من يشتري الكهرباء من مصر؟ مشروع الضبعة النووي ينطلق قريباً مثيراً كل هذه الأسئلة.. وهنا محاولات للإجابة

تم التوقيع فبدأت الأسئلة وربما القلق، فقد غادر حلم إنشاء محطة الضبعة النووية في مصر محطة الحلم، منطلقاً إلى أرض الواقع.

فور إعلان الجانبين المصري والروسي توقيع اتفاقية إنشاء المحطات النووية الأربع بمنطقة الضبعة لإنتاج الطاقة الكهربائية، بدأ الرأى العام في البحث عن إجابات للعديد من الأسئة المثارة حول المشروع، ومدى أهميته والجدوى الاقتصادية منه، وكيف ستسدد مصر القرض الروسى المقدر بـ25 مليار دولار والذى يوفر 85% من تكلفة بناء المفاعلات.

وكذلك تساؤلات عن تفسير عدم قيام الرئيس المصري والروسي بتوقيع العقد ومدى قانونية ذلك، ولماذا يقوم الجانب الروسي بإنشاء محطات تخزين للوقود المستنفد بجوار المحطات المصرية…

تلك الأسئلة يجيب عنها التقرير التالي.

هل ما تم توقيعه خلال زيارة بوتين للقاهرة هو العقود النهائية “4 عقود” لإنشاء المحطات؟

“ما تم توقيعه الأسبوع الماضي في أثناء زيارة الساعات الخاطفة لبوتين، هو تأكيد رسمي للعقود الموقعة بالأحرف الأولى مع الجانب الروسي، ممثلاً في شركة روس أتوم الروسية الحكومية المسؤولة عن تنفيذ محطة الضبعة النووية. وكانت بداية توقيع التفاهمات بين مصر وموسكو حول المشروع في 2015”.

هذا ما قاله الدكتور أيمن حمزة، المتحدث باسم وزارة الكهرباء المصرية، الذي أكد أن توقيع وزير الكهرباء، الدكتور محمد شاكر، على وثيقة إشارة البدء بتنفيذ المشروع النووي، إيذان بانتقال العقود من التوقيع بالأحرف الأولى لسريانها رسمياً.

وذكر المتحدث باسم وزارة الكهرباء أنه قبل التوقيع الرسمي على العقود، تمت مراجعة العقود الأربعة الخاصة بالمشروع من الناحية الفنية والقانونية منذ عدة أشهر، وهي العقود المتمثلة في عقد الإنشاء والتصميم، والعقد الثاني الخاص بالوقود، والعقد الثالث الخاص بالوقود بعد استخدامه وكيفية تخزينه، والعقد الرابع والأخير الذي تضمن التشغيل والصيانة، ويخص الدعم الفني للتشغيل والصيانة.

لماذا لم يوقع الرئيسان؟ وهل يؤثر ذلك على قانونية العقد؟

يقول الدكتور أيمن حمزة إن ترتيب هذا الأمر يخص رئاسة الجمهورية، وليس لدى الوزارة دور أو علم بتلك الترتيبات، ولكن هذا الأمر لا يؤثر على قانونية العقود المبرمة.

فيما يقول المستشار محمد نور الدين أستاذ القانون الدستوري: “إذا كان التوقيع مع الدولة الروسية أو إحدى الشركات التابعة للحكومة الروسية، أي قطاع حكومي، فإن صاحب الاختصاص الرسمي في التوقيع رئيس الجمهورية، أو وزير الخارجية، أو رئيس مجلس الوزراء، ولكن القانون الدولي أعطى الحق لأي شخص ترسله الدولة للتوقيع على المعاهدة الدولية بشرط وجود أوراق تفويض توضح ذلك، عكس التوقيع الذي يتم من الأشخاص”.

ويكمل نور الدين في تصريحاته لـ”هاف بوست عربى”، أنه في تلك الحالة، فإن التوقيع كان مع شركة روسية مملوكة للحكومة الروسية، والعقد هنا يعد معاهدة دولية، وحضور الرئيس السيسي إجراءات التوقيع يؤكد أن توقيع وزير الكهرباء كان بتفويض من الرئيس، وهو ما يؤكد صحة تلك العقود وفقاً للقانون الدولى.

متى يبدأ تنفيذ العقود؟ وما هي آليات العمل بالمشروع؟

المتحدث باسم وزارة الكهرباء أكد أن العقود سارية منذ توقيت التوقيع عليها في 11 ديسمبر/كانون الأول 2017، ومن المنتظر أن يتم الانتهاء من المعاينات والدراسات والرسومات الفنية خلال 6 أشهر.

ووفقاً لحمزة، فإنه من المتوقع أن تبدأ مرحلة الإنشاءات على الأرض منتصف العام المقبل، ووفقاً لما نصت عليه العقود، فإنه من المقرر إنهاء أولى المحطات الأربع في 2026، وبعد ذلك بـ6 أشهر تتسلم مصر المحطة الثانية، ثم بعد عام تنتهي المحطة الثالثة، والمحطة الرابعة والأخيرة تتسلمها مصر بعد 6 أشهر من تسلم المحطة الثالثة، ما يعني تسليمها مع نهاية 2028.

