شخصان يستعدان لخلافة بوتفليقة.. الصراع محتدم، فهل يُنقل الحكم بالجزائر على الطريقة الكوبية أم المصرية؟

مع تدهور صحة الرئيس الجزائري يوماً بعد يوم، تنامت العدوانية بين الأطراف التي تسعى لخلافته في حكم بلد المليون ونصف المليون شهيد، حسب تقرير لصحيفة Mondafrique الفرنسية.

في الواقع، تدهورت صحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي لا يكاد يغادر قصر زرالدة الرئاسي، الذي تحول إلى مركز للرعاية الصحية. وقد راجت عدة شائعات، خلال نهاية الأسبوع الماضي، مفادها أن الرئيس الجزائري قام برحلة ذهاب وإياب إلى عيادة في جنيف، حيث يداوم على العلاج بانتظام.

وقد أثار هذا الخبر وفق Mondafrique الفرنسية عدة تساؤلات حول قدرته على استقبال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في بداية الأسبوع القادم، ولو كان ذلك لبضع دقائق فقط.

بالنسبة للأطراف التي تتطلع إلى المرحلة الانتقالية في الجزائر العاصمة، يتمثل الأول في الشق الرئاسي بقيادة شقيق الرئيس، سعيد بوتفليقة، أما الثاني فهو رئيس أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح.

والجدير بالذكر أن هذين الطرفين اللذين عملا معاً على امتداد 3 سنوات لاستبعاد رئيس جهاز المخابرات الجنرال توفيق عن المنافسة، قد دخلا في حرب بلا هوادة.

أصبح من البديهي بروز مرشح غير معروف، أو بالأحرى لم يقع الإعلان عنه مسبقاً ليتصدر السلطة في الجزائر. ولعل ذلك ما وقع في عدة مناسبات سابقة، على غرار اختيار الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي سنة 1979 من قبل جبهة التحرير الوطني، التي كان يهيمن عليها الجيش. وهو ما حدث أيضاً مع الرئيس السابق محمد بوضياف عند تعيينه من قبل الهيئة العليا للدولة لرئاسة الجزائر سنة 1992.

إلى جانب ذلك، يستند الترشح لمنصب الرئاسة في الجزائر إلى الخيارات التي يتخذها الجيش الجزائري، والأجهزة الأمنية، ورجال الأعمال، الذين أصبحوا يتمتعون بنفوذ كبير -وهي طريقة تشبه ما جرى في مصر- إضافة إلى الشركاء الدوليين، ولا سيما الشركاء الغربيين. في المقابل، يتم استبعاد الشعب الجزائري من المشهد السياسي إلا فيما يخص التعبئة التي اعتبرت النخبة الحاكمة أنها انطلقت في وقت غير مناسب.

خلافة على الطريقة الكوبية

لم يعد يخفى على أحد أن وصي قصر المرادية، سعيد بوتفليقة، يسارع الخطى نحو خلافة أخيه. وهو ما تجلى عبر حضوره لدورات تدريبية حول وسائل الإعلام، وإحاطته من قبل فريق حملته الانتخابية. وحسب شهادة بعض المحيطين به “يبدو سعيد بوتفليقة متحمساً للمطالبة بخلافة أخيه، على طريقة راؤول كاسترو، الذي عين خلفاً لأخيه فيدل في كوبا، ولسنا متأكدين مما إذا كانت هذه الفكرة جيدة”.

أما فيما يخص تساؤل سعيد بوتفليقة عن مدى توازن القوى الموجود بين النخب الجزائرية، فإن الدعم الذي يقدمه له وزير النفط السابق شكيب خليل، له قيمة كبيرة. ولفترة طويلة، كان يعتبر ولي عهد عبدالعزيز بوتفليقة المفترض وصديقه المقرب، الذي قام بعدة خطوات جيدة في الولايات المتحدة، حيث نُفي هروباً من العدالة الإيطالية. وهو ما يضمن لصديقه سعيد دعماً كبيراً من قبل الأميركيين، الذين بدا سفيرهم الجديد في الجزائر نشطاً جداً. كما صار البعض يعلّق آمالاً كبيرة على “الطفل المدلل” لبوتفليقة، لدرجة أنه وقع اقتراح اسمه لمنصب رئيس الوزراء المقبل مكان أحمد أويحيى، في حالة تنحيه عقب زيارة إيمانويل ماكرون.

