مازال الترقب يخيم على ضاحية 6 أكتوبر (شرق القاهرة)، حيث تنتقل نظرات المارة يميناً ويساراً بعد أيام من واقعة “الطفل يوسف” الذي ذهب ضحية طلقة قناص لم يُعرف بعد موقعه وسبب قيامه بتلك الجريمة.
انتشر هذا الترقب في المدينة التي تضج بالحياة والمعروف عنها امتزاج نمط المعيشة السوري والمصري بها، بعد أن امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بالحديث عن قناص يستخدم مسدساً كاتماً للصوت، ويطلق النار عشوائياً.
الضحية الوحيد المعروف هو يوسف يوسف سامح العربي ذو الـ13 عاماً والذي يرقد في المستشفى بين الحياة والموت نتيجة لرصاصة طائشة اخترقت رأسه يوم الخميس 18 مايو/أيار 2017.
يوسف تعرض لإطلاق نار في أثناء وقوفه مع أصدقائه بمنطقة “الحصري” وهي المنطقة المسماة اسم مسجدها الشهير وتعد قلب مدينة 6 أكتوبر، ومشهورة بمطاعمها السورية والعربية المتنوعة وبأنها الأكثر ازدحاماً مقارنة بباقي المدينة ذات الكثافة السكانية القليلة.
حقيقة القناص
يتلمس سكان الضاحية أي أخبار تبدد غموض الحادث الغريب عن المجتمع المصري، وآخر هذه الأخبار ما أعلنته السلطات الأمنية بأن فريق البحث توصل إلى مرتكب الواقعة، وهو من محافظة الفيوم (جنوب القاهرة)، جاء إلى المكان للاحتفال بخطوبة أخته من خلال إطلاق نار من بندقية آلية (عادة منتشرة في صعيد مصر)، وأن مباحث محافظة الجيزة (التي تتبعها 6 أكتوبر ) تمكنت من القبض عليه وتحرير محضر ويجري عرضه على النيابة العامة للتحقيق.
وبينما يحاول السكّان التعرف على التفاصيل الجديدة للقاتل الملقب بالقناص، فإن يوسف العربي يقبع في الدور الثالث بمستشفى جامعة 6 أكتوبر، بينما يجلس أمام غرفة الرعاية المركزة، العشرات من أقاربه وأصدقائه، والحزن مرسوم على وجوههم والكل يقول إنه ابنهم جميعاً.
في أحد المقاعد، جلست والدته، الناشطة مروة قناوي، تتشابك يدها في يدي صديقة بجوارها، تحاول تهدئتها.
هل الجريمة سياسية؟
مروة قناوى تحدثت لـ”عربي بوست”، مناشدةً الجميع بالدعاء ليوسف الذي أكدت أنه يحتاج لمعجزة؛ نظراً لكون حالته ما زالت حرجة للغاية.
وأوضحت أن آخر مرة تحدثت إلى يوسف كانت يوم الحادثة قبل أن يغادر منزلهم الموجود بالمنيل في العاشرة مساء الخميس 18 مايو/أيار 2017، للقاء أصدقائه في أكتوبر -محل إقامتهم القديم- بعدها جاءها خبر بأنه في أثناء وقوف نجلها مع أصدقائه أمام أحد المطاعم سقط على الأرض فنقلوه إلى المستشفى؛ ظناً منهم أنه فقد الوعي وأبلغوها بالهاتف، ولكن المفاجأة كانت في اكتشاف وجود رصاصة اخترقت رأسه، ومنذ يوم الحادث الذي وقع قبل أسبوع ولا يوجد أي تطور في الحالة.
والدة يوسف التي تحاول أن تتماسك، استبعدت ما تردد عن أن إصابة نجلها لها علاقة بنشاطها السياسي؛ إذ إنها هي وزوجها نشطاء في مجال حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن التحقيقات ما زالت جارية ومحاميهم -وهو صديق تثق به- أكد لها أن الداخلية والنيابة تهتم بالقضية، مؤكدة أنهم لن يتركوا حق يوسف.
وقالت إنه لم تحدث أي إصابات أخرى غير إصابة سطحية لفتاة كانت تقف في المحيط نفسه.
يحتاج إلى معجزة
وقال الدكتور إيهاب صفوت مدير مستشفى 6 أكتوبر الجامعي، لـ”عربي بوست”، إن حالة يوسف خطيرة للغاية، موضحاً أنهم لم يتمكنوا حتى الآن من إزالة الرصاصة المستقرة بالمخ؛ نتيجة للإصابة الجسيمة التي تسببت فيها.
وأوضح إيهاب أن يوسف دخل المستشفى الخميس الماضي في حالة توقف للقلب، وتمت إعادته للحياة عن طريق إنعاش القلب، ولكن من لحظة دخوله وحالته لم يحدث فيها أي تقدم، وما زالت درجة الوعي لديه هي 3/15، وهو ما يعني أن عودته للحياة تحتاج معجزة، خاصة أن الأمل في شفائه ضئيل، وهو ما يعني أنه شبه مستحيل.
وعما تردد عن فصله عن الأجهزة لدى فقدان الأمل نهائياً، قال مدير المستشفى إن هذا القرار هو قرار الوالدَين فقط، المستشفى فقط يخبرهم بسوء الحالة وعدم تقدمها، أما فصله عن الأجهزة فيستلزم إقراراً من الوالدين.
وأوضح إيهاب أنه قبل دخول يوسف بنصف ساعة جاءت فتاة في الـ22 من عمرها مصابةً بشظية في الكتف سببت لها إصابة سطحية، وخرجت خلال ساعة، وقال: “ولكن يوسف حظه سيئ”.
