الحرب المقبلة في غزة.. التصعيد بين الفصائل وإسرائيل بدأ من شرارة القدس لكنه لا يتحول إلى حريق

ما يحدث في قطاع غزة خلال الأيام السابقة يشبه بوادر الحروب السابقة، هكذا وصفت صحف إسرائيلية مناوشات وغارات وإطلاق صواريخ بين القطاع وإسرائيل في الأيام الأخيرة. وجاءت العبارة الأخيرة في بيان كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس في العاشر من الشهر الحالي، تعليقاً على التصعيد قبل الأخير في غزة قاطعة: على العدو أن يتحسس موضع رأسه، وأن يعلم أنه سيدفع ثمن كسر قواعد الاشتباك مع المقاومة في غزة.

هذه الجملة فهمتها جيداً أجهزة الاستخبارات العسكرية داخل إسرائيل. كان البيان قبل يوم من تهديد القسام بصاروخ من نوع c5 لمستوطنة أسديروت المحاذية لقطاع غزة. وقالت إسرائيل إنه أطلق من طائرة دون طيار فلسطينية، واصفاً الحدث بالخطير والاستثنائي، ثم كثفت إسرائيل ضرباتها على غزة لخلق معادلة جديدة، أي صاروخ سيُرد عليه بالقوة.

وتتخوف إسرائيل من حدوث سيناريو “الدرونز الفلسطيني المقاتل” لقصف طائرات دون طيار فلسطينية أهدافاً ومواقع عسكرية إسرائيلية في أي مواجهة قادمة مع غزة أو في الضفة، لذلك كان التصعيد الإسرائيلي الأخير مختلفاً هذه المرة، فقد ظهرت طائرات الأباتشي للمرة الأولى منذ 2010 في بحر غزة لتقصف 10 مواقع عسكرية تابعة لحماس بصورة أقرب لرد الفعل منها للتصعيد، فالأباتشي تعتبر صيداً سهلاً لمقاتلي غزة في ظل وجود منظومة صواريخ سام 7 التي تملكها جميع الفصائل في غزة.

إذاً هل تستعد غزة لمواجهة جديدة بين الأباتشي والدرونز؟ في محاولةٍ للإجابة نجد أن:

الإجابة الأولى: تصعيد إسرائيلي محدود بعد مكالمة سليماني

مساء الإثنين 11 ديسمبر/كانون الأول بثت سرايا القدس، الجناح المسلّح لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، بياناً صحفياً غير مألوف، عن اتصال قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني اللواء قاسم سليماني بقادة من سرايا القدس في غزة، وكذلك بقادة من كتائب القسام.

ونقل بيان الجهاد الإسلامي عن سليماني تأكيده “دعم إيران الكامل والشامل للمقاومة الفلسطينية”. هكذا شاء الطرفان أن يكون مثل هذا الاتصال، الذي يتوقعه الجميع سرياً، على رؤوس الأشهاد لتوصيل أكثر من رسالة.

القيادي في حركة الجهاد الإسلامي أحمد المدلل اعتبر اتصال سليماني رمزياً وسياسياً أكثر منه ميدانياً على أرض الواقع، وهذا يأتي في إطار عودة العلاقات الجيدة بين إيران والفصائل الفلسطينية.

وقال الكاتب والمحلل السياسي إبراهيم المدهون لـ”عربي بوست” إن “دخول الأباتشي رسالة بأن إسرائيل ترد بطريقة محدودة جداً تمنع التصعيد بشكل كبير عبر إصابات دقيقة ومحددة”.

الإجابة الثانية: الفصائل لا تريد التصعيد لكننا جاهزون

قال أحمد المدلل لـ”عربي بوست” إن “الفصائل الفلسطينية هي من تقرر شكل ووقت التصعيد وليس أي طرف خارجي، لا يمكن السكوت على القصف الإسرائيلي المستمر على غزة، وإن أرادت إسرائيل التصعيد فنحن جاهزون”.

ويضيف المدهون أن “اتصال سليماني له أبعاد إيرانية أكثر منها فلسطينية، فإيران تريد تعزيز ارتباطها مع الفصائل وتواجدها في الساحة الفلسطينية، وهي رسالة للمناوئين لإيران بأنها لا تلعب فقط في الحروب الطائفية، ولكن هناك جهد إيراني يصب في دعم القضية الفلسطينية، وأعتقد أنه لا يمكن أن تدعم إيران الفصائل بشكل أكبر من ذلك، وأستبعد أي تدخل من حزب الله في الجبهة الشمالية دعماً للجبهة الجنوبية، فهو لا يريد الدخول في حرب مفتوحة في ظل الهجمة عليه واعتباره منظمة إرهابية”.