ما حقيقة تكاليف المفاعل النووي على مصر؟

الدكتور إبراهيم العسيري رئيس قسم الهندسة النووية بالجامعة المصرية الروسية بالقاهرة، وكبير مفتشى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق، يقول إن تكلفة بناء المحطة الواحدة 8 مليار دولار وفقا لما هو متفق عليه مع الشركة الروسية، وبذلك يصل إجمالى تكاليف المحطات الأربعة إلى 28 مليار دولار.

وأوضح العسيرى “، أن هذه التكلفة ليست الأرخص فى العالم، وفقد وقعت الامارات على سبيل المثال منذ فترة قريبة على إنشاء محطة طاقة نووية مع شركة كورية بالمواصفات نفسها التي وقعت عليها مصر بتكلفة 5 مليار دولار، ولكن هناك معايير أخرى تغير في قيمة التعاقد مثل طريقة الدفع والتمويل والسداد وأبعاد سياسية.

ما هو مستوى التكنولوجيا النووية للمحطة؟

“محطة الطاقة النووية بمدينة الضبعة من مفاعلات الجيل الثالث بلس، وهي الأحدث في تكنولوجيا صناعة الطاقة النووية بالعالم. وحسب التصميم الحديث في الجيل الثالث والثالث بلس، يتم تصميم المفاعلات بنظام الوعاء الحاوي”، هكذا قال رئيس قسم الهندسة النووية بالجامعة المصرية-الروسية، وكبير مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية الأسبق.

هل تأخر التوقيع على العقود عامين؟ وهل هناك علاقة بين هذا التأخر وإنشاء قاعدة محمد نجيب العسكرية؟

يقول مصدر بمجلس الوزراء، رفض ذكر اسمه في تصريحاته لـ”عربي بوست”؛ لكونه غير مخول له الحديث لوسائل الإعلام، إن هناك العديد من الإجراءات والخطوات التي تتم للانتهاء من التوقيع النهائي لعقود إنشاء محطات طاقة نووية، منها ما هو معلن وواضح مثل التفاوض حول طرق التمويل والسداد وبنود العقود ومراجعتها من قِبل كل دولة، وكذلك إجراءات تعديلات تشريعية داخل مصر.

ووفقاً لمصدر مجلس الوزراء، فإن هناك إشكاليات تمت معالجتها دون ربطها بملف الطاقة بشكل مباشر، وعلى رأسها بالطبع طرق تأمين المفاعل النووى، وعلى رأس تلك الخطوات بالتأكيد إنشاء قاعدة محمد نجيب العسكرية لتكون الدرع الواقية للمنشأة النووية.

هل تبيع مصر الفائض في الطاقة الكهربائية النووية؟

يقول الدكتور أيمن حمزة المتحدث باسم وزراء الكهرباء المصرية، إنه في البداية حالياً لا يوجد أي عجز لتوفير الطاقة الكهربائية للسوق المحلية بجميع أشكالها، سواء المنازل أو الصناعة أو غيرها من الاستخدامات؛ بل هناك الآن احتياطي جيد، وهناك قدرات تدخل تدريجياً عبر مشاريع محطات لإنتاج الكهرباء، مثل مشاريع شركة سيمنس، ومن المتوقع دخول 14400 ميغاوات لشبكة الكهرباء المصرية خلال العام المقبل.

ويكمل حمزة أنه بالفعل يتم العمل ضمن خطة لتحويل مصر إلى مركز لوجيستي لتوليد الطاقة الكهربية، لتصديرها للخارج، ونعمل حالياً على مد خطوط ربط كهربية، مع عدة دول بالجوار، منها السعودية بقدرة 3000 ميغاوات، والأردن 450 ميغاوات ودراسة رفعه إلى 2000 ميغاوات، وليبيا بقدرة 200 ميغاوات، وأيضاً مذكرة التفاهم الحالية بيننا وقبرص لمد خط ربط كهربي بحري ومنها إلى اليونان وأوروبا.

وأوضح أن الطاقة الكهربائية التي ستنتج عن محطات الإنتاج النووي سوف يتم دمجها داخل شبكة الكهرباء المصرية بشكل عام، ويتم الآن تقوية شبكات الربط والتوزيع كافة، يتم التنسيق مع عدة جهات معنية، لتدريب الكفاءات المصرية، داخل مصر وخارجها، لإدارتها والاستفادة منها على الوجه الأمثل.

كيف تم توفير التكلفة المالية لبناء المحطات؟

وفقاً لما نشرته الجريدة الرسمية المصرية، فإن الاتفاق بين مصر وروسيا تتضمن توفير الجانب المصري 15% من تكلفة بناء المحطات الأربع يسددها في أقساط، إما بالدولار وإما بالجنيه المصري، لصالح المؤسسات الروسية المفوضة، بما يتوافق مع العقود، في صورة دفعة سداد مقدمة أو أية مدفوعات، وذلك بعد تنفيذ الأعمال والخدمات وتسليم التوريدات، على أن يقوم الجانب الروسي بتوفير 85% من التكلفة عبر القرض الذي تم الاتفاق عليه وتوقيعه في عام 2016.

