في الوقت الذي بدأت فيه قوة تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” تتراجع في العراق، باتت إيران -التي كانت أول المستجيبين لبغداد عندما طلبت المساعدة عام 2014- تتطلع لتثبيت أقدامها في العراق.
مسارعة طهران في إرسال الأسلحة والمستشارين العسكريين لدعم الجيش العراقي آنذاك، مكّنها من تصدر الساحة الإقليمية في العراق، وهو ما يضعها اليوم في مواجهة السعودية، منافستها الرئيسية في المنطقة.
ووفق ما ذكرت صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، فإن هذا يعني أن العراق عرضة لأن يصبح ساحة المنافسة المقبلة بين الرياض وطهران اللتين تدعمان أطرافاً متنافسة في الحرب الدائرة في اليمن وسوريا.
خلال الأشهر الماضية، استضافت السعودية حيدر العبادي رئيس الوزراء العراقي ومقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي واسع النفوذ؛ كما أعلنت الرياض وبغداد عن عزمهما إعادة فتح معبر عرعر الحدودي للمرة الأولى منذ 27 عاماً.
وتمثل إعادة التقارب علامة فارقة في الاستراتيجية التي تتبعها السعودية، والتي بدت مستسلمة لتزايد النفوذ الإيراني خلال الأعوام السابقة، كما تُعد إعادة التقارب خطوة على طريق الحد من النفوذ الإيراني.
وبحسب ما أفاد به أحد مستشاري الحكومة الإيرانية لصحيفة الفاينينشيال تايمز، فإن العراق يعد جزءاً جوهرياً من خطط الرئيس الإيراني حسن روحاني لجعل العلاقات الإقليمية أساس سياسته الخارجية.
وأضاف: إن “زيادة نفوذنا في العراق على مستويات عدة هو أولويتنا الجوهرية. علينا ألا نسمح للعراقيين بتغيير موقفهم تجاهنا (..) تتناقش القوى السياسية والعسكرية حالياً في إيران حول مدى كلفة زيادة هذا النفوذ وعلى أي مستويات”.
وتابع كذلك معبراً عن أمله في أن يجري ذلك دون تصاعد التوترات مع الرياض. إلا أن إحدى الشكاوى الرئيسية للسعودية -وإدارة ترامب- فيما يخص إيران هو ما يرونه تدخلاً من طرفها في شؤون الدول العربية.
هذا الأسبوع، اتهم دونالد ترامب إيران في خطابه في الأمم المتحدة بكونها دولة مارقة، تعمل على تصدير “العنف وإراقة الدماء والفوضى” بشكل أساسي.
وألمح الرئيس الأميركي إلى انسحابه من الاتفاق النووي الذي وقعته إيران مع دول العالم العظمى في عام 2015، متهماً إيران باغتيال روح الاتفاق بتدخلاتها في شؤون الدول العربية، بما في ذلك سوريا والعراق، وتطوير برنامج الصواريخ الباليستية الإيراني. وهو ما رد عليه روحاني بقوله إنه “سيكون من المؤسف تدمير هذه الاتفاقية على يد القادمين الجدد إلى عالم السياسة”.
كانت إيران قد وفرت الدعم العسكري اللازم لبشار الأسد، ما أسهم في الميل بنتائج الحرب الأهلية السورية التي امتدت على مدار ست سنوات لصالح النظام.
إلا أن الروابط التي تربط إيران بالعراق هي أشد عمقاً مما هي عليه في سوريا، على شتى الأصعدة السياسية والاقتصادية والثقافية. ازدهرت علاقات البلدين -اللذين خاضا حرباً ضد بعضهما في الثمانينيات- بعد إطاحة الغزو الأميركي للعراق بالديكتاتور العراقي صدام حسين في 2003، ومع وصول الأغلبية الشيعية إلى السلطة. كما يشغل منصب وزير الداخلية العراقي أحد أفراد منظمة بدر شبه العسكرية التي تدعمها إيران.
وتعد الجمهورية الإسلامية كذلك الراعي الرئيسي لبعض ميليشيات الشيعة القوية المهيمنة على قوات الحشد الشعبي العراقية، وهي القوات التطوعية التي نشأت لمواجهة تنظيم داعش في عام 2014. كما أصبح العراق مقصداً هاماً للسلع الإيرانية، بصادرات غير نفطية بلغت قيمتها 6.6 مليار دولار في العام المالي الماضي. وقال أستاذ العلاقات الدولية في إحدى الجامعات الإيرانية “للعراق قيمة متأصلة لدى إيران، أكبر مما لسوريا. لا يمكن لإيران تحمل تكلفة خسارة العراق. لكنها لن تنهار إن فقدت سوريا”.
إلا أن الهيمنة الإيرانية في العراق تواجه تحدياً واضحاً. حيث أبدى حيدر العبادي المزيد من مقاومة النفوذ الإيراني مقارنة بسلفه نوري المالكي، الموالي لإيران. وحاول رئيس الوزراء العراقي مراراً السيطرة على الميليشيات الشيعية. كما ظهرت المزيد من علامات الاستياء تجاه نفوذ طهران في أوساط القاعدة الشعبية الشيعية في العراق، خاصة منذ بدأ مقتدى الصدر في انتقاد إيران.
تبدو الرياض وكأنها رأت نافذة يمكن لها استغلالها في سعيها لتحقيق سياستها الخارجية الأكثر حزماً، والتي تستهدف جزئياً مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
باستضافتها لمقتدى الصدر، أوضحت السعودية استعدادها للتعامل مع قادة الشيعة -أساس قوة إيران في العراق- لا فقط حلفائها من السنة. نظر المسؤولون السعوديون إلى المالكي باعتباره دمية لطهران، بينما اتهم المالكي الرياض بدعم ميليشيات السنة.
لكن في فبراير /شباط 2017، ذهب عادل الجبير -وزير الخارجية السعودي- إلى بغداد في زيارة هي الأولى من نوعها منذ 1990.
وصرح مسؤول خليجي رفيع المستوى “يمكننا أن نرى صراعاً محتدماً على النفوذ في العراق.. لقد فشلت العديد من رهانات دول الخليج على السنة في العراق” وأضاف قائلاً “لم يتمكن المجتمع السني في العراق من إنشاء منبر للقيادة الرشيدة والموثوقة”.
ومع ذلك، أصر مستشار السياسة الخارجية الإيراني على أن الرياض ستعاني في تحديها لهيمنة طهران، قائلاً “تمتلك السعودية قدراً أكبر من المال ومن التقنيات العسكرية الحديثة مقارنة بنا، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة المزيد من النفوذ في العراق”.