الداخلية: لا يوجد قناص
ونفى مصدر أمني بمديرية أمن الجيزة، لـ”عربي بوست”، صحة ما تردد عن وجود قناص في منطقة أكتوبر أو سقوط عدة ضحايا غير يوسف، باستثناء إصابة وحيدة لفتاة كانت تقف أمام عقار مقابل لموقع إصابة يوسف قبله بنصف ساعة فقط وهذه كانت إصابتها سطحية وعادت لمنزلها.
وكشفت تحريات مباحث الجيزة أن سبب الحادثة هو أن طلقة خرجت من بندقية آلية من أحد الأشخاص كان يضرب ناراً بالمنطقة احتفالاً بخطوبة شقيقته، فأصابت الطفل يوسف واستقرت أسفل المخ، وأخرى أصابت إحدى الفتيات.
وقالت تحريات مباحث الجيزة، التي أشرف عليها اللواء هشام العراقي، مدير أمن الجيزة، إن فريق البحث توصل إلى مرتكب الواقعة، وهو من محافظة الفيوم، وقد جاء إلى المكان للاحتفال بخطوبة أخته، وإن مباحث الجيزة تمكنت من القبض عليه وتحرير محضر ويجري عرضه على النيابة العامة للتحقيق.
وكشفت التحريات، بقيادة اللواء إبراهيم الديب مدير الإدارة العامة لمباحث الجيزة، أن فريق البحث انتهى إلى خروج الرصاص من أحد الأفراح الثلاثة التي كانت مقامة في التوقيت نفسه بالقرب من الميدان، واستبعدت إطلاق الرصاص من مسدس كاتم للصوت.
لماذا يخلو “مكان الواقعة” من الشهود؟
على بُعد عدة أمتار من ميدان الحصري الشهير، يوجد مكان الحادثة، أمام مطعم “جاد” الشعبي امتلأ المكان بالعاملين فيه، أما عدد الزبائن فلم يكن هناك إلا شخص واحد ليس من المنطقة، ويبدو أنه موجود؛ لأنه لم يسمع بالحادثة؛ إذ وقف يشتري طعامه دون علمه بشائعة “قناص أكتوبر” الذي ألزم الناس في بيوتها.
أحد العاملين بالمطعم، قال إن الحادثة تسببت في كساد أعمالهم، خاصة مع رواج شائعات “قنّاص جاد”، موضحاً أن الحركة داخل المطعم أصبحت شبه معدومة، مؤكداً أن “أياً من العاملين لم يخبرنا برؤيته أي شيء بشأن الحادثة”.
قاطعه مدير الفرع، طارق، نافياً تأثُّر المطعم بأي حوادث وقال: “على العكس، الأرباح زادت”، مدير الفرع أكد أن الحادثة كانت بعيدة عنهم، وأشار إلى أنهم تعودوا وجود رجال المباحث في المنطقة بعد الحادث، وجميعهم في زي مدني خلال رحلة البحث عن المتهم.
على بُعد أمتار قليلة، يوجد مطعم “حضرموت” (يقدم طعاماً يمنياً) الذي وقعت الحادثة أمامه، فلا يوجد في المطعم سوى موظفة “الكاشير” الشابة وطفل يعمل في خدمة الزبائن. الطفل لا يعلم أي شيء ويرفض الحديث، والفتاة نفت تأثُّر المطعم بأي شكل بعد الواقعة -رغم خلو المكان من الزبائن- ونفت رؤيتها أو علمها بشيء.
في مطعم كشري التحرير، الذي كان بداخله زبون واحد، قال أحد العاملين إن حركة الزبائن بالمطعم هبطت تقريباً بنسبة تتجاوز الـ80% وأصبح اعتمادهم على توصيل الطلبات للمنازل.
الناس مرعوبة
نور، طالبة الفرقة الأولى بكلية الصيدلة، من محافظة البحيرة، وتقيم مع صديقاتها بأحد بيوت الطالبات في أكتوبر، قالت إنه منذ وقوع حادثة يوسف وتردُّد أنباء بصفة شبه يومية عن وقوع ضحايا آخرين، توقفت هي وصديقاتها عن الخروج من السكن إلا للذهاب لأداء الامتحانات، ويعتمدن على طلب الطعام عبر الهاتف؛ لكي لا يذهبن إلى أحد المطاعم، وتوقفن عن التنزه.
وأشارت إلى أن منطقة “الحصري”، وخاصة المنطقة التي وقع بها الحادث، كانت تعج بالمارة، إلا أن حالة الرعب سيطرت على الجميع، من بينهم أُسرهم الذين يشددون عليهم يومياً بعدم النزول.
النشطاء يتضامنون
الناشطة سناء سيف كتبت متسائلة: “يعني إيه طفل يبقى واقف في مكان حيوي وعلى بُعد 10 دقائق من قسم شرطة، فجأة يأخذ رصاصة في رأسه!”.
أما الناشط الحقوقي مالك عدلي، فتضامن مع يوسف بنذر في حال قيامه بالسلامة، قائلاً: “ندر عليا يا يوسف لو قمت بالسلامة لأدبحلك خروف.. يلا يا يوسف ربنا ميوجعش قلب أمك أبداً، وخصوصاً ميوجعش قلبها ولا قلبنا عليك.. انت جدع زي أمك وقدها وقدود وهتقوم بالسلامة”.
والده يحكي قصة الإصابة بالفيديو.