إلى جانب ذلك، يتمتع سعيد بوتفليقة أولاً وقبل كل شيء بدعم كبير من قبل قطاع الأعمال الذي عامله بسخاء خلال السنوات الأخيرة عن طريق رفع الضوابط التنظيمية عن اللجان، بطريقة لم يسبق لها مثيل. وقد تعاقبت السهرات التي كانت تنظم داخل الفيلات الفاخرة، التي يمتلكها أصدقاء سعيد في الجزائر العاصمة، على غرار الملياردير كريم كونيناف الذي يعيش في حي راق في حيدرة. كما تم الكشف عن تواجد سعيد بوتفليقة، في الأيام الأخيرة، في فيلا بمنطقة “جليسين”، الواقعة بالقرب من سفارة سويسرا.

صراع داخل القصر الرئاسي

يبدو الوضع السائد في جهاز الأمن الجزائري أكثر تعقيداً حسب Mondafrique. ولتتمكن من تغيير الجنرال توفيق الذي لا يمكن عزله، عيّنت الرئاسة بدلاً منه عثمان طرطاق رئيساً لجهاز المخابرات، الذي سيمر لدعم ترشيح سعيد بوتفليقة لخلافة رئيس الدولة. ولكن إلى أي مدى؟ وتحت أي ظروف؟

في الحقيقة، تعكس هذه الأسئلة مدى تعقيد مجريات الأمور التي تسبق هذه الخلافة المتسمة بالخطورة. ولكن مفتاح هذا الانتقال بيد الجيش، الذي يعتبر العمود الفقري الوحيد للنظام.

ما الذي يدعو للصمت؟

يعتبر الكثيرون نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الحالي، أحمد قايد صالح مشرفاً على مرحلة الانتقال. ومنذ تعيينه سنة 2013، واصل قايد صلاح توسيع مجال تدخله من خلال نشاط المديرية المركزية لأمن الجيش، التي تعتبر بمثابة جهاز مخابرات ثان.

وخلال هذه الأيام، تم الكشف عن قيامه بعدة جولات داخل البلاد. وهذا يحيل على أن القادة الستة للمناطق العسكرية، وهم الممثلون الحقيقيون للجيش الجزائري، يملكون إلى حد كبير مفاتيح التحول السياسي المقبل، ولا يكفي أن نقول إنه يراقب عن كثب مبادرات جهاز المخابرات السابق، حيث لا يعول سوى على الأصدقاء.

إن كبار ضباط الجيش وفق صحيفة Mondafrique الفرنسية هم وحدهم القادرون على ضمان الحفاظ على النظام العام إذا بدأ الشارع في الحراك بعد اختفاء الرئيس بوتفليقة في نهاية المطاف. كما يستطيعون، في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، الحفاظ على البلاد من الإرهاب، خاصة عن طريق ضمان أمن الحدود مع تونس وليبيا. ولكن هؤلاء الجنرالات مخلصون لزعيمهم الجنرال قايد صلاح، نتيجة شراكة طويلة.

والجدير بالذكر أن مساندة قادة المنطقة العسكرية اليوم هي شرط أساسي لأي رئيس مستقبلي للجزائر. في حال استبعاد أركان الجيش، وهو سيناريو يجب علينا أن نحلم به أحياناً في قصر زرالدة، فإن ذلك سيكون بمثابة انتحار بالنسبة للحكومة الجزائرية الهشة. ولا يمكن إلا للجيش أن يحيد التهديدات التي توجه إلى الجزائر على طول مئات الكيلومترات من الحدود المتاخمة للنيجر ومالي وموريتانيا، ويحميها من الجماعات الجهادية الأكثر حضوراً من أي وقت مضى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شخصان يستعدان لخلافة بوتفليقة.. الصراع محتدم، فهل يُنقل الحكم بالجزائر على الطريقة الكوبية أم المصرية؟

مع تدهور صحة الرئيس الجزائري يوماً بعد يوم، تنامت العدوانية بين الأطراف التي تسعى لخلافته في حكم بلد المليون ونصف المليون شهيد، حسب تقرير لصحيفة Mondafrique الفرنسية.

