أئمة المساجد الأميركية يقودون حملة طبية في رمضان.. مسؤولو الصحة لجأوا إليهم خوفاً من تفاقم الخطر

أوشك عدد الحالات المصابة بمرض الحصبة في ولاية مينيسوتا على تجاوز إجمالي عدد الحالات المعلن عنها في الولايات المتحدة الأميركية كلها خلال العام الماضي، ولا مؤشراتٍ على تباطؤ وتيرة انتشار المرض.

ويخشى مسؤولو الصحة أن تسهم بداية شهر رمضان المبارك، الذي يجمع بين المسلمين في الصلاة والاحتفالات، في إسراع وتيرة انتشار المرض، الذي يتَّسم بكونه معدياً للغاية وقد يتسبب في الوفاة، والذي يصيب المجتمع الأميركي الصومالي المترابط.

والحصبة مرض يتسبّب فيه فيروس من فصيلة الفيروسة المخاطانية، وغالباً ما ينتقل عن طريق الاتصال المباشر أو من خلال الهواء. ويصيب الفيروس الجهاز التنفسي وينتقل بعد ذلك إلى باقي أجزاء الجسم. وهو أحد الأمراض التي تصيب البشر ولا يُعرف لها أي مستودع حيواني، بحسب تقرير لمنظمة الصحة العالمية.

ويعمل مسؤولو الصحة في ولاية مينيسوتا مع القادة الدينيين ويبذلون جهداً غير مسبوق لنشر رسالةٍ مفادها أنَّه على الآباء أن يعطوا أطفالهم اللقاحات اللازمة وأن يُبقوا عليهم في المنزل في حال ظهرت عليهم أعراض المرض.

وبحسب تصريحات مسؤولي الصحة ومواطنين أميركيين من أصل صومالي، فإنَّ هذه هي المرة الأولى التي يتولّى فيها الأئمة في الولايات المتحدة القيام بمثل هذا الدور الفعّال في أزمةٍ صحية عامة، وفق ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

ويتصدى الأئمة للحملة الرافِضة لتلقّي اللقاحات والتطعيمات، التي استهدفت في السنوات الأخيرة المجتمع الأميركي من ذوي الأصول الصومالية بمعلوماتٍ خاطئة تربط ما بين التطعيم ضد أمراض الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية وبين مرض التوحُّد، وهو ادعاءٌ أثبتت أبحاث مكثّفة عدم صحته.

وبلغ معدل التطعيم بين الأطفال الأميركيين الصوماليين في ولاية مينيسوتا في عام 1992 حوالي 92%، وهو أعلى من متوسط معدل التطعيم بين الأطفال على مستوى البلاد، غير أنَّ هذه النسبة انخفضت إلى 42%، تاركةً الأطفال عُرضة للإصابة بالمرض.

ويقول شريف محمد، وهو إمام مسجد في مدينة مينيابوليس لأكثر من 20 عاماً، إنه على القادة الدينيين ومسؤولي الصحة العمل جنباً إلى جنب.

ويضيف: “يؤكد الأئمة دور الآباء والدين في وقاية الأفراد من أي مرض، ليس فقط بالنسبة لك كفرد، بل للمجتمع كله والدولة أيضاً. لذا، يجب على الناس أن يكونوا مواطنين مسؤولين وأن يؤدوا دورهم. ويمكن لمسؤولي الصحة التركيز على العلاقة ما بين التطعيم والحصبة. أعتقد أنَّنا قادرون على الفوز في المعركة”.

ويقول مسؤولو الصحة إن هناك نحو 8250 حالة مصابة في الحضانات، والمدارس، والمستشفيات، والعيادات. وبحلول يوم الخميس الماضي، 25 مايو/أيار، كانت هناك 68 حالة إصابة مؤكَّدة، معظمها لأطفالٍ في الحضانات لم يحصلوا على اللقاحات. ودخل عددٌ كبير منهم إلى المستشفى لتلقي العلاج الضروري. ويُتوقَّع ظهور حالات أخرى الأسبوع المقبل. وفي العام الماضي بلغ عدد حالات الإصابة بمرض الحصبة في الولايات المتحدة 70 حالة.

انتشار متصاعد

وعلى الرغم من انتشار العدد الأكبر من الحالات المصابة بين أفراد المجتمع الأميركي من ذوي الأصول الصومالية، فإنَّ المرض بدأ في الانتشار داخل المجتمع الأوسع عن طريق نظام المدارس العامة في مدينة مينيابوليس، ما أصاب 6 أطفال من ذوي البشرة البيضاء بالعدوى.

