تبرئة إيرلندي احتُجز 4 سنوات في مصر تفتح ملف المعتقلين الأجانب في سجون السيسي.. بينهم 20 أميركياً

نطق القاضي حكم البراءة ليضع نهايةً متأخرة لمحنةٍ استمرت 4 أعوام، وجعلت الأيرلندي إبراهيم حلاوة، 21 عاماً، أحد أبرز حاملي الجنسيات الأجنبية المُحتجزين في متاهات النظام القضائي المصري القاسي.

اجتذبت محنة حلاوة تعاطفاً عاماً واسع المدى في أيرلندا، كذلك لاقت نقداً لاذعاً من قبل المجموعات الحقوقية التي شبَّهت محاكمته، التي ضمَّت 480 متَّهماً آخرين على الأقل، أمس الإثنين، 18 سبتمبر/أيلول 2017، بالمسرحية الهزلية، لأسبابٍ يتصدَّرها أنَّ حلاوة كان في السابعة عشرة من عمره عند اعتقاله.

وفيما تم تبرئة حلاوة وشقيقاته الثلاث، أدين 439 شخصاً على الأقل، كان من بينهم أميركي شاب، وحكم عليهم بعقوباتٍ تراوحت بين خمسة أعوام والسجن المؤبد.

بين حلاوة وعطوي

وكان المواطن الأميركي، أحمد عطوي، 27 عاماً، الذي ترعرع بين مدينتي نيويورك والقاهرة، طالباً في الجامعة الألمانية بالقاهرة عندما جرى اعتقاله. وسُلِّط الضوء على قضيته في الأشهر الأخيرة بعد أن أُطلِقَ سراح آية حجازي، وهي أيضاً مصرية أميركية، إثر ضغوطٍ مُنسَّقة مارسها البيت الأبيض على مصر.

رُدَّت لآية حريتها بعد أسابيعٍ من زيارة السيسي للبيت الأبيض، في أبريل/نيسان الفائت، بعد 3 سنوات من السجن. لكن يستمر احتجاز 20 أميركياً آخرين على الأقل، ومن بينهم عطوي، في سجون مصر.

وحَكَم القاضي على عطوي بالسجن خمسة أعوام، لكنَّ ذلك قد يؤهله لإطلاق سراحه عن قريب بموجب الفترة التي قضاها في السجن بالفعلKبحسب صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية.

وجلس مسؤولو القنصلية الأميركية بهدوء داخل قاعة المحكمة شبه الخالية في سجن وادي النطرون، الذي يبعد نحو 97 كيلومتراً عن وسط القاهرة، فيما كان يُقرأ الحُكم على عطوي.

وبعد لحظاتٍ رفع دبلوماسيّ أيرلندي قبضته محتفلاً؛ إذ أُعلِنَت براءة حلاوة، الذي كان يُرَى بالكاد من وراء شبكةٍ حديديّة وحاجزٍ بلاستيكيّ شفاف.

وسجنت حكومة السيسي الآلاف من معارضيها، ومع ذلك فإنَّها تنكر وبشدة الاتهامات المتكررة الموجهة ضدها بإساءة معاملة المحتجزين على نحوٍ جسيم على يد قواتها الأمنية، وجاء أحدث تلك الاتهامات في تقريرٍ لمنظمة هيومان رايتس ووتش، يسرد تفاصيل عمليات تعذيبٍ على نطاقٍ واسع، ويصف الأمر بأنه يصل إلى جريمة ضد الإنسانية.

زغاريد في دبلن

وفي دبلن، زغردت شقيقات حلاوة، وعانقت إحداهما الأخرى خارج منزلهم في مجمع سكني بإحدى ضواحي دبلن. وقالت شقيقته نُسيبة، في حديثٍ هاتفي، إنَّ أفراد أسرته قد خروا ساجدين عندما سمعوا الحُكم. وقالت: “ثُم عدنا للبكاء ومعانقة بعضنا البعض”.

وعلى النقيض قال المحامي الأميركي المكلَّف بقضية عطوي، برافين ماديراجو، إنَّ أسرة عطوي المقيمة في نيويورك “مفطورة القلب” جراء الحكم. وقال إنَّه كان قد طلب من وزارة الخارجية الأميركية الضغط على الحكومة المصرية لإطلاق سراح موكّله، مشيراً لقانونٍ أميركي يحتم على الرئيس المطالبة بإطلاق سراح أيّ أميركيين مسجونين بشكلٍ غير قانونيّ خارج البلاد.

