أدمن الكحول وترك المدرسة ثم احترف السياسة.. هل يتمكَّن منافس “ماما ميركل” من الإطاحة بصاحبة أطول مدة حكم في أوروبا؟

يعتمد مارتن شولتز، مدمن الكحول السابق الذي ترك المدرسة من دون نيل شهادة ليصبح في نهاية المطاف رئيساً للبرلمان الأوروبي، على مسيرته غير المألوفة وصورته كرجل من عامة الشعب، لإفشال توقعات الانتخابات الألمانية التي تجري اليوم الأحد 24 سبتمبر/أيلول 2017.

غير أن فرص زعيم الاشتراكيين الديموقراطيين في التفوق على المستشارة المحافظة أنجيلا ميركل، المعروفة بـ”ماما ميركل” و”ملكة التقشف” تبقى محل تساؤل على ضوء استطلاعات الرأي.

وأظهرت الاستطلاعات التي نشرت على مدار اليومين الماضيين، تصدر الاتحاد المسيحي (يمين وسط) بزعامة المستشارة إنجيلا ميركل، بـ34% من نوايا التصويت، يليه حزب الاشتراكيين الديمقراطيين (يسار وسط) بـ21%، والبديل (يمين متطرف) 13%، واليسار 11%، والديمقراطي الحر 9%، والخضر (يسار) 8%. فيما حصلت أحزاب صغيرة على 4%.

“مشاكس”

كتبت مجلة “دير شبيغل” الألمانية “كل المؤشرت تدعو إلى الاعتقاد بأن اسم الفائز معروف، وكذلك اسم الخاسر”، مضيفة أنه على الرغم من “جهوده الحثيثة”، فإن شولتز يواجه “أكبر الصعوبات في طرح نفسه كبديل لميركل”.

ورغم كل شيء، لا يزال شولتز مؤمناً بإمكانية فوزه ويرى في مسيرته غير المنتظمة والمفاجئة بالنسبة إلى مسؤول سياسي بهذا المستوى وفي المحن التي تغلب عليها، أدلة على صفاته كمناضل و”رجل منبثق من الشعب”، في مواجهة ميركل العقلانية الباردة.

وشولتز الذي ولد في 20 كانون الأول/ديسمبر 1955 في إشفايلر القريبة من مدينة آخن (غرب)، ترك المدرسة دون الحصول على شهادة. وقال لمجلة “بونتي” الألمانية “في المدرسة كنت مشاكساً حقيقياً”.

وكان شولتز مولعاً بكرة القدم ومن أشد مشجعي فريق كولن، ويحلم بأن يصبح لاعب كرة قدم محترفاً، قبل أن تحطم آماله إصابة في ركبته.

ومن شدة حزنه أدمن الكحول، وقال “في العشرين من عمري كنت الشاب الأكثر جنوناً في كل ألمانيا. والأسوأ كان الشعور بالفشل الذي كان يلازمني يومياً في ذلك الحين”.

لكن تلقيه تدريباً على إدارة مكتبة أعاده إلى الطريق الصحيح، فكرس نفسه طوال 11 عاماً لإدارة مكتبته الخاصة في فورسالن بضاحية آخن، بموازاة انخراطه في العمل السياسي في جهاز الحزب الاشتراكي الديمقراطي المحلي.

كان ملتزماً بمبادئ الحزب الذي التحق به منذ سن التاسعة عشرة. وفي 1987 عندما كان في الحادية والثلاثين من عمره فقط، انتخب رئيساً لبلدية فورسالن المنصب الذي شغله طوال 11 عاماً (1987-1998).

عام 2000، أصبح شولتز زعيم كتلة النواب الأوروبيين للحزب الاشتراكي الديمقراطي. وفي 2004 انتخب رئيساً لمجموعة الحزب الاشتراكي الأوروبي في البرلمان الأوروبي، التكتل الذي يضم خصوصاً النواب الألمان والفرنسيين والإيطاليين.

كوارث

ويقول شولتز لمجلة “دير شبيغل” “أعتقد أنني السياسي الوحيد من الصف الأول في ألمانيا الذي يتحدث علناً عن كوارثه الشخصية”، في انتقاد واضح موجه إلى المستشارة المعروفة بتمنعها عن الكشف عن كل ما يمت إلى حياتها الخاصة.