الإجابة الثالثة: مصر تخشى الفراغ الأمني في القطاع

يرى المدهون أن “المصريين يريدون الهدوء في ساحة غزة خوفاً من تدهور الأوضاع نحو حالة من الفراغ الأمني والسياسي، ما يزيد المشهد الأمني تعقيداً في سيناء، لذلك كان الضغط المصري أكبر على فتح لتنفيذ اتفاق المصالحة بأسرع وقت، وعلى الجهاد الإسلامي بعدم التصعيد نحو الحرب”.

وكانت حركة الجهاد الإسلامي قد تلقت ضربة موجعة بعد قصف إسرائيل نفقاً استشهد فيه عدد من قيادات ومقاتلي الحركة، لكن الضغوطات المصرية لتطويق التصعيد منعت الجهاد الإسلامي من الرد بشكل قوي، ما أحرجها أمام جمهورها ومؤيديها من ناحية وأمام مطالب الغزيين بالهدوء من ناحية ثانية.

الإجابة الرابعة: إسرائيل تؤجل المواجهة المقبلة

تتخوف إسرائيل من التصعيد في غزة في ظل الهبة الشعبية العربية المحتملة رداً على قرار أميركا بشأن القدس، حتى لا تمتد شرارة التصعيد للضفة الغربية والقدس، لذلك تبقى ردودها على إطلاق الصواريخ خفيفة حتى تذوب حالة الغليان العربي الحاصلة جراء قرار ترامب الأخير، وبالرغم من ذلك ترسل تهديداتها بين الفينة والأخرى لضمان الهدوء على جبهة غزة.

فقد ذكرت صحيفة إسرائيل هيوم تحت عنوان “حماس تلعب بالنار” أن “ما يحدث في قطاع غزة خلال الأيام السابقة يشبه بوادر الحروب السابقة، تصعيد بطيء يجبر الأطراف على الاستعداد، وفي نهاية المطاف تنشب حرب تلقائية”.

وكتب المحلل العسكري الإسرائيلي أمير بوخبوط في موقع “والا” أن هناك تقديرات في المنظومة الأمنية الإسرائيلية تشير إلى أن حماس تزيد من استعدادها للمواجهة العسكرية القادمة مع إسرائيل.

الإجابة الخامسة: الجهاد يفضل “تنقيط الصواريخ”

يرى الكاتب والمحلل السياسي عماد أبوالرووس أن الجهاد الإسلامي “بدا متعقلاً في عدم الرد على إسرائيل. واستخدم مع حماس آلية تنقيط الصواريخ على مستوطنات غلاف غزة من خلال الفصائل الصغيرة، لفرض حالة من عدم الاستقرار في المحيط”

ويضيف أبوالرووس لـ”عربي بوست”: “إن الجهاد الإسلامي صعّد من لهجته السياسية في لقاء المصالحة الأخير بالقاهرة، بعد مماطلة فتح برفع العقوبات التي فرضها الرئيس عباس على غزة، وكذلك من لهجته العسكرية عبر عملية ضرب جيب عسكري على الحدود الشرقية لقطاع غزة بصاروخ كورنيت مضاد للدروع”.

الإجابة السادسة: المقاومة لا تريد التغطية على احتجاجات القدس

وبالعودة للمدهون فقد قال حول سيناريو التصعيد المحتمل “المقاومة الفلسطينية تريد الخروج من معادلة الهدوء التام أو المواجهة الشاملة، ورسالة المقاومة للاحتلال لم يعد هناك ما يمكن ضبطه، ولذلك جاء تنقيط الصواريخ بهذا الشكل الذي تستطيع حماس ضبطه، وردود إسرائيل على الصواريخ محسوب جداً، ولا يريد الدخول في حرب في ظل موجة الاحتجاجات على قرار نقل السفارة”.

وأكدت القناة الثانية العبرية ما قاله المدهون، حيث كانت التخوفات الإسرائيلية من أن يفهم الرد على الصواريخ في إطار التصعيد الشامل.

وفي إطار مشابه قال الخبير في الشأن الإسرائيلي عدنان أبو عامر لـ”عربي بوست”: “سيتكرر مشهد الليالي الأخيرة على غزة من الفعل ورد الفعل، لكن صبر الفصائل لن يطول على قضية كشف وتدمير الأنفاق وقضية القدس المتفجرة”.

الإجابة الأخيرة: الحرب ليست نزهة لأي طرف

وفي استفسار مراسل “عربي بوست” عن إمكانية دخول الفصائل في حرب مفتوحة مع إسرائيل، قال أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة الإسلامية هاني البسوس: “الحرب ليست نزهة، وليست قراراً سهلاً، والإقليم العربي لا يخدم المقاومة في حال نشبت حرب، لذلك سيظل الهدوء سيد الموقف”.

ولعل أكثر ما يخيف الناس في غزة الحرب بشكلها السابق، لذلك تسعى الفصائل إلى تعزيز المظاهرات الشعبية الحدودية كبديل عن الحرب حتى يتغير الإقليم.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top