وقد تردَّدت مخاوف مغلوطة بشأن اللقاحات لعقودٍ بين البعض في مجتمع ذوي البشرة البيضاء. ويقول كريس إيرزمان، مدير قسم الأمراض الوبائية والمعدية بوزارة الصحة في ولاية مينيسوتا: “إنَّهم آباء الطبقة المتوسطة ذوي البشرة البيضاء هم من اتخذوا قراراً بعدم تطعيم أطفالهم، وهم يشعرون بثقةٍ كبيرة بشأن خيارهم هذا”.

وساهمت جماعاتٌ محلية وقومية رافضة للقاحات- قامت بتنظيم اجتماعاتٍ في مجتمع الأميركيين من ذوي الأصول الصومالية- في تفشّي المرض في ولاية مينيسوتا.

وقد زار أندرو ويكفيلد، مؤسس أحدث الحركات الرافضة للتطعيم، مدينة مينيابوليس 3 مراتٍ على الأقل في السنوات الأخيرة للحديث إلى الآباء. وحسب أحد مسؤولي الصحة، فإنَّ ويكفيلد، وفي اجتماعٍ تزامن مع تفشٍّ محدود لمرض الحصبة في عام 2011، وأدَّى أيضاً إلى إصابة أطفالٍ من أصولٍ صومالية، قد قلَّل من خطورة وحِدَّة مرض الحصبة.

وفي أحد اللقاءات، قال ويكفيلد، الذي زعمت دراسةٌ مغلوطة له نشرها في عام 1998 وجود علاقةٍ ما بين اللقاحات والإصابة بمرض التوحَّد، إنَّه لا يشعر بأية مسؤوليةٍ تجاه التفشي الحالي لمرض الحصبة.

وقالت باتسي ستينشفيلد، التي تشرف على وحدة مكافحة العدوى بمستشفى Children’s Minnesota، إنََّ ما لا يقل عن 50 طفلاً قد تلقّوا العلاج اللازم في مستشفيات وعيادات الأطفال بولاية مينيسوتا، وإنَّ نحو 20 طفلاً قد مكثوا بالمستشفى بمتوسط 5 أيام.

وتقول باتسي إنَّ بعض الأطفال يعانون من جفافٍ حاد لأنَّ أفواههم ملتهبة لدرجة تجعلهم عاجزين عن الشرب أو البلع. وقد حُجِز أحد الأطفال في المشفى لنحو 17 يوماً. وعاد بعض الأطفال، الذين كانوا قد خرجوا بعد شفائهم، إلى المشفى مرة أخرى بسبب استمرار معاناتهم من مشاكل في الجهاز التنفسي.

وتتابع باتسي قائلةً: “لا نرى أي انخفاضٍ في وتيرة انتشار المرض. لقد شحذنا جهودنا للعمل على هذا الأمر طوال الصيف”.

لكنَّ هناك بعض المؤشرات المُشجِّعة. فقد ارتفع معدل الإقبال على اللقاحات منذ بدء تفشّي المرض في بداية أبريل/نيسان الماضي؛ إذ رأى الآباء بأم أعينهم حدة المرض.

جرعات اللقاح

وعلى مستوى الولاية، بلغ عدد جرعات اللقاح المُستخدم للوقاية من أمراض الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية قبل التفشي الأخير للمرض نحو 2700 جرعة في الأسبوع. لكن منذ بدء انتشار المرض، سجَّلت وزارة الصحة 9700 جرعة لقاح تُعطى أسبوعياً.

وكانت وزارة الصحة تعطي الأطفال ذوي الأصول الصومالية، الذين تتراوح أعمارهم بين عامين و13 عاماً، حوالي 30 جرعة لقاح قبل تفشي المرض. لكن بحسب إيرزمان، فقد ارتفع هذا العدد بعد انتشار مرض الحصبة، ليصل إلى أكثر من 500 جرعة في الأسبوع بنهاية أبريل/نيسان الماضي.

ورغم كونه أسوأ تفشٍّ لمرض الحصبة في الولاية خلال ما يقرب من 30 عاماً، فإنَّ الجماعات الرافِضة للتطعيم كثّفت جهودها لنشر رسالتها بين المواطنين.

فوفقاً لموقع PRI، وزَّع ناشطٌ رافضٌ للقاح منشوراتٍ خلال ندوةٍ مجتمعية عُقِدت مؤخراً بمدينة مينيابوليس للحديث عن لقاح أمراض الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية. وتدَّعي المنشورات أنَّ اللقاح قد يتسبَّب في تلف خلايا المخ والوفاة.