ويضيف “البعض لديه صعوبات في تقبل ذلك، لكن البعض الآخر يقول: إنه نجح في تخطي الأمر، فهو متميز وخارج عن المألوف خلافاً للقادة السياسيين الآخرين”.

وشولتز متزوج منذ 30 عاماً من منسقة حدائق وأب لولدين، يتكلم خمس لغات تعلمها بنفسه.

توجه إلى أوروبا بسرعة في وقت لم يكن هذا النوع من المسيرات السياسية يهمّ ألمانيا. وفي عام 1994، ربح الرهان وأصبح عضواً في البرلمان الأوروبي لمدة 22 عاماً.

وتولى الرجل المعروف ببلاغته وصراحته القصوى، حتى إن البعض ينعته بـ”الفظاظة”، رئاسة البرلمان الأوروبي لخمسة أعوام (2012-2017).

ويسخر منتقدوه من ادعاءاته بأنه رجل جديد قريب من الناس في ألمانيا، ويرون فيه بالأحرى تجسيداً للنخب الأوروبية.

يؤكد شولتز من جهته أن مسيرته الأوروبية تجعله مؤهلاً لمنصب المستشارية.

وترى وسائل إعلام أنه أخطأ عندما باشر حملته الانتخابية حول موضوع “العدالة الاجتماعية” في وقت تحسد فيه الدول الأوروبية ألمانيا على اقتصادها المزدهر.

وكانت آمال شولتز كبيرة عند تسميته في نهاية كانون الثاني/يناير 2017 مرشحاً للحزب الاشتراكي الديمقراطي، فباشر حملته بحماسة في مواجهة ميركل المتربعة في السلطة منذ ثلاث ولايات والمرشحة لولاية رابعة.

غير أن حملته فقدت دفعها منذ ذلك الحين، وأظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه مؤخراً أن 25% فقط من الألمان يودون أن يكون مستشار البلاد، مقابل 51% يفضلون بقاء ميركل في السلطة.

وفسرت الصحف تصميمه على الترشح لولاية جديدة على رأس الحزب الاشتراكي الديمقراطي، حتى في حال هزيمة الحزب في الانتخابات التشريعية، اعترافاً بأنه هو نفسه لا يؤمن بالفوز.

وتساءلت صحيفة “تاغشبيغل” “من سيقاتل من أجل مرشح يبدو وكأنه قبل بالهزيمة”؟

ملكة التقشف.. موتي ميركل

في المقابل وعلى العكس تماماً من مسيرة شولتز، توصف المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل البالغة من العمر 63 عاماً بأنها “ملكة التقشف” و”زعيمة العالم الحر” الجديدة، فيما يرى فيها لاجئون طوق نجاة لهم.

ونجحت “ماما” أو “موتي ميركل”، بفضل نهجها البراغماتي البسيط، في البقاء في السلطة في بلد ثري يتقدم سكانه في العمر ويفضل الاستمرارية على التغيير.

عبر الألمان عن امتنانهم لها بإبقائها في السلطة منذ أن أصبحت أصغر مستشارة في سنة 2005 عندما كان جورج بوش وتوني بلير وجاك شيراك في السلطة.

وتعيش ميركل التي لم تبهرها السلطة والجاه في شقة في برلين مع زوجها العالم يواكيم سوار الذي يفضل البقاء بعيداً عن أضواء الإعلام. وتتسوق من متجر قريب وتقضي إجازاتها في ممارسة رياضة المشي في جبال الألب.

وعندما أعلنت صحف عالمية بعد فوز ترامب المفاجىء أن ميركل أصبحت حاملة راية الديمقراطية الليبرالية، وصفت المستشارة ذلك بأنه “سخيف ولا معنى له”.

“تنوم الحشود مغناطيسياً”

ورغم اتهامها بأنها تجنبت خوض تحديات، اتخذت ميركل قرارات جريئة ومفاجئة بدءاً من التخلي عن مفاعلات الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما في 2011 إلى فتح الأبواب أمام أكثر من مليون لاجىء منذ 2015.

