في ظاهرة أربكت حكومتها.. دولة عربية طلابُها يهجرون التعليم الخاص إلى الحكومي

بينما أصبح التعليم الخاص -ولا سيما الدولي- موضة رائجة في أغلب الدول العربية؛ بسبب تدهور المدارس الحكومية، فإن ثمة دولة عربية تشهد هجرة عكسية؛ إذ تشهد انتقال أعداد غير مسبوقة من طلابها من التعليم الخاص -بما فيه الدولي- لنظيره الحكومي!

حالة العجب والذهول، التي كانت ترافق الأردني الأربعيني سامر، تخبرك بالسبب الذي دفعه مثل كثير من مواطنيه لاتخاذ هذا القرار، الذي يبدو غريباً في هذا الزمن العربي الغريب.

في أثناء جلوس سامر مع أبنائه الثلاثة الذين يتلقون تعليماً دولياً، وسؤاله عن دروسهم، أظهرت إجاباتهم سوء فهم أو حتى عدمه.

ولذا، كان تدني مستواهم هو السبب الأقوى وليس الوحيد في أن يتخذ الأب قراراً جدياً بنقل أبنائه من مدارس التعليم الخاص إلى مدارس التعليم الحكومي، مطلع العام الدراسي الجاري 2017- 2018.

يقول سامر لـ”عربي بوست”، إن شهادات أبنائه تحمل معدلات 95%، ولكن “عندما أسأل أحدهم عن دروسه، لا يجيبني، فكيف يكون معدله بالتسعينات”.

وأضاف أن المفترض أن المدارس الخاصة تمنح الطالب اهتماماً ورعاية أفضل من الناحية التعليمية، لكن في الواقع “بيضحكوا علينا”؛ حسب تعبيره؛ إذ يفاجأ الأهل بأن الدرجات العالية التي يحصل عليها أبناؤهم خلال الدراسة لا تنعكس في شكل تحصيل علمي حقيقي.

رقم غير مسبوق


سامر، الذي كان قد سجل أبناءه الثلاثة في بداية مراحلهم التعليمية ضمن مدارس تطبق النظام الدولي في التعليم، والذي تبدأ رسومه في مدارس العاصمة الأردنية عمّان بما لا يقل عن 3 آلاف دولار- ليس إلا واحداً بين أعداد كبيرة من المواطنين قررت التخلي عن التعليم الخاص.

فهذا العام (2017)، سُجل رقم غير مسبوق، حسب وصف الناطق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم وليد الجلاد، لأعداد الطلبة المنتقلين من مدارس التعليم الخاص إلى مدارس التعليم الحكومي.

الأسباب الأخرى


بيد أن سامر، لا يعتبر ضعف التحصيل العلمي لأبنائه السبب الوحيد لنقلهم؛ إذ إن العامل الاقتصادي وارتفاع تكلفة الرسوم التعليمية لطلبة مدارس التعليم الخاص يعتبران عاملين مهمين بالتأكيد لديه، وفق تعبيره.

غير أنه يقول إن دفع رسوم بلا نتيجة علمية أو تقدُّم في التحصيل العلمي، يجعل الأمر “كذباً” بالنسبة له؛ مما جعله يقرر عدم الاستمرار مع مدارس التعليم الخاص.

وفي حديثه لـ”عربي بوست”، يتفق مدير التعليم الخاص في وزارة التربية والتعليم، أمين شديفات، مع ما يطرحه سامر، بأن الأوضاع الاقتصادية للعائلات تجعل بعض الأسر تتحول من التعليم الخاص إلى التعليم الحكومي؛ بسبب ضغط النفقات.

ولكن بالنسبة لسامر، لا يبدو التعليم الحكومي أفضل حالاً من التعليم الخاص، وهو يعلم أن التعليم الحكومي يعاني مشكلات كثيرة، إلا أنه قرر الذهاب للتعليم الحكومي؛ بسبب تجربة ابن أخيه الجيدة، والذي التحق بالتعليم الحكومي في بداية مراحله التعليمية، ويتقدم في التحصيل العلمي على أبنائه.

بيد أن شديفات يذكر أيضاً أن من جملة الأسباب، التي تزيد في إقبال المواطنين على نقل أبنائهم من التعليم الخاص إلى التعليم الحكومي، هو تحسُّن أداء المدارس الحكومية.

لا رقم نهائياً حتى اللحظة


يقول الناطق الإعلامي لوزارة التربية والتعليم الأردنية، لـ”عربي بوست”، إن باب نقل الطلبة من المدارس الخاصة إلى المدارس الحكومية، ما زال مفتوحاً.

ويؤكد أن الرقم في تزايد، وأنه لم يحصر بعد، وما شجع على ذلك هو تغيير آلية النقل، التي أصبحت تتم بين مديري المدارس دون الرجوع لمديريات التعليم في المنطقة؛ الأمر الذي حال دون رصد أعداد الطلبة المنقولين أولاً بأول.

لكنه يؤكد وجود مؤشرات تدل على تمركز النقل في المدن؛ إذ وصل عدد الطلبة المنتقلين في إحدى مديريات شمال العاصمة عمّان للمدارس الحكومية إلى 5 آلاف طالب، وفي محافظة إربد، وصل عدد الطلبة المنتقلين إلى إحدى مديرياتها التسع إلى 4800 طالب.

وخلال الأعوام الماضية، تشير الأرقام المتعلقة بأعداد الطلبة المنتقلين من التعليم الخاص إلى التعليم الحكومي إلى أعداد كبيرة؛ إذ بلغت الأرقام خلال العام الدراسي 2015-2016 نحو 67 ألفاً و513 طالباً وطالبة، من بينهم 45 ألفاً و233 داخل العاصمة فقط، مقابل 12 ألفاً و42 طالباً فقط انتقلوا من التعليم الحكومي إلى التعليم الخاص.

ظاهرة غير طبيعية


وزير التربية والتعليم عمر الرزاز، وصف في تصريحات إعلامية مؤخراً، ظاهرة الهجرة العكسية الكبيرة من مدارس القطاع الخاص إلى الحكومية، بـ”غير الطبيعية، وغير المتوقعة، على نحو أربك الوزارة”، حسب قوله.

وفي هذا السياق، يقول الناطق الإعلامي للوزارة لـ”عربي بوست” إن الأمر شكَّل ضغوطاً على المدارس الحكومية؛ ما اضطر الوزارة إلى تحويل بعض المدارس للعمل بنظام الفترتين الصباحية والمسائية، إلى جانب زيادة أعداد الطلبة في الصف (الفصل) الدراسي الواحد إلى نحو 65 طالباً.

وأشار إلى أن إصرار ذوي الطلبة على مدارس بعينها، جعل الوزارة ترجح زيادة أعداد الطلبة في الغرف الصفية (الفصول) بما يتجاوز الحدود المقبولة، بدلاً من قبول طلبة في مدارس أخرى، بعيدة عن أماكن سكناهم بما يحمل ضرراً، خاصة على الطلاب في المراحل الأولى.

زيادة أعداد الطلبة المنتقلين للتعليم الحكومي لم تقف انعكاساتها على زيادة عدد الطلبة في الغرف الصفية؛ بل إن الأمر -وفق ما يقوله الجلاد- استدعى تعيين 2276 معلماً ومعلمة، وتأسيس 22 مدرسة جديدة، كما أُضيفت غرف صفية (فصول) ورياض أطفال في بعض المدارس، وما تزال هناك مدارس تحت الإنشاء، إضافة لتوريد 26 ألف مقعد مدرسيّ جديد للمدارس.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top