بعد عقود من الحرمان، رفعت الحكومة السعودية الحظر عن قيادة المرأة للسيارة داخل المملكة، معلنة بذلك عن مرحلة جديدة تدخلها البلاد في مجال الحريات العامة.
هذا القرار أعاد للذاكرة مجموعة من الحوادث التي ناضلت من خلالها المرأة السعودية لانتزاع حقها في قيادة السيارة، حيث تنفرد السعودية بكونها البلد الوحيد في العالم الذي تمنع فيه النساء من ممارسة هذا الحق، على الرغم من أن نظام المرور السعودي لا ينص صراحة على منع النساء من القيادة إلا أن تراخيص القيادة لا تصدر إلا للرجال.
الأزواج يدفعون الثمن
مطالبة السلطات بالسماح للمرأة بقيادة السيارة كانت مسرحية ذات فصول عديدة، ففي العام 1990 سارت 17 سيارة فيها 47 امرأة في حملة مناهضة لمنع قيادة المرأة للسيارة، لكن الأمر انتهى باعتقال النساء ومنعهن من السفر وفصلهن من وظائفهن، حسب تقرير لصحيفة وول ستريت جورنال الأميركية، وتم اعتقال أزواجهن أو آبائهن بتهمة “عجزهم عن السيطرة على نسائهم”.
وصمتت الأصوات طويلاً بعد هذا القمع الشديد، فلم تقم مبادرات مثل التي جرت في العام 1990.
ولكن في العام 2011 ومع موجات الربيع العربي، تعالت الأصوات من جديد مطالبةً بالسماح للمرأة السعودية، وأطلقت حملة تحت اسم “سأقود سيارتي بنفسي”، حدد لها يوم 17 يونيو/حزيران 2011 كيوم تقود فيه النساء السعوديات سياراتهن لقضاء حوائجهن.
اعتقال
وكان من بين المشاركات في الدعوة لهذه الحملة الناشطة منال الشريف التي صورتها الناشطة وجيهة الحويدر وهي تقود سيارتها في مدينة الخبر ونشر المقطع على يوتيوب يوم 20 مايو/أيار وشوهد أكثر من 600 ألف مرة، وفقاً لفرانس 24 .
وأوقف المرور منال يوم 22 مايو/أيار 2011 وهي تقود مع أخيها وزوجته وأطفاله واستدعيت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى الموقع وتم الإفراج عنها بعد ساعات، لكن أعيد اعتقالها في فجر اليوم التالي واتهمت بـ”إخلال النظام العام“، ودعت منظمات حقوقية دولية كمنظمة العفو الدولية لإطلاقها.
وأزيل الفيديو الذي وضعته على يوتيوب بعد اعتقال منال كذلك الصفحة التي أنشأتها على فيسبوك ودعت خلالها النساء لتحدي منع القيادة في يوم 17 يونيو/حزيران 2011 ، حسب تقرير لفرانس 24.
وقالت صديقتها التي صورتها أثناء القيادة أن السلطات اعتقلتها لتخويف النساء الأخريات من تقليدها.
وآنذاك دعت منظمة وهيومن رايتس ووتش إلى إطلاق سراحها، وأطلقت بكفالة وتعهد خطي بعدم التكرار، وفقاً لفرانس 24.
لكن الأمور لم تهدأ في هذا العام، ففي 26 مايو/أيار 2011، قررت وزارة الداخلية السعودية تحذيرها للنساء من القيادة.
وصرح نائب وزير الداخلية الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود آنذاك بأن المنع بالنسبة للوزارة لا يزال سارياً، مضيفاً أن “وزارة الداخلية مهمتها تطبيق النظام، وليس البحث في صحة أو خطأ مثل هذه المطالب”.
وفي 10 يونيو/حزيران 2017، ألقى المرور القبض على أربع نساء كن يتعلمن القيادة في شارع فرعي في الرياض وأطلق سراحهن بعد تعهد بعدم التكرار.
وفي 17 يونيو/حزيران من العام ذاته، ذكرت وسائل الإعلام أن عشرات النساء قدن سياراتهن، فانتشرت سيارات المرور في شوارع المدن الرئيسية، وتأكد إيقاف امرأة واحدة على الأقل في الرياض وغُرّمت لعدم حيازتها رخصة رغم حملها رخصة دولية وأخرى أميركية، وفقاً لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.
