في السادسة من صباح كل يوم تقف فاطمة خارج بوابات أكبر مخيم للاجئين السوريين بالأردن في انتظار حافلة تقلها هي و18 لاجئة سورية أخرى إلى المصنع الذي يعملن به والذي يبعد عن المخيم مسيرة ساعة واحدة بالحافلة.
إنه أول عمل تحظى به أم الأطفال الخمسة التي تبلغ من العمر 37 عاماً. أصيبت فاطمة بالبكم منذ ولادتها وتستخدم لغة إشارة مرتجلة لتوضيح أن زوجها كسول ويقضي أيامه في التدخين داخل منزلهما المؤقت بمخيم الزعتري للاجئين، الذي يستوعب 80 ألف لاجئ بالقرب من الحدود السورية.
وتنقل الحافلة النساء إلى أحد المصانع الحديثة في طليعة التجربة الاقتصادية الهامة في الأردن، والتي تسعى إلى توفير وظائف لأعداد هائلة من السوريين الوافدين إلى البلاد جراء الحرب الطاحنة عبر الحدود.
تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية عرض النتائج المتفاوتة النجاح للتجربة التي تستفيد منها فاطمة وسوريون آخرون ضمن مبادرة أوروبية لتشجيع اللاجئين على البقاء في دول جوار سوريا عبر اتخاذ سياسات لتشجيع المصانع على توفير فرص عمل لهم.
ففي مؤتمرٍ عُقِد العام الماضي 2016 في لندن، أبرم الأردن اتفاقاً مع المانحين الدوليين: ستصدر المملكة بموجبه عشرات الآلاف من تصاريح العمل للاجئين السوريين، مقابل مساعداتٍ من الاتحاد الأوروبي، والأكثر أهمية، وصول أسهل لأسواق الاتحاد.
واتفاقية الأردن هذه اتفاقية تجريبية للمعونة الدولية تحصل بموجبها الأردن على قروض وشروط تجارية تفضيلية مقابل فتح سوق العمل بها أمام نحو 1.3 مليون لاجئ سوري إليها خلال فترة الحرب في سوريا.
وتدعم المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي هذه الاتفاقية بقوة، حيث يعتبرها رجال السياسة وسيلة لإقناع السوريين اللاجئين بالبلدان المجاورة بالبقاء في المنطقة، حسب ما ذكر تقرير الغارديان.
وأشار التقرير في هذا الصدد إلى شركة جيراش لتصنيع الملابس والأزياء، والتي تضم 2800 عامل، والتي تخضع لإدارة أوريانا عوايشه، التي هجرت مجال التدريس للعمل في التجارة، وهي من بين الرواد الذين يحاولون الاستفادة من الاتفاقية.
ويذكر التقرير أن عوايشه شرعت في توظيف اللاجئين بمجرد أن علمت أن ذلك سيمنح مصنعها فرصة للوصول إلى الأسواق الأوروبية دون مواجهة عقبات التعريفة المعتادة. ومع ذلك، يسري ذلك الاتفاق على الشركات والأعمال التي يمكن أن تفي بشروط تشغيل 15% من العمالة الموجودة لديها من السوريين.
وقالت عوايشة: “من أين سأحصل على 500 سوري؟ إنهم لا يقبلون العمل هنا”. في البداية، وجدت عوايشه أنه من المستحيل توظيف أي لاجئين من ذوي المهارات المناسبة للعمل في المصنع.
وقد عُهد إلى وكالة الأمم المتحدة للاجئين بمهمة توعية اللاجئين السوريين بالمخيمات بأهمية العمل. ومع ذلك، لم تشهد دينا الخياط، نائبة رئيس الاتحاد الأردني لمصدري الملابس والنسيج، سوى القليل من الحماس للعمل بين البعض في بداية الأمر.
فقد تقدم عدد قليل من السوريين ولم يكن من بينهم من يرغب في العمل في المصانع. وفي النهاية لم يتم توظيف أي سوري.
وقالت الخياط: “لم تكن قصة ناجحة”. فقد كان من الصعب إقناع السوريين بالعمل في المصانع، حيث كانوا يحققون دخلاً أفضل من خلال العمل في قطاعات أخرى مثل قطاعات البناء والمطاعم، التي تتطلب التزاماً أقل.