في الواقع، تدهورت صحة الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة، الذي لا يكاد يغادر قصر زرالدة الرئاسي، الذي تحول إلى مركز للرعاية الصحية. وقد راجت عدة شائعات، خلال نهاية الأسبوع الماضي، مفادها أن الرئيس الجزائري قام برحلة ذهاب وإياب إلى عيادة في جنيف، حيث يداوم على العلاج بانتظام.

وقد أثار هذا الخبر وفق Mondafrique الفرنسية عدة تساؤلات حول قدرته على استقبال الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في بداية الأسبوع القادم، ولو كان ذلك لبضع دقائق فقط.

بالنسبة للأطراف التي تتطلع إلى المرحلة الانتقالية في الجزائر العاصمة، يتمثل الأول في الشق الرئاسي بقيادة شقيق الرئيس، سعيد بوتفليقة، أما الثاني فهو رئيس أركان الجيش الجزائري، أحمد قايد صالح.

والجدير بالذكر أن هذين الطرفين اللذين عملا معاً على امتداد 3 سنوات لاستبعاد رئيس جهاز المخابرات الجنرال توفيق عن المنافسة، قد دخلا في حرب بلا هوادة.

أصبح من البديهي بروز مرشح غير معروف، أو بالأحرى لم يقع الإعلان عنه مسبقاً ليتصدر السلطة في الجزائر. ولعل ذلك ما وقع في عدة مناسبات سابقة، على غرار اختيار الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي سنة 1979 من قبل جبهة التحرير الوطني، التي كان يهيمن عليها الجيش. وهو ما حدث أيضاً مع الرئيس السابق محمد بوضياف عند تعيينه من قبل الهيئة العليا للدولة لرئاسة الجزائر سنة 1992.

إلى جانب ذلك، يستند الترشح لمنصب الرئاسة في الجزائر إلى الخيارات التي يتخذها الجيش الجزائري، والأجهزة الأمنية، ورجال الأعمال، الذين أصبحوا يتمتعون بنفوذ كبير -وهي طريقة تشبه ما جرى في مصر- إضافة إلى الشركاء الدوليين، ولا سيما الشركاء الغربيين. في المقابل، يتم استبعاد الشعب الجزائري من المشهد السياسي إلا فيما يخص التعبئة التي اعتبرت النخبة الحاكمة أنها انطلقت في وقت غير مناسب.

خلافة على الطريقة الكوبية

لم يعد يخفى على أحد أن وصي قصر المرادية، سعيد بوتفليقة، يسارع الخطى نحو خلافة أخيه. وهو ما تجلى عبر حضوره لدورات تدريبية حول وسائل الإعلام، وإحاطته من قبل فريق حملته الانتخابية. وحسب شهادة بعض المحيطين به “يبدو سعيد بوتفليقة متحمساً للمطالبة بخلافة أخيه، على طريقة راؤول كاسترو، الذي عين خلفاً لأخيه فيدل في كوبا، ولسنا متأكدين مما إذا كانت هذه الفكرة جيدة”.

أما فيما يخص تساؤل سعيد بوتفليقة عن مدى توازن القوى الموجود بين النخب الجزائرية، فإن الدعم الذي يقدمه له وزير النفط السابق شكيب خليل، له قيمة كبيرة. ولفترة طويلة، كان يعتبر ولي عهد عبدالعزيز بوتفليقة المفترض وصديقه المقرب، الذي قام بعدة خطوات جيدة في الولايات المتحدة، حيث نُفي هروباً من العدالة الإيطالية. وهو ما يضمن لصديقه سعيد دعماً كبيراً من قبل الأميركيين، الذين بدا سفيرهم الجديد في الجزائر نشطاً جداً. كما صار البعض يعلّق آمالاً كبيرة على “الطفل المدلل” لبوتفليقة، لدرجة أنه وقع اقتراح اسمه لمنصب رئيس الوزراء المقبل مكان أحمد أويحيى، في حالة تنحيه عقب زيارة إيمانويل ماكرون.

