بعد أن أثارت جدلاً كبيراً وسط المغاربة، قررت الأغلبية في الغرفة الثانية من البرلمان المغربي (المستشارين) إسقاط مادة من قانون المالية لسنة 2017 تتعلق بتنفيذ أحكام الحجم القضائية الصادرة ضد الجماعات الترابية (البلديات الحضرية والقروية)، وهي المادة التي اعتبرت “فوق القانون والقضاء”.
وقد أثار تعديل المادة 8 مكرر من قانون المالية لسنة 2017 في المغرب جدلاً واسعاً بين الفرقاء السياسيين ورجال القانون والحقوقيين كذلك، بعد أن صادق عليها مجلس النواب (الغرفة الأولى من البرلمان المغربي) في القراءة الأولى.
“بدعة تشريعية”
خديجة الزومي، البرلمانية عن الاتحاد للشغالين بالمغرب، وعضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في مجلس المستشارين (معارضة)، أكدت أن “مجلس المستشارين بأغلبية ومعارضة يرفضون المادة 8 مكرر من قانون المالية 2017، لأن هذه المادة بدعة تشريعية لا يراد بها حق بقدر ما يراد بها باطل”.
وشددت خديجة الزومي، في حديث لـ”عربي بوست”، على أنه “لو تمت المصادقة على المادة 8 مكرر في مجلس النواب، فإن المعارضة كانت ستنقل المعركة إلى قلب المحكمة الدستورية”.
وقالت عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية في مجلس المستشارين إن “المادة تفتح الباب للإجهاز المطلق على ممتلكات الفرد وضمّها للدولة”.
أداء النفقات.. مسطرة واضحة
لكن عبد اللطيف بروحو، البرلماني عن حزب العدالة والتنمية (أغلبية)، وعضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، يرى أن “المادة 8 مكرر التي أثارت هذا الجدل، من أهم المستجدات القانونية والمالية، لأنها من جهة تضع مسطرة واضحة لأداء النفقات المرتبطة بتنفيذ الأحكام بالتعويضات المادية ضد أشخاص القانون العام (الدولة والجماعات الترابية) وهو ما لم يكن منظماً من قبل”.
وأضاف أنها “تضمن تنفيذ الأحكام القضائية على المستوى المالي وعلى مستوى الميزانية، ومن جهة ثانية تضع ضابطاً قانونياً للحفاظ على مصالح المجتمع برمته وضمان استمرارية المرفق العام”.
واعتبر عضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، في تصريح لـ”عربي بوست”، أنه “لا يعقل أن يتجمد عمل المؤسسات التي تقدم الخدمات للمواطنين وتؤمن حاجياتهم العمومية، دون الأخذ بعين الاعتبار قواعد التدبير المالي، لذا كان من الضروري الحرص على التوازن بين المصالح الفردية والمصلحة العامة للمجتمع التي تعلو على ما سواها، وتنفيذ الأحكام بطريقة عشوائية سيعرض مصالح عموم المواطنين للضرر ولتوقف خدمات المرافق العمومية الأساسية”.
الأحكام القضائية.. سجالٌ آخر
عكس هذا، تساءلت خديجة الزومي، عضو الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس المستشارين، “ما جدوى المحكمة والحكم مادام أنه لن يتم تنفيذه؟”، معتبرة أن هذا الأمر “تمييع للأحكام القضائية الصادرة في حق الدولة لصالح المواطنين”.
وأضافت: “إنه تمييع للحق أيضاً، وضرب في الصميم لحقوق الإنسان وحق المواطنة، إذ لا معنى للحفاظ على حقوق الدولة ولا يتم الحرص على المحافظة على حق المواطنين”، تُردِف البرلمانية عن نقابة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب.
بدوره، أكد عبد الرحمان بنعمرو، النقيب ورئيس مرصد العدالة بالمغرب، في اتصال هاتفي بـ”عربي بوست”، أن المادة “تعتبر إهانة للقضاء وتحقيراً لأحكامه؛ فهذه الأخيرة ستصبح مهما كانت وجاهتها حبراً على ورق إذا لم تنفذ، أو كان هناك تماطل في تنفيذها كلياً أو جزئياً”.
كما يرى المحامي والحقوقي، أن مقتضياتها “فيها خرق للمقتضيات الدستورية حينما تمس بمبدأ المساواة؛ لأن استثناء الدولة والجماعات الترابية من مسطرة الحجوزات والتنفيذ الجبري، في الوقت الذي تطبق هذه المسطرة على غيرها من الأشخاص الذاتيين والاعتباريين، لا يمكن اعتباره إلا تمييزاً يمس بمبدأ المساواة المكفولة دستورياً”.
وأبرز عبد الرحمان بنعمرو، النقيب ورئيس مرصد العدالة بالمغرب، أن “ما جاءت به المادة التي تم إلغاؤها إخيراً لا يمكن إدخالها في إطار قانون المالية، بل هي تدخل في إطار المسطرة المدنية”.
من جانبه، يرى عبد اللطيف بروحو، عضو لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، أن “من يقول إن قانون المالية ليس هو المكان الصحيح لمثل هذه المقتضيات، هو أمر يعبر عن جهل بقواعد تدبير المالية العمومية”.
ويوضح بروحو، أن “هذه المادة تنظم كيفية إدراج النفقات المتعلقة بتنفيذ الأحكام القضائية، وهذا من صميم دور القانون المالي طبقاً لأحكام المادة 6 من القانون التنظيمي للمالية”.
ويعتبر المتحدث نفسه، أنه لم تكن هناك في السابق أي مقتضيات تنظم في السابق هذا المجال، “وهو ما كان يتسبب في تضارب الاجتهادات القضائية، خاصة وأن عدداً من المحاكم ترفض تطبيق مقتضيات الفصل 25 من قانون المسطرة المدنية الذي يمنع اتخاذ أية إجراءات تعرقل عمل الإدارات العمومية والجماعات الترابية، وكانت المحاكم الإدارية تتحجج بعدم وجود مساطر خاصة بتنفيذ الأحكام على المستوى المالي، لذا كانت تتضارب في أحكامها وقراراتها”.