وقال ماديراجو: “وبعيداً عن القانون، فإنَّه واجب الرئيس الأخلاقي أن يفعل ذلك”.

أتت هذه المحاكمة الجماعية وليدة إحدى أكثر لحظات التاريخ المصري القريب دموية وشحناً سياسياً. ففي يوم 14 أغسطس/آب عام 2013، قتلت قوات الأمن المصرية 800 شخص على الأقل وسط القاهرة، أثناء فض مؤيدي الإخوان المسلمين ممَّن اعتصموا احتجاجاً على عزل محمد مرسي، رئيس البلاد المنتخب، على يد الجيش قبل شهرٍ من الفَض.

وبعد أيامٍ اندلعت مظاهرة ثانية، لكنَّ تلك كانت ضد الجيش نفسه، في ميدان رمسيس في القاهرة، واتّخذت أحداثها منحىً عنيفاً هي الأخرى، لجأ فيها مئات الأشخاص إلى أحد المساجد. وبعد مواجهةٍ مطوّلة، أخلَت قوات الشرطة المسجد من المتظاهرين، ملقية القبض على مئات الأشخاص، ومن بينهم حلاوة، وثلاث من شقيقاته.

أُخلِيَ سبيل شقيقات حلاوة بكفالة وعُدن إلى وطنهم أيرلندا، لكنَّ أخاهم واجه تُهماً كان محتملاً أن تُفضي لعقوبة الإعدام. أصبحت قضيته مسألةً وطنية في أيرلندا، ما أدى لزيارة وفدٍ برلماني أيرلندي إلى مصر، في يناير/كانون الثاني الفائت، وممارسة رؤساء وزراء أيرلنديين متعاقبين حملة ضغوطٍ على مصر.

وأصدر رئيس الوزراء الأيرلندي، ليو فارادكار، بياناً رحّب فيه بانتهاء “قضية مطوّلة على نحوٍ استثنائي”، وقال إنَّ الدبلوماسيين الأيرلنديين سيضمنون “عودة حلاوة إلى بلده أيرلندا في أقرب وقتٍ ممكن”. وقد بُرّئت شقيقات حلاوة أيضاً، وقد جرت محاكمتهن غيابياً، من جميع التهم.

هل يبتلعه النظام القضائي مجدداً؟

بينما كان عطوي، وهو طالبٌ أميركي، في جامعة القاهرة عندما اعتُقل هو وعمّه وابن عمه. وقالت أسرته إنَّه كان يرافق جده إلى محطة حافلات عندما أحاطته حشود المتظاهرين.

حُكم على ابن عم عطوي بالسجن خمسة أعوام يوم الإثنين، وعشرة أعوام لعمه، وقال ماديراجو، محامي عطوي إنّّ موكله لم يكن ناشطاً سياسياً قبل 2013، ولا تربطه صلاتٌ بالإخوان المسلمين، الذين أصبحوا جماعةً محظورة في مصر.

وقالت منظمة العفو الدولية، التي لقّبت المحاكمة بـ”المهزلة القاسية”، إنَّه يجب إعادة محاكمة المتهمين الـ440، والمُدانين يوم الإثنين في دعوى تلاقي المعايير الدولية، وإما يُطلق سراحهم.

وقالت ناجية بونعيم، وهي نائبة المدير الإقليمي بمنظمة العفو الدولية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا: “تكشف إجراءات المحاكمة العيوب الجسيمة في نظام القضاء الجنائي المصري سيئ السمعة”.

وعادةً ما يتطلب إطلاق سراح السجناء في مصر عدة أيام، كما أنَّه بموجب القانون المصري، يمكن للادعاء الطعن ببراءة إبراهيم حلاوة، خلال 60 يوماً من إصدار الحُكم.

وعلى هذا، اندفع المسؤولون الأيرلنديون لتحريره في أقرب وقتٍ ممكن، لتجنب الوقوع في فخ استئناف جديد، وابتلاع النظام القضائي المصري إبراهيم حلاوة مجدداً، قبل مغادرته البلاد.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top