاً يبقى في فمي طويلاً، وهنا أتذكرُ كل تلك اللحظات واللقطات القاسية التي تعرضتُ لها في حياتي، فتدمعُ عيني قليلاً ويضيقُ صدري، يبقى حالي هكذا طول الطريق مرةً سعيداً بتذكر أيام الفرح والسعادة، ومرة تعيساً في تذكر الأحزان.
وفي نفس ذلك الطريق المزدحم بالرجال والنساء والأطفال، أتمشى ببطء شديد لأشعر بنشوة القهوة، وأنظر في عيون الناس ووجوههم، ما لا يجعلني سعيداً مكتمل الفرحة، هو بؤس تلك الوجوه، وملامحهم الباهتة الخالية من الابتسامة، تجعلني أتحير وأتعجب، لماذا؟.. لماذا لا أرى الناس يضحكون ويبتسمون في مجتمعي؟ لماذا كل هذه التجاعيد الشاحبة؟
أسئلة كثيرة لا أجد لها أجوبة، ثم أعود إلى لحظتي المميزة، وكأني لا أعيشُ بين كل هؤلاء الذين يسيرون معي، فأذهب وأحلق بعيداً.. بعيداً جداً إلى الماضي، إلى الحنين، إلى الشوق، إلى البُعد والهجر والظلم.
وقبل وصولي إلى مكان الحافلات بمسافة قليلة، أرفعُ رأسي إلى السماء فأرى نجوماً حزينة تنتظرُ عيناً ترصدها، وتتحدثُ إليها، وتصف جمالها ونورها، فأقول لهم بصوتٍ خافت وابتسامة أحاول أن أخفيها: سلامٌ على تلك الجميلة الراحلة، التي كُنتُ أصِفُ عينيها بالنجوم، ووجنتيها بالمجرة، وشعرها بالفضاء الأسود الساكن، ووجهها بالقمر.. هنا، نفدت قهوتي، وذبلت لحظاتي وأحلامي، وجاءت الحافلة، وانتهت رحلتي.
ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.