بينما تعد إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تؤيد انفصال الأكراد؛ ترحيباً بتقسيم قُطر عربي كانت تخشى تنامي قوته يوماً- فإن هذه الدولة، التي ما زالت تحتل الأراضي العربية، يبدو أنها تصنع لنفسها فخاً بهذا الموقف قد ينعكس على المناطق التي تحتلها، بحسب ما نشرته صحيفة إسرائيلية.
داليا شايندلين الباحثة الإسرائيلية في ديناميات الصراع المُقارَنة، والزميلة بمعهد متفيم الإسرائيلي للسياسات الخارجية الإقليمية، كتبت مقالاً في صحيفة هآرتس الإسرائيلية عن تداعيات استقلال الأكراد على إسرائيل واحتلالها الأراضي الفلسطينية، استغربت فيه الترحيب المفرط من قِبل الحكومة الإسرائيلية بهذا الانفصال، وكأن لسان حالها يقول لبنيامين نتنياهو “لا تفرح كثيراً، فقد تدفع أنت الثمن بسبب هذا الاستفتاء”.
وأشارت الباحثة إلى أنه بعد رفض البرلمان العراقي شرعية التصويت (الذي سينتهي بالموافقة على الانفصال على الأرجح)، وأمر المحكمة العليا بتعليقه للاشتباه في انتهاكه الدستور- أصبحت الساحة جاهزة للصراع الذي يخشى الكثيرون أن يؤدي إلى حربٍ أخرى في هذا البلد المُعذَّب (العراق).
الدم
لكن التصويت يثير سؤالاً هاماً آخر -حسب الباحثة الإسرائيلية- وهو: كيف تولد الدول الجديدة؟
إنها مشكلةٌ مُحيِّرة في المشهد الدولي بعد الحرب العالمية الثانية. ليس من المفترض أن تتغيَّر الحدود بالقوة، إلا أن الدول الجديدة غالباً ما تولد بالدم.
الاستثناءات الفريدة -مثل “الانفصال الناعم” السلمي لجمهورية التشيك وسلوفاكيا أو استقلال الجبل الأسود في عام 2006- أقل بكثير من عدد الدول التي وُلدت بالحرب: الجمهوريات السوفييتية السابقة مثل جورجيا وأذربيجان وأرمينيا وغيرها، خاضت صراعات قومية وعرقية، في حين خرجت الدول الست (أو السبع بعد حساب كوسوفو)، المستقلة من تفكك يوغوسلافيا، من رحم أعمال عنف تشبه الإبادة الجماعية، والتي شكَّلَت خلفيةً لانفصال الجبل الأسود في وقت لاحق.
السودان
حتى تأسيس دولة جنوب السودان عام 2011 بعد استفتاء قانوني، بالاتفاق مع دولة السودان ذات السيادة، قد انحدر إلى فوضى قاتلة. إن وجود موارد نفطية ذات ملكية متنازع عليها في كل من جنوب السودان ومنطقة كركوك في كردستان لا يبشر بالخير لعملية سلمية في العراق.
وهذا التهديد الحقيقي للعنف هو أحد العوامل التي دفعت الدول الغربية إلى معارضة الاستفتاء الكردي. لكن معارضتها تحمل في طياتها مصلحة ذاتية. فمن غير المُرجَّح أن تهتم الولايات المتحدة بعمقٍ، بآثار الحرب على الشعبين الكردي والعراقي، لكنها تشعر بالقلق من أن مثل هذه الحرب يمكن أن تُخفِّف من محاربة داعش -التي تقاتلها قوات البشمركة الكردية- إلى حدٍ كبير.
ويبدو أن مبادئ مثل الحق في تقرير المصير -التي لا جدال فيها في حالة الأكراد- مفقودة من نهج الحكومات الغربية، حسب الباحثة الإسرائيلية.
