خلال نوفمبر/تشرين الثاني، استقال رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري من منصبه وهو في السعودية، لكنه أقدم على سحب استقالته بعد عدة أيام. أشعل هذا المخاوف بشأن اندلاع حربٍ، بدعمٍ من السعودية، ضد حزب الله، حليف إيران في لبنان. ولدى الرياض أصولٌ عسكرية محلية قليلة لمواجهة الحركة الشيعية، لكنها قادرةٌ على خنق الاقتصاد اللبناني الصغير المفتوح، وفق ما ذكر تقرير لصحيفة واشنطن بوست الأميركية.
يعتمد لبنان بشكلٍ كبير على تدفقات رأس المال القادمة من دول الخليج. وانتهت الأزمة الحالية المتعلقة بالحريري كرئيسٍ للوزراء، لكن اعتماد الاقتصاد اللبناني على السعودية لا يزال مستمراً. وهناك خطورة إذا ما اضطرت البلاد إلى إرضاء المصالح السياسية السعودية لتجنب حدوث أزمة اقتصادية.
وشكلت ثلاث دول خليجية نحو 76% من إجمالي مشروعات الاستثمارات الأجنبية المباشرة الجديدة في الفترة من 2003 إلى 2005. وبلغ متوسط حجم التحويلات النقدية القادمة من الخارج إلى لبنان حوالي 20% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد سنوياً على مدار الـ10 سنوات الأخيرة – وتأتي 60% تقريباً من هذه التحويلات من دول الخليج. وتعد الكيفية التي أصبحت بها لبنان معتمدةً على هذه التدفقات المالية أداةً مهمة لفهم اعتماد البلاد على دول الخليج العربي وخاصةً السعودية.
أباطرة المال في دول الخليج وإعادة الإعمار
أثرَت الفقاعة النفطية في سبعينيات القرن الماضي المقاولين في دول الخليج، من بينهم رفيق الحريري (والد رئيس الوزراء اللبناني الحالي)، ونجيب ميقاتي، وعصام فارس. وعندما انتهت الحرب الأهلية اللبنانية في تسعينيات القرن الماضي، عاد هؤلاء المقاوِلون البرجوازيون إلى البلاد: وتولى أول اثنين منهم منصب رئيس الوزراء، بينما أصبح الأخير نائباً لرئيس الوزراء.
كان رفيق الحريري أنجحهم في السياسة – ليس لأنه الأثرى، بل لأنه لعب دور حليف السعودية محلياً في جهود الدبلوماسية خلال الحرب الأهلية أولاً، ثم كرئيسٍ للوزراء منذ عام 1992.
لم تُملِ الرياض شروطاً تتعلق بجهود إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، لكنها دعَّمت نفوذ الحريري ليفتح الباب أمام أقرانه من مستثمري الخليج. أعاد رجل الأعمال اللبناني بناء وسط مدينة بيروت كمشروع عقاري فاخر جاذباً تمويلات دول الخليج إلى لبنان. وعيّن الحريري اقتصاديين في البنك المركزي وربطت وزارة المالية العملة اللبنانية (الليرة) بالدولار الأميركي في عام 1999.
وكان الحفاظ على هذه الأسس الاقتصادية يتطلب إبقاء مستوى أسعار الفائدة مرتفعاًً، ما ساهم في تضخيم حجم الدين الحكومي. وتعد تدفقات رأس المال الخليجية عنصراً حاسماً لسداد هذه الديون.
ديون متفاقمة ومستثمرون أوفياء
بحلول عام 2016، قفز حجم الدين الحكومي اللبناني إلى 144% من الناتج المحلي الإجمالي، ليأتي في المرتبة الثالثة بعد اليابان واليونان. ويعتمد لبنان على استمرار تدفقات رأس المال الخارجية للحفاظ على الاقتصاد.
ويترنح النظام المالي اللبناني لأن الدين الحكومي ليس مملوكاً للمستثمرين الأجانب المتذبذبين بل للبنوك التجارية المحلية الأكثر تساهلاً مع الحكومة. وستنهار هذه البنوك إذا ما أعلنت الحكومة أنها عاجزة عن سداد ديونها، ما يعني أن البنوك وسيادة الدولة في مأزقٍ مشترك.
وتعيد البنوك تمويل الحكومة عن طريق سحب أموال الودائع، خاصةً المملوكة للعاملين في دول الخليج. وقد يؤدي أي انقطاع لهذه التدفقات المالية إلى دفع النظام المالي إلى حافة الهاوية.
ويشير تقديرٌ لصندوق النقد الدولي إلى أن 1% من إجمالي الحسابات المصرفية يمتلك حوالي 50% من إجمالي حجم الودائع المصرفية اللبنانية. وترتبط البنوك المحلية بالدوائر السياسية اللبنانية للغاية، من بينها “بنك ميد” المملوك للحريري. وتشكل البنوك اللبنانية والمودِعون “قاعدةً استثمارية وفية” تسعد بتحمل الأزمات.
السعودية تمنع انهياراً مالياً
لكن حتى أكثر المستثمرين ولاءً قد يتخلون عن لبنان إذا أصبح نظامها المالي غير مستقر. إن السعودية هي من تحافظ على استمرار لعبة الثقة، إذ توصلت ورقة بحثية لصندوق النقد الدولي إلى أن المستثمرين يعتقدون أن المانحين الدوليين يوفرون “ضمانات غير مباشرة” لدين الحكومة.