ويبلغ أجل القرض 13 عاماً خلال المدة الزمنية من 2016 وحتى 2028، بفائدة 3% سنوياً، وهو ما يعني أن مصر لديها فترة سماح لسداد أقساط القرض تصل إلى 13 عاماً. ووفقاً لما ذكره محمد شاكر، وزير الكهرباء والطاقة، فإنها مدة كافية لإنهاء بناء المحطات، وتشغيلها وتحصيل الأرباح لسداد الأقساط.

هل طريقة الحصول على القرض وتسديده مرهقة للأجيال القادمة بمصر؟

الدولة المصرية تطمئن الرأي العام من تلك المخاوف بأنها ستسدد تكلفة المحطة خلال 6 سنوات من إنشاء المحطة، عن طريق ما يتم توفيره من تكلفة الغاز والبترول في إنتاج الطاقة الكهربائية، هذا بجانب عوائد التصدير.

وفقاً لما يقوله الدكتور وائل النحاس الخبير الاقتصادي المصري، فإن هناك بالفعل مخاطر كبيرة على الأجيال القادمة من توابع هذا القرض، والذي قد يحوّل الفرح بهذا الحلم إلى كابوس اقتصادي على مصر.

ويوضح النحاس في تصريحات لـ”هاف بوست عربى”، أن المعلومات المتداولة عن القرض وطريقة تسديده لا توضح البنود الحقيقية لهذا القرض، وهل هناك شروط على الجانب الروسي في تنفيذ المشروع، أو غرامات على الجانب المصري في حالة عدم السداد.

هل هناك أسواق تنتظر فائض الكهرباء المصرية لتشتريها؟

“أكبر المخاوف الحقيقية من عدم تحقيق مشروع المحطات الأربع أهدافه، وبالنظر إلى الأسواق المحيطة التي من الممكن أن تشتري الطاقة الكهربائية من مصر، نجد أن الخليج العربي يبني الآن 3 محطات طاقة نووية؛ واحدة بالإمارات لإنتاج 10 آلاف ميغاوات، واثنان بالسعودية، في حين نجد بالشمال الإفريقي مشاريع عملاقة لإنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية كما هو الحال في المغرب، والغرب الآن يخطط للوصول لنسبة 40% من استهلاك الكهرباء عبر الطاقة النظيفة “شمسية – مياه”، وهو ما يقلل من فرص تصدير الكهرباء المصرية لها.

وأشار النحاس إلى أن “خوفنا من مستقبل هذا القرض وتداعياته يتضاعف بالنظر إلى توقُّف إحدى محطات الطاقة النووية في فرنسا منذ 12 عاماً، ووصول قيمة غرامات السداد فقط إلى أكثر من 3 مليارات دولار، وكذلك نجد أن الاتجاه نحو وقف المفاعلات لدى الدول الكبرى هو السائد؛ ففي ألمانيا كان لديها 12 مفاعلاً خفضتها إلى 8 محطات. وبالمقارنة بإنتاج الكهرباء عبر الطاقة الشمسية، نجد أن إنتاج 1000 ميغاوات يكلف مليار دولار، فكان من الأولى إنتاج 25 ألف ميغاوات عبر هذا القرض بدلاً من 4 آلاف ميغاوات فقط”.

ما حقيقة المخاوف والمخاطر النووية للمشروع؟

يقول الدكتور إبراهيم العسيري رئيس قسم الهندسة النووية بالجامعة المصرية-الروسية، إن المشروع النووي المصري هو أكثر مشروعات الطاقة أماناً، عكس ما يعتقد بعض الناس؛ فالمحطة النووية بالضبعة تتحمل سقوط صاروخ جوي عليها، بالإضافة إلى أن موقعها الحيوي أقل عرضة للزلازل في العالم، علاوة على أن تصميمها من محطات الجيل الثالث بلس يجعلها تحمل العديد من وسائل الأمان.

ويوضح العسيري أن الوقود النووي داخل المحطة يوضع في “كلاد” يمنع أي نواتج انشطارية من الخروج، والذي يبلغ سُمكه أكثر من 25 سم موضوع داخل وعاء حاوٍ يزيد سمكه على 1.5 متر من الخرسانة المسلحة؛ لتجنب أي حوادث.

ما هي منشأة التخزين وحاويات الوقود المستنفد؟ هل هناك مخاطر منهما؟

تم الإعلان عن أنه خلال السنوات العشر الأولى من تشغيل المحطة سيبني الجانب الروسي منشأة تخزين خاصة، وسيوفر حاويات لتخزين الوقود النووي المستنفد.

د. العسيري يقول إن تلك المحطات ستُستخدم لتخزين الوقود النووي المستنفد من المحطات المصرية، وذلك تمهيداً لنقله مرة أخرى للجانب الروسي، وليس به أي مخاطر بيئية، بدليل الموافقة على إنشاء المنطقة السكنية لأهالي الضبعة بجوار المحطات النووية الأربع.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top