ويستوعب قطاع الملابس الكثير من العاملات. ومع ذلك، فقد جاء الكثير من اللاجئين في الأردن – وخاصة مخيم الزعتري – من محافظة درعا السورية الجنوبية، وهي منطقة زراعية متحفظة اجتماعياً لا يعمل بها معظم النساء خارج نطاق المنزل.
ويوجد في سوريا قطاع متخصص في صناعة الملابس ولكنه يتركز في مدينة حلب الشمالية؛ وقد توجه معظم اللاجئين من هذه المنطقة إلى تركيا، بدلاً من الأردن.
ولم تيأس عوايشه. ففي يونيو/حزيران 2017، أدت القوانين الجديدة إلى توفير فرص أفضل. فقد علمت من خلال منظمة العمل الدولية أنه يمكن أن يصبح المصنع مؤهلاً للتصدير إلى الاتحاد الأوروبي دون فرض أي تعريفة بمجرد الوفاء بحصة العمالة السورية ضمن خط إنتاج واحد، بدلا من كافة خطوط الإنتاج بالمصنع. وفي ذات الوقت، سمحت القوانين الجديدة للسوريين ممن يقطنون المخيمات، من أمثال فاطمة، بالذهاب إلى العمل.
قضت عوايشه شهرين في زيارة مخيم الزعتري ومقابلة النساء وحضور معارض التوظيف. ودعت اللاجئين لزيارة المصنع وأقامت مركزاً للرعاية اليومية ووفرت وسائل الانتقال.
وبحلول شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2017، أصبح لديها خط إنتاج كامل يعمل به 85 امرأة، من بينهم 19 من مخيم الزعتري، وبات المصنع مؤهلاً للتصدير إلى أوروبا.
ولا تنتقل العاملات مثل فاطمة إلى المصنع دون مقابل، بل تبلغ تكلفة انتقال العاملة الواحدة 210 دولارا شهرياً؛ ومع ذلك، قالت عوايشه إن الأمر يستحق مقابل الفرصة التي حظي بها المصنع بشأن تصدير منتجاته إلى الأسواق الأوروبية.
وقالت: “كانت بمثابة مهمة مستحيلة. كان الأمر صعب ولكننا نجحنا بفضل الله”. ومع ذلك، لا يزال أمامها تحدي أكبر، يتمثل في العثور على مشترين لمنتجات مصنعها بالاتحاد الأوروبي.
الأجور
تقول الغارديان : ولا زلنا لا نعلم ما إذا كان نجاح عوايشه يمكن تطبيقه على نطاق أوسع. ويعيش أكثر من 80% من اللاجئين السوريين والبالغ عددهم 1.3 مليون نسمة في المدن وليس المخيمات؛ ولا تفي الوظائف ذات الأجور الدنيا بقطاع الملابس باحتياجات اللاجئين المقيمين بالمدن في سداد فواتيرهم.
وقد تم إغفال هذه التفاصيل إلى حد كبير من قبل موقعي اتفاقية الأردن التي تم إبرامها في فبراير/شباط 2016.
وتضمنت شروط الاتفاقية منحة قدرها 1.7 مليار دولار على مدار ثلاث سنوات لدعم مشروعات البنية التحتية، وإعفاء المنتجين في الأردن الذين يستوفون حصة توظيف اللاجئين السوريين من التعريفة الجمركية للاتحاد الأوروبي لمدة 10 سنوات، والتزام حكومة الأردن بتوفير 200 ألف فرصة عمل للسوريين.
وقد صدر حتى وقتنا هذا 77 ألف تصريح عمل، لا يزال 39 ألف تصريح من بينها ساريا. وتتوقع سوزان رزاز، الخبيرة الاقتصادية بالبنك الدولي وخبيرة سوق العمل بالأردن، أن يكون عام 2018 قاسياً فيما يتعلق بتحقيق تلك الأهداف.
وقالت رزاز إن التحدي الحقيقي يكمن في اجتذاب استثمارات جديدة، حيث “أن حقيقة الأمر تتمثل في عدم توافر أي وظائف جديدة”.
ألكسندر بيتس، الأستاذ الأكاديمي والرئيس السابق لمركز دراسات اللاجئين بجامعة أكسفورد، والذي كانت أبحاثه حول التكامل الاقتصادي للاجئين في أوغندا ومناصرته لاتفاقية الأردن ذات تأثير كبير، أقر بأن اتفاقية الأردن تحظى بسجل مختلط من الناحية العملية.
