خرجت إحدى أكثر الدراسات الطموحة التي أُجريت عن الحرب الأهلية في سوريا والخيارات الأميركية للتخفيف من وطأتها، إلى النور أخيراً، الثلاثاء 19 ديسمبر/كانون الأول 2017، بعد جدل طويل حول محتواها.
كانت هذه الدراسة، التي كُلِّف إجراءها متحف ذكرى الهولوكوست بالولايات المتحدة، موضع جدل في خريف هذا العام (2017) بعد أن نشرها المتحف فترةً وجيزة على الإنترنت، ثم تراجع عنها سريعاً بعدما واجه رد فعل سياسياً عنيفاً، حسب تقرير لصحيفة نيويورك تايمز الأميركية.
وقد رفضت بعض المجموعات الاستنتاجات التي خرجت بها الدراسة، والتي تعرب عن تشاؤمها بشأن الخيارات المتاحة أمام الولايات المتحدة.
والمفارقة أنه بعد التراجع عن نشرها، اتهم بعض الأكاديميين مؤسسة متحف ذكرى الهولوكوست بالسماح للضغط السياسي بقمع الأبحاث المهمة.
وبعد هذا التراجع والخلافات التي نشبت بسببه، سيُعاد نشر الدراسة مضافاً إليها وثيقتان تدعمان فكرة العمل العسكري الأميركي إرضاءً للأصوات المؤيدة لفكرة التدخُّل والمعترضة على ما جاءت به الدراسة.
وتقول المجموعات التي كانت انتقدت الدراسة في بداية الأمر، إنَّها راضية حالياً، فيما يأمل مسؤولو المتحف أن يصمد البحث الآن بمفرده، لكنَّ البعض الآخر أقل ما يقال عنه إنَّه غير راضٍ إلى حدٍ ما.
وفِي هذا الإطار، يقول مارك لينش، الذي يرأس مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة جورج واشنطن الأميركية: “تبدو الطريقة التي يعيدون بها نشر الدراسة مُعدَّة خصيصاً لإرضاء أنصار فكرة التدخُّل على حساب مصداقية البحث؛ وهذا أمر مؤسف. أشعر بأنَّ ذلك قد أضر بسمعة الدراسة بالفعل”.
وتكشف المقابلات التي أجريت مع مسؤولين في المتحف ومنتقدين من خارجه، كيف أصبحت هذه الوثيقة، التي تتألف من 200 صفحة وتتسم بأنَّها جافة وتقنية للغاية، مثار انتقادٍ سياسي للمتحف الذي يُمثِّل منذ فترةٍ طويلة قوةً أخلاقية في قضايا الحرب والقتل الجماعي، حسب وصف “نيويورك تايمز”.
وعندما نُشِرت الدراسة لأول مرة، تضمَّن ملخصها التنفيذي جملةً تقول إنَّه لا يوجد سياسة واحدة من شأنها أن تخفف مستوى العنف في سوريا نهائياً.
وفي اللغة الأكاديمية، كان القصد من ذلك هو نقل انطباع بعدم اليقين. لكن بالنسبة للكثيرين من غير الأكاديميين، فُسِّرت تلك الجملة كتأييدٍ لسياسات الرئيس السابق باراك أوباما بعدم التدخل.
واتصل أعضاء من مجتمع المهتمين بالسياسة الخارجية في واشنطن، إضافةً إلى الجماعات الناشطة السورية، بمسؤولين في المتحف، من ضمنهم المديرة سارا بلومفيلد؛ لتسجيل رفضهم.
وجادل كثيرون في كلتا المجموعتين (المهتمين بالسياسة الخارجية في واشنطن والجماعات السورية الناشطة)، منذ فترةٍ طويلة، بأنَّ أوباما قد فوَّت فرصاً حاسِمة في سوريا.
كما حاول بعض الزعماء اليهود الإعراب عن قلقهم من أنَّ التقرير يمكن أن يقوض مهمة المتحف في منع الفظائع أو عرقلتها.
تبرئة لأوباما
وقال معاذ مصطفى، الذي يرأس المنظمة السورية للطوارئ التي تتخذ من واشنطن مقراً لها، إنَّ العديد من المنظمات التي شاركت في مناصرة سوريا، رأت أن الدراسة “تبرئ” أوباما.