بدأ هذا الاعتقاد يتعزز بحلول عام 2002 عندما واجه النظام المالي اللبناني ضغوطاً مكثفة. في نوفمبر/تشرين الثاني 2002، عقد رفيق الحريري مؤتمراً للمانحين في باريس، حيث قادت السعودية دول الخليج لتوفير غالبية أموال المساعدات المتعهد بها.
أنقذت السعودية النظام المالي اللبناني – وأصبح المستثمرون ينظرون إلى الرياض لتطمئنهم بشأن استثماراتهم في الدين الحكومي اللبناني.
وجاء اغتيال رفيق الحريري عام 2005 كبدايةٍ لسلسلةٍ من الأزمات السياسية، التي هددت باضطراب النظام المالي اللبناني. لكن السعودية عادت لطمأنة المستثمرين القلقين.
خلال الحرب اللبنانية الإسرائيلية عام 2006، وضعت السعودية والكويت وديعةً قيمتها 1.5 مليار دولار في البنك المركزي ببيروت لدعم العملة المحلية للبلاد. وفي 2008 أعلنت السعودية أنها ستقدم للبنك المركزي وديعةً إضافية قيمتها مليار دولار.
وجاءت المساعدات السعودية مصحوبةً بدوافع سياسية، إذ قدمت المملكة دعمها لتحالفٍ من القوى اللبنانية المعارضة للنفوذ الإيراني والسوري. وسُمي هذا التحالف “14 آذار” وكان يقوده سعد الحريري. بلغ الدعم السعودي السياسي ذروته في الانتخابات البرلمانية لعام 2009، التي موَّلت خلالها المملكة المرشحين المعارضين لحزب الله بمئات آلاف الدولارات.
تنامي الشك حول استمرار الدعم السعودي
في 2011 سحب حزب الله دعمه لتشكيل حكومةٍ موحدة برئاسة الحريري ليجبروه على الاستقالة والذهاب إلى منفى اختياري في الرياض وباريس خوفاً من الاغتيال. وعندما بدأ نجم الحريري في الأفول تنامت الشكوك بشأن استمرار الدعم المالي السعودي.
وفي عام 2013 ناقشت دول الخليج فرض قيوداً على تأشيرات سفر العمال اللبنانيين. كانت هذه الاقتراحات بهدف منع أعضاء حزب الله من اختراق دول الخليج، لكنها هددت أيضاً بقطع التحويلات النقدية الخليجية، التي تُمثل شريان الحياة بالنسبة للاقتصاد اللبناني.
في الوقت ذاته، أدى انخفاض أسعار النفط إلى تقليص عدد عقود المشروعات الحكومية السعودية. وكانت شركة “سعودي أوجيه” للإنشاءات العملاقة، والمملوكة للحريري، إحدى ضحايا هذه الأزمة، إذ توقفت عن دفع رواتب عامليها في 2015.
لم تبشر نهاية العلاقات التجارية بين الأمراء السعوديين والحريري بمستقبلٍ جيد لعلاقاتهم السياسية – فقد كان الاثنان متشابكين للغاية على الدوام. وفي فبراير/شباط 2016، سحبت الحكومة السعودية حزمة المساعدات المالية البالغة 3 مليارات دولار، والتي تعهدت بمنحها للجيش اللبناني، بسبب فشل الحكومة اللبنانية في النأي بنفسها عن إيران. واضطر البنك المركزي إلى اللجوء إلى إجراءات “الهندسة المالية” المعقدة للحفاظ على تدفق أموال الودائع لتمويل الدين الحكومي.
كان السؤال المطروح خلال العام الماضي يتعلق بمدى قدرة الحريري على إحياء مستقبله السياسي والدعم السعودي الاقتصادي للبنان. في أكتوبر/تشرين الأول 2016، أيد الحريري المرشح المفضل لدى حزب الله لمنصب رئيس لبنان.
ويعني نظام تشارك السلطة في لبنان أن الحريري مضطرٌ لإجراء مواءمات سياسية مع حزب الله كي يصبح رئيساً للوزراء – لكن هذه التسوية تعارضت مع تصميم السعودية على مواجهة النفوذ الإيراني في المنطقة.
وتقول بعض التقارير إن الحريري اعتقد أن السعودية ستدعم مؤتمراً دولياً آخر للمانحين في باريس، أملاً بأن تسهم عودته إلى الحكومة في استعادة الدعم الاقتصادي السعودي العلني.
وتسبَّبت استقالة الحريري المهينة في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، وردود الأفعال التالية بين الجانبين، في استحضار شبح الهجوم الاقتصادي السعودي على لبنان في واقعةٍ تشبه الحظر المفروض على قطر.
وستؤدي القيود المفروضة على العاملين اللبنانيين في الخليج إلى خفض حجم التحويلات النقدية وانهيار العملة المحلية. ويبقى الاقتصاد هو أقوى أسلحة الرياض في أية مواجهةٍ مستقبلية، لكن أي هجومٍ على البنوك والمودعين سيلحق ضرراً قليلاً بحزب الله.
عاد الحريري إلى منصبه كرئيسٍ للوزراء ويحاول إصلاح الأمور مع حزب الله – لكن الصراع بين السعودية وإيران حول لبنان ما زال مستمراً.