وكلفها تدفق اللاجئين الكثير على المستويين الوطني والأوروبي وتوقع كثيرون أفول نجمها.

ولكن مع تراجع حركة الهجرة وتشديد سياسة اللجوء، تحسنت شعبيتها إلى مستوى ما قبل الأزمة لا بل بلغت مستوى جعل وسائل الإعلام تسخر من منافسيها من اليسار الوسط بصفتهم يخوضون مهمة سياسية انتحارية في مواجهة تقدمها.

وترفض ميركل عادة ذكر منافسيها بالاسم أو الخوض في جدل سياسي حاد ما جعل الحملات الانتخابية الأخيرة هادئة وأغضب منافسيها غير القادرين على توجيه اللكمات لها.

ولذلك هاجمها المرشح “المشاكس” شولتز في حزيران/يونيو 2017 واتهمها بالانتقاص من الديمقراطية، فقوبل بوابل من الانتقادات من طرف أنصارها.

ولكن العديد من المعلقين يرون أن ميركل أدخلت ألمانيا في سُبات لا سياسي وبأنها تنأى أكثر فأكثر بنفسها عن الصراعات. وسماها الكاتب في صحيفة “دير شبيغل” ألكسندر أوسانغ حديثاً “امرأة العنبر”، وقال إنها مهيبة مثل “أبو الهول أو مغنية شهيرة أو ملكة”، وإن خطاباتها لها أثر “تنويم الحشود مغناطيسياً”.

“ميركيلفيلي”

ولدت أنجيلا دوروتيا كاسنر في سنة 1954 في هامبورغ وعرفت التقشف بعدما قرر والدها الانتقال من الغرب إلى الشطر الشيوعي من البلاد للمساهمة في نشر المسيحية.
ويقول كاتبو سيرتها إن حياتها في ظل النظام البوليسي علمتها كيف تتكتم عن آرائها.

وكانت في صغرها تلميذة موهوبة تحب الرياضيّات واللغة الروسية. وتابعت دروسها الجامعية في ظل النظام الشيوعي حتى حصولها على شهادة دكتوراه في الكيمياء. ومع رفضها العمل كمخبرة للبوليس السري، لم تجازف في الانخراط في النشاط المؤيد للديمقراطية.

ومكّنها تفوقها في اللغة الروسية من التحاور مع الرئيس فلاديمير بوتين الذي كان مسؤولاً في الاستخبارات السرية الروسية في درسدن لدى سقوط جدار برلين.

وفي الفترة التي سقط فيها جدار برلين نهاية 1989، انخرطت في العمل السياسي، ثم انضمت إلى الاتحاد المسيحي الديمقراطي المحافظ بزعامة هلموت كول.

وسلمها المستشار “العملاق” آنذاك أولى مسؤولياتها الوزارية. وكان في ذلك الحين يناديها بتودد “يا ابنتي”.

ولكن كول لم يكن الوحيد الذي أساء تقدير قدراتها ودفع ثمن ذلك. فعندما بدا أنه تورط في فضيحة مالية داخل حزبه في 1999، حثت ميركل الحزب على التخلي عنه.
هذه الحركة التي أطلق عليها اسم “ميركيلفيلي” هي التي أوصلتها إلى أعلى درجات السلطة.

ورغم انضمامها الحديث إلى الحزب، فقد أعادت بناءه ورسخت مكانته السياسية عبر الدفع باتجاه تبني سياسات اجتماعية تقدمية والغاء الخدمة العسكرية ومن ثم التخلي عن الطاقة النووية.

وبرزت بصفتها زعيمة أوروبا خلال أزمة الديون السيادية رغم تسميتها “ملكة التقشف” في دول الجنوب الأوروبي.

ولا تزال ابنة القس التي نشأت خلف الستار الحديدي في ألمانيا الشرقية أطول مدة في الحكم في أوروبا، تتجه لتولي ولاية رابعة على رأس أقوى اقتصاد أوروبي، وبات العديد من الألمان يطلقون عليها اليوم لقب “المستشارة الدائمة”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top