بعدما تجاوزت تصريحاته “الحدود”، وباتت تحضّ على التفرقة بشكل غير مسبوق، قرر لاعبو الاتحاد الوطني لكرة القدم تصعيد موجة احتجاجاتهم، في تحدّ للرئيس دونالد ترامب بعد هجومه على اللاعبين الذين ينحنون أثناء عزف النشيد الوطني.
وفتح ترامب نيران تصريحاته على لاعبي كرة القدم الأميركية، مندداً بمن رفض منهم الوقوف باعتدال خلال عزف النشيد الوطني، في إطار حركة الانحناء للاحتجاج على عدم المساواة الاجتماعية، والتي بدأت العام الماضي من قبل لاعب خط الوسط الأميركي كولين كابرنيك، ويقوم بها ذوو البشرة السمراء.
وقال ترامب في تجمُّعٍ نُظِّم مساء الجمعة 22 سبتمبر/أيلول 2017 دعماً لانتخاب السيناتور الجمهوري لوثر سترينج: “ألن تحبوا رؤية أحد هؤلاء المُلَّاك في الاتحاد الوطني لكرة القدم الأميركية وهو يقول: “أخرجوا ابن العاهرة هذا من الملعب حالاً. اخرج! إنَّه مطرود. إنَّه مطرود”، حينما يراه وهو يزدري عَلَمَنا؟”.
ويلقى ترامب عقب هذه التصريحات، انتقادات متزايدة، وصلت أمس الأحد 24 سبتمبر/أيلول 2017، إلى حدّ قيام نحو 25 لاعباً من فريقي جاكسونفيل جاغوارز وبالتيمور ريفينز في ملعب ويمبلي بلندن، بالانحناء، وفق ما ذكرت صحيفة الغارديان البريطانية، التي أشارت إلى أن أيَّاً من اللاعبين البيض لم يظهر منحنياً، لكنَّ “الكثير من اللاعبين، والمدربين، وحتى شهيد خان، مالك فريق جاكسونفيل جاغوارز، عقدوا بدلاً من ذلك أيديهم وهم واقفون، إظهاراً للوحدة مع زملائهم من ذوي البشرة السوداء في الفريق ضد ترامب”.
ومن لندن قال ستيف بيسشوتي مالك فريق بالتيمور ريفنز متحدثاً عن لاعبي فريقه ومدرِّبيه: “نحن نحترم إبداءهم الاعتراض ونساندهم بنسبة 100%”. وأصدر ستان كرونكي مالك فريق لوس أنجيليس رامز، وهو يملك حصةً أيضاً في فريق أرسنال الإنجليزي، بياناً أكَّد فيه إيمانه بحرية لاعبيه “في التعبير عن آرائهم بشكلٍ سلميّ”.
ولاحقاً، وفي ملعب ميتلايف ستاديوم في ولاية نيو جيرسي، ارتدى العديد من لاعبي فريق ميامي دولفينز قمصاناً سوداء دعماً لكايبرنيك قبل مواجهتهم مع فريق نيويورك جيتس.
وفي أثناء النشيد الوطني، عقد لاعبو فريق ميامي دولفينز أيديهم. وقرَّر بيتسبورغ ستيلرز أن يبقى في ممر الدخول إلى ملعب المباراة قبل انطلاق مباراتهم ضد فريق شيكاغو بيرز في ملعب شيكاغو سولدجر.
وقبل 13 شهراً انحنى كايبرنيك، الذي كان آنذاك لاعباً في صفوف فريق سان فرانسيسكو 49، في محاولةٍ لإثارة النقاش حول العِرق وقسوة الشرطة. وهو الآن دون فريق، لكنَّ لاعبين آخرين ينشطون ضمن فرقهم قد حذوا حذوه.
ففي عطلة نهاية هذا الأسبوع، امتد الاحتجاج ليصل إلى لعبة البيسبول؛ فقد انحنى بروس ماكسويل، ملتقط الكرات في فريق أوكلاند إيه، في أثناء عزف النشيد الوطني قبل انطلاق المباراة ضد فريق تكساس رينجرز.
وكرَّر الرئيس تحديه لمُلَّاك أندية الاتحاد الوطني لكرة القدم الأميركية وشجَّع الجماهير على التوقُّف عن حضور المباريات إلى أن يتَّخذ المُلَّاك إجراءً.
وكتب ترامب على تويتر: “إذا رفضت جماهير الاتحاد الوطني لكرة القدم الأميركية الذهاب للمباريات إلى أن يتوقَّف اللاعبون عن ازدراء عَلَمَنا وبلدنا، سترون تغييراً يحدث سريعاً. اطردوهم (هؤلاء اللاعبين) أو أوقفوهم”. وأضاف: “حضور مباريات الاتحاد الوطني لكرة القدم الأميركية ومُعدَّلاته في تراجع. نعم قد يكون السبب هو أنَّ المباريات مملة، لكنَّ الكثيرين يمتنعون عن الحضور لأنَّهم يحبون بلدنا. والاتحاد الوطني يجب أن يدعم الولايات المتحدة”.