وقال بيتس: “اعتقد أن الإنجازات التي تحققت بالأردن إيجابية، رغم أنها لم تحقق أهدافها الأولية بعد. واعتقد أنه مشروع تجريبي سوف نستخلص منه العديد من الدروس المستفادة حول كيفية المشاركة في العمل وتوفير الوظائف للاجئين وسوف يؤثر على صناعة السياسات في العالم”.
وقد تركز معظم الاهتمام بالاتفاقية على خلق فرص العمل في المناطق الاقتصادية الخاصة مثل الدليل، شمالي العاصمة الأردنية عمان.
أفغانستان نموذجا
ويرى صانعو السياسة الدولية أن أماكن مثل الدليل تبدو بمثابة انتصارات سريعة: فالمناطق الصناعية غير المستغلة المجاورة لمخيمات اللاجئين تكتظ بالعمالة الزائدة.
وكان كازي بيرفيز أحد هؤلاء الذين تبنوا هذا التوجه الجديد. فقد نشأ في الأقاليم الحدودية لباكستان وتقارب مع اللاجئين بعد أن صادق الأفغان الذين وصلوا إلى قريته فارين من الاتحاد السوفيتي. ويذكر أنه رأى أشخاصاً يعيشون في خيام بعد أن كانوا يشغلون وظائف كبرى في مجالات الصناعة والحكومة.
وقال “أعرف لاجئين. ومن الصعب عليهم للغاية أن يعيشوا في المخيمات”. وحينما كان بيرفيز يعمل مديراً للموارد البشرية في مصنع ملابس أباريل كونسيبتس بالدليل، شارك في مشروع تجريبي لتشغيل ألفي شخص سوري في المصانع.
وكانت جومانا، من مدينة الغوطة المجاورة لدمشق والتي تبلغ من العمر 28 عاماً، واحدة من بين مجموعة من السوريات اللاتي عملن بمصانع الملابس. وصلت جومانا إلى الأردن مع أسرتها عام 2014 ولم يكن لديهم سوى 60 دولاراً. واستقرت الأسرة بالريف، حيث لم يكن لديهم أقارب أو أصدقاء بمدن الأردن.
حاولت جومانا العمل بأحد المزارع ولكنها واجهت متاعب في الحصول على أجرها. وكانت تعيش بالقرب من الدليل حينما علمت من خلال أحد إعلانات صفحة فيسبوك الخاصة بمفوضية الأمم المتحدة للاجئين بالسماح للسوريين بالعمل في المصانع.
وحينما تحرت الأمر، قام بيرفيو بتوظيفها على الفور. وتعمل جومانا حالياً في مجال صناعة الملابس. وبعد انقضاء شهر، قامت بجلب اثنين من بنات أعمامها للعمل معها، ولكن أشقائها رفضوا الانضمام إليها لأنهم يحققون أموالاً أكثر من خلال العمل الحرفي.
وقالت جومانا: “العمل رائع. ويعاملوننا بلطف ولم يأخذوا ديناراً واحداً من راتبي”.
وقد توسعت دائرة التوظيف منذ ذلك الحين لتشمل نحو 140 ألف لاجئ سوري يعيشون بالمخيمات. وقد أقام مخيم الزعتري، أكبر مخيمات اللاجئين بالأردن، معرض التوظيف الأول في أكتوبر/تشرين الأول 2017. وحضر بيرفيز هذا المعرض آملاً أن يجد المزيد من الفتيات السوريات مثل جومانا، ولكنه رحل في خيبة أمل وقال “لم أحد امرأة واحدة”.
وبعد انقضاء عام من توقيع اتفاقية التجارة مع الاتحاد الأوروبي، رحب بيرفيز بعدد من الوفود الأوروبية والمنظمات الأجنبية غير الحكومية بما يتجاوز عدد اللاجئين أنفسهم. ورغم الجهود التي يبذلها، إلا أنه يستعين حالياً بأربع عاملات سوريات فقط. ومع ذلك، يظل بيرفيز متفائلاً ويقول “إننا نسير على الطريق السليم، ولكننا نحتاج فقط إلى فتح الباب”.