حتى “السيادة المكتسبة”، التي تُظهِر أن الدولة الكردية المأمونة لديها مؤسسات عاملة، وحكم ذاتي، ومؤسسات ديمقراطية نسبياً، لم تُضعف المعارضة الغربية للاستفتاء حتى الآن.
لماذا تعارض أميركا الاستفتاء؟
تقول الباحثة الإسرائيلية: ربما تكون “الأيديولوجية” الوحيدة التي تقود سياسة أميركا هي بقايا دفاعها عن حرب الخليج لعام 2003، التي بدا العراق بعدها -ولا يزال- يشبه كثيراً دولة فاشلة.
لكن أميركا تريد من بلدِ ما بعد صدام، والذي ساعد في خلقه أن يبدو وكأنه ناجح، وأن تقطيع الأوصال لا يتناسب مع الصورة التي تريدها واشنطن، بغض النظر عن أن “الدم الكردستاني لم يجفَّ بعدُ” من محاربة تنظيم داعش، كما قال لي مهندس الاتصالات الكردية محمد يوسف أمين هاتفياً يوم الجمعة الماضي 22 سبتمبر/أيلول 2017 من السليمانية.
النفاق الروسي
على الجانب الآخر، تُقدِّم روسيا نسخةً صارخةً أخرى من النفاق الدولي فيما يتعلَّق بحركات الاستقلال، حسب الباحثة الروسية.
كانت روسيا، منذ فترة طويلة، هي العقبة الرئيسية أمام حصول كوسوفو على عضوية الأمم المتحدة، بعد أن أعلنت الأخيرة الاستقلال من جانب واحد عن صربيا في عام 2008 واعترفت بها معظم الدول الغربية.
لكن موسكو كانت سعيدة للغاية بالاعتراف بالمناطق الانفصالية الجورجية في أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية، بعد حرب قصيرة شنتها ضد جورجيا في صيف عام 2008؛ ربما كرد فعل على احتضان الغرب لكوسوفو.
وفيما يتعلَّق باستفتاء كردستان العراق، تبدو روسيا خجولة؛ إذ تشير صفقة نفطٍ كبيرة مع شركة “روس نفط” إلى أنَّ المصالح المالية والمصالح في الموارد هما ما سيُحدِّدان رد موسكو على الاستفتاء.
هكذا ستستفيد إسرائيل
وفي تلك البيئة الواقعية الصارِخة، يبدو ردُّ إسرائيل منطقياً؛ فقد اتَّخذت الموقف الجريء، المتمثِّل في القطيعة مع موقف الحلفاء الغربيين ودعم الاستقلال الكردي بصورةٍ علنية إلى حدٍ ما.
والمصلحة الذاتية المتأتية من وراء ذلك واضحة: فإسرائيل لديها سابقة في تفضيل القوى التي تُضعِف قيام جبهةٍ عربية “متحدة” معادية لها، كخوضها حربين ونصف في لبنان خلال عقد الثمانينيات. وسيكون إنتاج عراقٍ أصغر وأضعف متَّسِقاً مع ذلك النهج، حسب الباحثة الإسرائيلية.
وتُمثِّل دولةٌ كرديةٌ صديقة للغرب ويمكن أن تؤدي إلى تآكل أو تفتيت صراع القوة الإيراني الشيعي والعربي السُنّي في الشرق الأوسط، حليفاً جذَّاباً محتملاً لإسرائيل، يجري تزيينه من أجل الاستهلاك العام باستخدام حالة الود التاريخية، كما أوضح مقالٌ نُشِر مؤخراً في صحيفة نيويورك تايمز الأميركية. وبالنظر إلى حلفاء إسرائيل الدوليين النافِذين، قد يكون الدعم الإسرائيلي في حقيقة الأمر فعالاً في تعزيز الاستقلال الكردي.
هل يؤيد الفلسطينيون الأكراد؟
لكنَّ الأكراد قد يكون لهم حليفٌ آخر أقل قوةً في نضالهم، ألا وهم الفلسطينيون، حسب مقال الباحثة الإسرائيلية .