لاحقاً، وفي لقاءٍ إعلامي قصير مُرتَجل في أثناء عودته إلى واشنطن قادماً من نادي الغولف خاصته في بدمينستر بولاية نيو جيرسي، سُئِل ترامب إذا ما كان يشعل توتُّراتٍ عرقية بانتقاده للاعبين المحتجين الذين هم كلهم تقريباً من ذوي البشرة السمراء.
فأجاب: “لا يتعلَّق ذلك بالعِرق. فلم أقل أي شيءٍ قط عن العِرق. وذلك لا يتعلَّق بالعِرق أو بأي شيءٍ آخر. إنَّه يتعلَّق باحترام بلدنا وعَلَمَنا”.
فنانون يشاركون بالاحتجاج
ولم يقتصر عرض الاحتجاج هذا على الفرق. فقد انحنى أيضاً موسيقيون يؤدون النشيد الوطني في مبارة فريقي أتلانتا فالكونز وديترويت ليونز بديترويت، ومبارة فريقي سياتل سي هاوكس وتينيسي تايتانز في مدينة ناشفيل، حيث ظلَّ الفريقان خارج الملعب في أثناء أداء النشيد الوطني.
وأثارت تعليقات ترامب ورجوعه عن دعوة فريق غولدن ستيت واريورز الحاصل على بطولة اتّحاد كرة السلة الوطني لزيارة البيت الأبيض يوم السبت، 23 سبتمبر/أيلول 2017 ردوداً قوية على نحوٍ غير مسبوق.
ولقّب ليبرون جيمس أسطورة كرة السلة الأميركية الرئيس بالـ”متشرِّد” بينما وصفه ليشون ماكوي مهاجم فريق كرة القدم بافلو بيلز بالـ”وغد”.
وعبَّر مفوّض اتحاد كرة القدم الأميركية روجر غوديل عن خيبة أمله تجاه تعليقات ترامب “المُشيعة للانقسامات” بينما كان روبرت كرافت مالك فريق نيو إنغلاند باتريوتس، وصديقٌ مقرَّب لترامب، بين مُلَّاك الفِرق ممّن انحازوا إلى صف فرقهم. وقال كرافت في بيانٍ إنَّه “خائب الأمل بشدة” تجاه تعليقات ترامب.
وقال كرافت: “لا شيءٌ يوحِّد هذه البلاد مثل الرياضة، وللأسف، لا شيء يشيع الفُرقة بين صفوفها مثل السياسة”.
وفي المقابل، التزم البيت الأبيض بخط الدفاع. وقال وزير الخزانة الأميركي ستيف منيوشن متحدثاً لشبكة أنباء “سي إن إن” إنَّ تعليقات ترامب جاءت رداً على “قَول اتحاد كرة القدم الأميركية إنَّ بيد الناس أن يقرروا ما يريدون فعله وأن يزدروا العلم الأميركي”.
وقال: “يعتقد الرئيس أنَّ هذا أمرٌ يمس احترام الجيش والعديد ممَّن خاطروا بحياتهم فيه وما تمثِّله البلاد.. للاعبين حق حرية التعبير خارج الملعب. لكن على أرض الملعب فإنَّها مسألة احترام بالنسبة لكثيرين”.
وقال مارك شورت، وهو مدير الشؤون التشريعية بالبيت الأبيض، متحدثاً لقناة فوكس نيوز يوم الأحد، 24 سبتمبر/أيلول، إنَّ اللاعبين “كان لهم الحق في الاحتجاج بموجب التعديل الدستوري الأول (الذي يكفُل حرية التعبير). لكن من حقّ ملّاك فرق دوري كرة القدم الأميركية أن يقيلوا هؤلاء اللاعبين”
وتطرَّق لاعب الوسط الشهير كيرت وارنر لتِلك القضية متحدثاً على قناة شبكة دوري كرة القدم الأميركية.
وقال: “إنَّ العلم الأميركي رمزٌ لقيم بلادنا العظيمة: أمة واحدة، في رعاية الله، لا تنقسم، والحرية والعدل للجميع. والنشيد الوطني: إنَّه يذكّرنا بهذا. ورئيس الولايات المتحدة مهمته أن يساند ويحارب من أجل ضمان حقوق كل شخص، كل أميركي. ولهذا عندما سمعت بهذه التعليقات، أصبت بخيبة أمل لأنّني أؤمن أنَّ تعليقات ترامب تناقض ما يمثّله العلم الأميركي كليةً”.
وأضاف وارنر: “هناك الآن روايةٌ تقول إنَّ هذه الاحتجاجات تخالف العلم الأميركي وتخالف الجيش الأميركي. لا أراها كذلك. بل إنّي أرى أنَّها تتسق مع قيم العلم، وقيم الجيش وما حاربوا من أجله”.
وأنهى وارنر حديثه قائلاً: “لم أسمع أنَّ لاعبٍ واحد منهم لم يكن ممتناً لأبعد الحدود لجيشنا. لا يتعلق الأمر بهذه المسألة على الإطلاق. بل إنَّهم يدافعون عن قيم العلم الأميركي”.