إلى جانب ذلك، يتمتع سعيد بوتفليقة أولاً وقبل كل شيء بدعم كبير من قبل قطاع الأعمال الذي عامله بسخاء خلال السنوات الأخيرة عن طريق رفع الضوابط التنظيمية عن اللجان، بطريقة لم يسبق لها مثيل. وقد تعاقبت السهرات التي كانت تنظم داخل الفيلات الفاخرة، التي يمتلكها أصدقاء سعيد في الجزائر العاصمة، على غرار الملياردير كريم كونيناف الذي يعيش في حي راق في حيدرة. كما تم الكشف عن تواجد سعيد بوتفليقة، في الأيام الأخيرة، في فيلا بمنطقة “جليسين”، الواقعة بالقرب من سفارة سويسرا.

صراع داخل القصر الرئاسي

يبدو الوضع السائد في جهاز الأمن الجزائري أكثر تعقيداً حسب Mondafrique. ولتتمكن من تغيير الجنرال توفيق الذي لا يمكن عزله، عيّنت الرئاسة بدلاً منه عثمان طرطاق رئيساً لجهاز المخابرات، الذي سيمر لدعم ترشيح سعيد بوتفليقة لخلافة رئيس الدولة. ولكن إلى أي مدى؟ وتحت أي ظروف؟

في الحقيقة، تعكس هذه الأسئلة مدى تعقيد مجريات الأمور التي تسبق هذه الخلافة المتسمة بالخطورة. ولكن مفتاح هذا الانتقال بيد الجيش، الذي يعتبر العمود الفقري الوحيد للنظام.

ما الذي يدعو للصمت؟

يعتبر الكثيرون نائب وزير الدفاع ورئيس الأركان الحالي، أحمد قايد صالح مشرفاً على مرحلة الانتقال. ومنذ تعيينه سنة 2013، واصل قايد صلاح توسيع مجال تدخله من خلال نشاط المديرية المركزية لأمن الجيش، التي تعتبر بمثابة جهاز مخابرات ثان.

وخلال هذه الأيام، تم الكشف عن قيامه بعدة جولات داخل البلاد. وهذا يحيل على أن القادة الستة للمناطق العسكرية، وهم الممثلون الحقيقيون للجيش الجزائري، يملكون إلى حد كبير مفاتيح التحول السياسي المقبل، ولا يكفي أن نقول إنه يراقب عن كثب مبادرات جهاز المخابرات السابق، حيث لا يعول سوى على الأصدقاء.

إن كبار ضباط الجيش وفق صحيفة Mondafrique الفرنسية هم وحدهم القادرون على ضمان الحفاظ على النظام العام إذا بدأ الشارع في الحراك بعد اختفاء الرئيس بوتفليقة في نهاية المطاف. كما يستطيعون، في هذه المرحلة الانتقالية الصعبة، الحفاظ على البلاد من الإرهاب، خاصة عن طريق ضمان أمن الحدود مع تونس وليبيا. ولكن هؤلاء الجنرالات مخلصون لزعيمهم الجنرال قايد صلاح، نتيجة شراكة طويلة.

والجدير بالذكر أن مساندة قادة المنطقة العسكرية اليوم هي شرط أساسي لأي رئيس مستقبلي للجزائر. في حال استبعاد أركان الجيش، وهو سيناريو يجب علينا أن نحلم به أحياناً في قصر زرالدة، فإن ذلك سيكون بمثابة انتحار بالنسبة للحكومة الجزائرية الهشة. ولا يمكن إلا للجيش أن يحيد التهديدات التي توجه إلى الجزائر على طول مئات الكيلومترات من الحدود المتاخمة للنيجر ومالي وموريتانيا، ويحميها من الجماعات الجهادية الأكثر حضوراً من أي وقت مضى.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top