في 28 يونيو/حزيران 2017، ألقت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر القبض على 5 نساء وهن يقدن وفقاً لـ “نيويورك تايمز“، وفي 24 أغسطس/آب أوقف المرور امرأة وهي تقود لكن أطلق سراحها بعد ساعات دون تعهد، حسب صحيفة الوطن السعودية.
حملة سخرية بدلاً من القيادة
وفي العام 2013 ، ظهرت دعوات جديدة بقوة في المجتمع السعودي من ناشطات سعوديات لإطلاق حملة القيادة للنساء من جديد.
وهذه المرة تم تحديد موعد 26 أكتوبر/تشرين الأول 2013 لتنطلق به فعاليات الحملة، بناء على دعوة العديد من الناشطات السعوديات.
وبعد فشل الحملة بعد تحذيرات وقرارات نفذت من قبل وزارة الداخلية السعودية قبل الموعد المحدد في 26 أكتوبر/تشرين الأول، قرر بعض نشطاء تويتر إطلاق حملة سخرية باقتراح أن تقود المرأة في يوم غير موجود حتى لا يشكك بها حيث أطلق على الحملة اسم قيادة “31 نوفمبر/تشرين الثاني”، حسب ويكيبديا.
استغلال مجلس التعاون الخليجي
في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2014 ، قامت الناشطة لجين الهذلول باستغلال اتفاقية دول مجلس التعاون الخليجي بسريان رخص القيادة في جميع دول المجلس حيث قامت باستخراج رخصة قيادة من دولة الإمارات العربية المتحدة وهي سارية المفعول في المملكة العربية السعودية حسب الاتفاقية.
وبعد قيادتها لسيارتها الخاصة من الإمارات إلى السعودية تم إيقافها عبر الجمارك السعودية عند المنفذ الحدودي وبقيت 24 ساعة محتجزة في المنفذ الحدودي حيث رفضوا السماح بدخولها وهي تقود سيارتها، وفقاً لصحفية الديلي ميل البريطانية التي وصفت السيدة السعودية في عنوانها بالشجاعة.
وحضرت بعد ذلك المذيعة السعودية ميساء العمودي إلى مكان إيقاف لجين في المنفذ الحدودي وحضرت قوات الأمن إلى الموقع وتم اعتقال الفتاتين في ظل تكتم إعلامي محلي ودون وجود تفاصيل حول التهم الموجهة إليهما أو عن مكان اعتقالهما، وذلك وفقاً لفرانس 24.
لماذا ظهرت حملة نسائية معارضة للقيادة؟
في 2 ديسمبر/كانون الأول 2014 ، أطلقت مغردات حملة معارضة لقيادة المرأة للسيارات كرد على حملة المطالبة بالقيادة للمرأة.
ورأت المغردات أن أمر السماح بالقيادة يجب أن يصدر من ولاة الأمر ومن المجتمع السعودي وليس من خلال الأساليب التي تم استخدامها من قبل المطالبات بقيادة المرأة.
وكان شعار حملة هؤلاء النساء “نظام وليس إرغام”، وذلك بعد أن تم إيقاف إحدى النساء وهي تقود بمفردها محاولة دخول المملكة عند المنفذ الحدودي بين الإمارات والسعودية، حسب ويكيبديا.
وفي أبريل/نيسان 2017 ، قال رئيس لجنة الاقتصاد والطاقة بمجلس الشورى السعودي عبد الرحمن الراشد أنه مع تمكين المرأة من قيادة السيارة في حال وجود نظام واضح لذلك، فيما اعتبرت عضو المجلس الدكتورة أسماء الزهراني المطالبة بتمكين المرأة من القيادة “ترفاً”.
ماذا سيحدث لهؤلاء النساء الرائدات ؟
وبعد أن أصدر العاهل السعودي الملك سلمان قراراً يسمح للمرأة بقيادة السيارات بعد مطالبات متكررة فإن هيئة كبار العلماء في السعودية التي طالما عارضت هذا الأمر علقت قائلة إن السماح لقيادة المرأة للسيارة يعد من الأمور المباحة بحسب المرسوم الملكي.
والآن بعد قرار السلطات السعودية بالسماح للنساء بقيادة السيارات، هل سيتم رد الاعتبار للسيدات اللاتي ناضلن طويلاً من أجل نيل هذا الحق؟ أم سينسب الفضل فقط لصاحب القرار؟