<a كثيراً ما نسمع عن الموت.. الموت، ذلك المرض الذي قتل البشرية منذ أن رأى آدم الحياة لأول مرة في الجنة. نرى الموت وكأنه خرافة، كأنه حكاية حزينة، كأنه جزء من مخطط مرسوم لا يد لنا فيه، كأنه شيء بعيد عنا، شيء لن يمسنا ما دام لكتابنا في هذه الحياة صفحات أخرى ليخطها، لطالما شاهدنا الموت بعين المراقب، بعين المتفرج، بعين ذلك الشخص غير المعني بأمر ما. نراه بعيداً كأننا جالسون على شط الحياة نتفرج على موج الموت يأخذ منا رفاقاً وأصحاباً يوماً بعد يوم ويقترب منا تارةً ثم يبتعد تارةً أخرى في مد وجزر يتحكم فيهما قمر القدر. لكن ماذا لو عبرنا ذلك البحر؟ ماذا لو ركبنا قارب التجارب وبلغنا في سلام الضفة الأخرى من هذا البحر؟ تجربة استطعت أن أعيشها. ففي غضون 24 ساعة ركبت قارب التجارب وقطعت هذا البحر بكل ما فيه من آلام وأحزان. بادئ ذي بدء كنت جالساً على شط الحياة في الممر المؤدي إلى غيابات ذلك البحر، في قسم المستعجلات، أرتدي بذلتي الطبية وسماعتي الطبية ومع بزوغ فجر يوم جديد وخفوت ظلام ليل قد أتم ما عليه من واجب، انفصلت روح امرأة في عقدها السابع عن جسدها وحلقت في السماء صعوداً إلى خالقها مجاورة لأشعة الشمس الأولى التي جاءت لتحول الليل إلى نهار. كما لو أن تلك الروح أرادت أن تترك ظلام هذه الدنيا وسوادها لترحل إلى هناك، إلى ما وراء الشمس، إلى مصدر الضوء لترقد في سلام. لكن بحكم أنك طبيب فمهنتك تشبه مهنة خفر السواحل بحر الموت، تحاول أن تنقذ ما يمكن إنقاذه من الغارقين (رغم أنك ترجعهم لنفس الشاطئ ليلقوا نفس المصير)، تدخلت أنا وصديقة لنفعل ما نستطيع من أجل إنقاذ الغريقة: تدليك قلبي Massage cardiaque، تنفس اصطناعي Bouche à bouche، حقن بالأدرينالين، ضربات قلب المريضة تنقص تدريجياً وتحس بها تحاول الهروب من هذه الحياة وأنت واقف بجانبها تضغط على قلبها بكل ما استطعت من قوة، محاولاً أن تضبط سرعة الخفقان وتعد 1، 2، 3، 4.. 29، 30 ثم تجري تنفسين اصطناعين وتعيد الكرة، تحس بقلبك يخفق بشدة وتتمنى لو كان بإمكانك أن تمنح القليل منه للمريضة لتعود إلى حياتها لكن دون جدوى، تحس بالموت يلامس يديك فوق صدر المريضة، تحس بموج الموت يتلاعب بقاربك، تحس بمياهه السوداء تأخذ الفقيدة من بين يديك، بل تحس بطعم الموت عندما تلمس شفتاك شفتي الفقيدة، نعم لا تستغرب يا مَن تقرأ فللموت طعم، للموت ذوق وإن أردت أن أصفه لك فسأقول: طعم الموت رمادي. انتهت الرحلة، غرق جسد المريضة وصعدت روحها إلى الشمس وانهرت في قاربي دون أن أستطيع تحريك دفته لتأخذني رياح الصدفة إلى الضفة الأخرى من البحر. كنت متوجهاً في سيارتي في الطريق الوطنية الرابطة بين فاس ومكناس، كان يوماً جميلاً انتصفت الشمس في سمائه الزرقاء لتغمر بدفئها كل شيء حتى الموسيقى التي كانت على موجات الإذاعة كانت موسيقى دافئة كأنها استجابت لقانون الحياة، كنت سارح الذهن أفكر في المحاضرة التي أتوجه لها وأبتسم كلما تذكرت روعة الأستاذ المحاضر.. فجأة توقف كل شيء، أحسست للحظة أن الزمن توقف، ظلام في كل مكان رغم أن المكان قبل ثوانٍ كان مشعاً بالضوء، لا صوت يعلو فوق صوت الصرير القوي الذي يعزف ألحانه نشازاً وسط رأسي، ألم شديد يشق ظهري كأنه الرعد يزمجر بين فقراتي ووهن عارم زحف على تضاريس جسدي ليعجزني. مرت ثوانٍ أحسست بها سنين تتسابق مع بعضها البعض واحتجت لثوانٍ سنين أخرى لأفتح عيني وتتسلل أولى الأفكار إلى داخل عقلي وأفهم أنني كنت ضحية حادثة سير كاد أن يأخذ حياتي لولا لطف أمواج بحر الموت وقوة حزام السلامة. انتهى كل شيء وعدت إلى منزلي بعد أن أودعت قابي ميناء الحياة واستلقيت على فراشي والألم ما زال يؤنسني وأخذت أفكر في هذه الرحلة التي عشتها فوق أمواج بحر الموت، تعصف بي رياح الصدفة كيفما أرادت. شاهدت الموت، حاربت الموت، أحسست بالموت، ذقت طعم الموت، عشت الموت ونجوت من الموت وهأنذا حي أرزق. خرجت بفكرة واحدة من كل هذه التجربة: المهم ليس الموت أو على أي شط أنت من بحر الموت، المهم هو ما تفعله في شط الحياة، المهم أن تعيش إنسانية الحياة وتستمتع بضوء الحياة لتغرق في سلام عندما يحين الأوان دون أن تفكر فيما تركت خلفك، سواء كان هذا الغرق إلى عدم أو إلى جنة عدن. أحبّوا الحياة. <blockquote>ملحوظة: التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.</blockquote>