وأضاف أنَّ قراءة التقرير كانت “تُذكِّره بالأوقات التي ذهبوا فيها إلى البيت الأبيض ليُصفع الباب في وجوههم بينما كان المدنيون يتعرضون للذبح”.
واعتبرت المجموعات السورية التي عملت مع المتحف على تخليد القتلى السوريين، الدراسة بمثابة “خيانة”. واعترض آخرون على لهجتها الأكاديمية أو عدم وجود اقتراحات تتعلق بالسياسة العامة، ومع أنَّهم غالباً ما أعربوا عن اعتراضاتهم سراً فقط، كان لهم تأثيرٌ على مسؤولي المتحف. وبالفعل، أمرت سارا بلومفيلد بالتراجع عن الدراسة.
وقد أجرى مركز سيمون سكودت هذه الدراسة، وهو الذراع البحثية للمتحف، الذي كثيراً ما يقوم بعمل أبحاث عن الفظائع المعاصرة.
وقال كاميرون هدسون، مدير المركز، إنَّ الخطأ يكمن في قصر لغة البحث على الأكاديميين تحديداً، دون وضع بقية جمهور المتلقين في الاعتبار.
قال هادسن: “علينا إدراك أنَّ لدينا جمهوراً عاماً لهذا العمل، ولدينا أيضاً جمهور من الضحايا والناجين. وأعتقد أنَّنا فاتنا التفكير في الكيفية التي سيتلقّى بها بعض هؤلاء الجماهير الدراسة”.
لا يوجد حل للفظائع
وعلى الرغم من أنَّ الأكاديميين أشادوا بالدراسة، اعترف هدسون بوجود بعض “الاختلاف” بين مهمة المتحف التي تفيد بفكرة “لن نكرر ذلك (الفظائع كالهولوكوست) أبداً”، ونتائج الدراسة التي تقول إنَّه “لا يوجد حل سريع”.
وفي الأسابيع التي أعقبت التراجع، التقى مسؤولو المتحف أفراداً وجماعات انتقدوا الدراسة. وهدَّأت المشاورات الكثير من الغضب، لدرجة أنَّ المتحف سيصدر دراسته الآن، وهذه المرة دون ملخص تنفيذي من 4 صفحات.
الدراسة مرفقة أيضاً بوثيقتين: مقال نشره فريدريك هوف، وهو مسؤول بإدارة أوباما، يدعو إلى انخراطٍ أميركي أكبر في سوريا، ووثيقة ثانية تعلن إجراء منظمة “سوريا حرة”، وهي منظمة مناهضة للحكومة السورية في ولاية فرجينيا، استطلاع رأي على المجموعات السورية.
ويسأل الاستطلاع “المنظمات والأفراد السوريين” عن السياسات الأميركية التي يودون رؤيتها في سوريا. جديرٌ بالذكر أنَّ متحدثةً سابقة عن الجماعات السورية المناهضة للحكومة هي مَن أعدت استطلاع الرأي، ويبدو أنَّ الأسئلة تدفع المشاركين إلى تأييد العمل العسكري الأميركي في سوريا.
وقال مصطفى: “لقد استغرق المتحف الكثير من الوقت للجلوس مع الجميع”، مضيفاً أنَّ الشعور السائد بين السوريين هو أنَّ “أصواتهم مسموعة”.
في الأشهر التي انقضت منذ تراجع الدراسة، ترك ليون ويزلتييه، وهو كاتب كان من بين أكثر المنتقدين بروزاً، المشهد العام بعد مزاعم ارتكابه اعتداءً جنسياً، لكنَّ هدسون نفى أنَّ هذا أثر على قرارهم.
ومع هدوء هذه الجدالات، قال هدسون إنَّه يأمل أن يصل المجهود الذي استغرق ما يقرب من عامين للجمهور أخيراً، وتابع أنَّ الهدف كان دائماً تحسين قدرة العالم على منع وقوع فظائع مثل تلك الموجودة في سوريا.
ومع ذلك، اعترف بأنَّ اتجاهات واشنطن نحو الاقتتال الداخلي قد طغت على البحث في بعض النقاط.