إذ تنقل عن باسم الوزير، رجل الأعمال الفلسطيني الذي عاش وعَمِل في أربيل بكردستان العراق عامين، قوله: “أنا مؤيدٌ تماماً لاستقلال الأكراد. فإذا كان ذلك يُمثِّل تحرُّرهم الوطني، فدعوهم يقوموا به إذن! ونحن كشعبٍ مُضطَّهد نقول: هذا جيد بالنسبة لهم، اقبلوا به. لا يمكنكم سجن الناس في قفص”.
ولفتت إلى أن الشخصيات الفلسطينية الرسمية تبقى هادئةً فيما يتعلَّق بالاستفتاء؛ مراعاةً للتوتُّرات المتعلِّقة بوحدة الأراضي العراقية. لكنَّ غسان الخطيب، أستاذ العلوم السياسية بجامعة بيرزيت في رام الله، والوزير السابق بالسلطة الفلسطينية، كان أقل حذراً.
إذ قال للباحثة الإسرائيلية يوم الأحد 24 سبتمبر/أيلول 2017، إنَّه رغم أهمية وحدة العراق، “أعتقد أنَّ الأكراد لديهم الحق في تقرير المصير، ويتعيَّن منحهم ذلك الحق”.
وأردف قائلاً: “إن دعم حق تقرير المصير للأكراد سيشجع الشعوب على اتباع المبدأ نفسه ودعم حق تقرير المصير، والاستقلال، وإقامة الدولة للشعب الفلسطيني”.
واستدرك قائلاً: إنَّ هذا على الرغم من “أنَّنا كفلسطينيين معتادون المعايير المزدوجة من المجتمع الدولي حين يتعلَّق الأمر بالحقوق”.
وتعلق الباحثة الإسرائيلية قائلةً: “ربما لا تلتفت القوى الكبرى إلى تناقضاتها، لكنَّ حركات الاستقلال المناضلة غالباً ما تراقب إحداها الأخرى من كثب لتكون على علمٍ بالسوابق التي تحدث”.
كيف سيستفيد الفلسطينيون؟
تقول شايندلين: “سيكون من الخطأ استبعاد تأثير الأفكار المثالية على الشؤون الدولية تماماً”.
إذ تتأثر القوى الكبرى هي الأخرى بتلك الأفكار المثالية؛ فالتعاطف مع المسألة الكردية في الغرب يستند أساساً إلى معاناتهم التاريخية وحقهم في تقرير المصير.
كما أنَّ حصول إسرائيل ذاتها على الاعتراف الدولي السريع يعود بدرجةٍ كبيرة إلى شعورٍ بالعدالة التاريخية، حسب تقرير الصحيفة الإسرائيلية.
وتقول الباحثة الإسرائيلية إنَّ دعم إسرائيل الاستقلال الكردي شجاع، حسب تعبيرها، حتى ولو كان نابعاً من منطلق خدمة مصلحتها الذاتية.
لكنَّ المكاسب السريعة للأكراد قد تُعزِّز أيضاً سوابق التحرُّر الوطني. وحتى في ظل عالم واقعي بارد، قد تُشكِّل إحدى الأفكار التي آن أوانها تحدياً صعباً أمام سياساتٍ مثل الاحتلال العسكري الإسرائيلي الذي فَقَد الشرعية الدولية، حسب شايندلين.
وقد يتطلَّع الفلسطينيون إلى الأكراد من أجل الحصول على إلهام، يستند -على سبيل المثال- إلى بناء الأكراد دولة ناجحة ونظاماً سياسياً ديمقراطياً نسبياً (حتى وإن كان واهناً).
واختتمت مقالها قائلة: “حين يلاحظ بقية العالم أيضاً دعم إسرائيل حرية الأكراد الذين عانوا طويلاً، فإنَّهم سيطرحون بطبيعة الحال سؤالاً: ولماذا تعارضون الأمر ذاته مع فلسطين؟!”.