ويخشى مسؤولو الصحة في ولاية أوهايو ومدينتي كولومبوس، وسياتل، وكلها تُمثِّل موطناً آخر لجماعات كبيرة من الأميركيين ذوي الأصول الصومالية، أن ينتشر المرض أو المعلومات المغلوطة أو كلاهما في مناطقهم. وقد حاول المسؤولون الوصول إلى هؤلاء المواطنين بصورةٍ أكبر عبر بث منتديات تعليمية وبرامج على محطات تلفزةٍ ناطِقة باللغة الصومالية.

وتقول ليبي بيدج، التي تدير برنامج التحصين باستخدام اللقاحات في مدينة سياتل ومقاطعة كينغ بولاية واشنطن الأميركية: “هناك تقليدٌ شفهي قوي في مجتمع ذوي الأصول الصومالية، إذ يتشارك ذوو الأصول الصومالية في ولاية مينيسوتا رسالة الجماعات الرافضة للقاح مع الجماعات الأخرى الموجودة في مدينة سياتل، لقد كان هناك تأثير غير مباشر من هذه الجماعات”.

ووفقاً لوزارة الصحة بولاية واشنطن، حصل 65% فقط من الأطفال الرضّع في العائلات ذات الأصول الصومالية في عام 2013 على جرعةٍ أو أكثر من لقاح الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية بعد 23 شهراً من ولادتهم، وذلك رغم من أنَّ الإرشادات الفيدرالية توصي ببدء التطعيم بعد 12 إلى 18 شهراً من ولادة الطفل.

ويعد مجتمع ذوي الأصول الصومالية في مدينة كولومبوس، الذين يتراوح عددهم بها من 50 ألفاً إلى 60 ألف نسمة، ثاني أكبر تجمُّع لهم بعد مدينة مينيابوليس، التي يبلغ تعداد ذوي الأصول الصومالية بها نحو 90 ألف نسمة. وهناك الكثير من التنقُّل بين المجتمعين لحضور التجمُّعات العائلية مثل حفلات الزفاف، والتخرج، ومن أجل رمضان.

ويقول مسؤولو الصحة إنَّ الرسالة الأهم ستأتي من الأئمة، الذين يعدون أكثر قادة المجتمع ثقةً. ويعمل الأطباء في مركز مقاطعة هينيبين الطبي ومستشفى Children’s Minnesota مع مجموعةٍ من 30 إماماً ومديراً تنفيذياً لمسجد لديهم الحماسة للمشاركة.

وفي لقاء عشاءٍ شهري للمجموعة يوم الأربعاء الماضي، في مسجد دار الفاروق في ضواحي مينيابوليس، جلس الأئمة على طاولاتٍ مغطاةٍ بأقمشةٍ بيضاء، واستمعوا باهتمامٍ إلى الأطباء وهم يقولون إنَّه لا يوجد دواءٌ لمرض الحصبة. وقد عرضوا صوراً لأطفال ذوي أصولٍ صومالية يغطيهم الطفح الجلدي ورسم بياني يوضح تراجع معدل الإقبال على لقاح الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية.

وتحدَّث الأطباء أيضاً عن أعراض التوحد. إذ تُكتشف الحالة غالباً عند سن 12 إلى 18 شهراً – وهو نفس توقيت الحصول على أول جرعة من لقاح الحصبة، والنكاف، والحصبة الألمانية. ويدفع التزامن بين الحالتين بعض العائلات إلى الاعتقاد بأن اللقاح يتسبب في الإصابة بمرض التوحَّد، لكنَّها مجرد مصادفة. (في الواقع، يُكتشف النشاط غير الطبيعي بالمخ والمرتبط بمرض التوحَّد في وقتٍ مبكرٍ للغاية، وقد يظهر خلال نمو الجنين).

وتقول باتسي: “لقد كانوا فعلاً يستمعون إلينا. يمكنك أن تسمع صوت سقوط إبرة على الأرض من شدة الصمت”.

وقد وقف العديد من الأئمة للحديث. فتحدث بعضهم بشغفٍ عن مسؤوليتهم تجاه حماية الأطفال في مجتمعهم والمجتمع الأوسع من الوفاة بسبب الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتقول باتسي: “إنَّهم يشاركوننا شعورنا بالأهمية المُلحّة للموضوع. لقد أكدوا أنَّهم حلفاء لنا. سنعمل معاً”.
وتشمل بعض هذه الخطوات اقتراحات بنشر رسائل توعية خلال كل ليلة في رمضان، وإقامة عيادات للتطعيم في المساجد، ومنتديات تعليمية لشرح الكيفية التي ينتشر بها فيروس الحصبة، فضلاً عن جلسات توعية بشأن التوحُّد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top