في تلك البقعة الملتهبة على أطراف العاصمة السورية دمشق، حيث تحولت 110 كيلومترات إلى ما يشبه العيش في الجحيم، فلا أصوات فيها سوى صفير الصواريخ والقذائف، وبكاء الصغار، لا يعلم الطفل الذي كان سبباً في انتشار صور لأناس أخفوا فيها أحد عينيهم، أن ملايين البشر على شبكة الإنترنت يجسدون مأساته.
قصة الطفل كريم
في يوم دموي، يعده سكان غوطة دمشق “اعتيادياً بالنسبة لهم”؛ نظراً إلى عيشهم في منطقة محاصرة منذ نحو 5 سنوات من قِبل النظام السوري، وتتعرض للقصف المتواصل- انقلبت حياة الطفل كريم (عمره شهران ونصف) رأساً على عقب.
لم تغتل القذيفة التي أصابته في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي والدته فقط؛ بل اغتالت أيضاً عينه اليسرى وكسرت جمجمته، وتركت ندوباً على جبينه، قال سوريون إنها تختصر الكثير من الكلام عن مآسي الحرب التي يعيشها الأطفال السوريون.
فقد الطفل الكريم عينه نتيجة فقدانها العصب البصري وقطع التروية عنها، وبحسب الطبيب الذي عالج الطفل عقب إصابته بالقذيفة، فإنه لم يكن هنالك من خيار إلا إزالة العين، مشيراً إلى أنه حتى الآن، “لم يعثروا على كرة جل (اصطناعية) لوضعها مكان العين التي لا تزال فارغة”، بحسب ما قاله لوكالة الأناضول.
والمأساة التي يعيشها حالياً الطفل كريم، ليست سوى جزء من مآسٍ أخرى يعيشها نحو 400 ألف مدني يعيشون بغوطة دمشق في ظروف إنسانية مأساوية، جراء الحصار المفروض عليهم والتصعيد العسكري ضد المنطقة التي يعيشون فيها.
ويقول السكان المحليون في غوطة دمشق، إن المُصاب منهم جراء القصف مُرشح لأن يكون ميتاً؛ بسبب خلو مناطقهم من المستشفيات المُجهزة، والاكتفاء ببضع مستشفيات ميدانية تتوافر فيها إمكانات طبية لا تفي دائماً بالغرض أمام الحالات الحرجة للمصابين والمرضى.
تعاطف كبير
انتشرت قصة الطفل كريم في غوطة دمشق وآلَمَ كل من شاهده؛ وهو ما دفع ناشطين في غوطة دمشق إلى التحرك لتسليط الضوء على معاناته، عبر تصوير أنفسهم وهم يضعون يدهم على إحدى عينَيهم؛ للتضامن مع فقدان الطفل عينه.
لم تنتشر صور التضامن بين السوريين فقط، فصوَّر عرب متضامنون مع الطفل أنفسهم أيضاً، إلى أن ظهرت صور مشابهة في القارة الأوروبية وأميركا، وأصبحت حملة “التضامن مع كريم” من أبرز الحملات للتعاطف مع ضحايا الحرب في سوريا خلال الأيام الماضية، وهي مستمرة حتى اليوم.
وتفاعل المتضامنون مع قصة الطفل في أبرز 3 وسوم، #متضامن_مع_كريم، و#عيوننا_لكريم، و#solidaritywithkarim، وكان من بين المتضامنين شخصيات معروفة على المستويَين العربي والعالمي.
People across the world are tweeting pics of themselves covering one eye in #SolidarityWithKarim. 2-month-old #BabyKarim, who fractured his skull and lost an eye in a bombing by the Assad regime on Eastern Ghouta, has become a symbol of resistance https://t.co/4UuaFJVA4h pic.twitter.com/ID5itY8ZoJ
— DAILY SABAH (@DailySabah) December 19, 2017
مندوب بريطانيا لدى الأمم المتحدة، ماثيو رايكروفت، ظهر خلال وجوده في مقر المنظمة الدولية، واضعاً يده على عينيه، ونقل حساب الخارجية الريطانية على موقع تويتر قول رايكروفت: “حين نجتمع في مجلس الأمن ونحذر بأن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال.. فهذا هو ما نعنيه. يجب إنهاء قصف وحصار الغوطة الشرقية (غوطة دمشق).
ماثيو رايكروفت: حين نجتمع في #مجلس_الأمن ونحذر بأن عدم اتخاذ إجراء يعني وفاة مزيد من الناس، وقصف مزيد من المدارس، وتشويه مزيد من الأطفال.. فهذا هو ما نعنيه.
يجب إنهاء قصف وحصار #الغوطة_الشرقية. pic.twitter.com/aOxT8mhBTW— ?? وزارة الخارجية (@FCOArabic) December 19, 2017
كذلك، نشر رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، صورةً له على حسابه في تويتر وقد غطى عينه، وكتب وسم #SolidaritywithKarim.
#SolidaritywithKarim pic.twitter.com/ZwemMxNqOz
— Saad Hariri (@saadhariri) December 21, 2017
كما انضم إلى الحملة أيضاً، وزير الزراعة والثروة الحيوانية التركي أحمد أشرف فاقي بابا، ونشر صورة له على حسابه في تويتر وعينه معصوبة، وأرفقها بوسم “صغيري كريم نحن نراك” بالتركية.
Suriye’de Esed güçlerinin saldırısında bir aylıkken öksüz kalan ve bir gözünü kaybeden Kerim bebek de Türkiye’deki bütün evlatlarımız gibi bizim gözümüzün nuru insanlığımızın vicdanıdır. Biz Dünya barışı için merhametimizi de ümidimizi de kaybetmeyeceğiz. #SeniGörüyoruzKerimBebek pic.twitter.com/IRRE2e9ir3
— Ahmet Eşref Fakıbaba (@aefakibaba) December 19, 2017
ووصلت حملة التضامن إلى ميدان الرياضة؛ إذ نشر لاعب فريق أرسنال الإنكليزي، المصري محمد النني، صورة له على حسابه في تويتر، أعرب فيها عن تضامنه مع الطفل كريم. كما فعل الشيء نفسه اللاعب الفرنسي المشهور فرانك ريبيريه.
Humanity above all else#SolidarityWithKarim ❤ pic.twitter.com/Y7e4o19ZWr
— Mohamed ELNeny (@ElNennyM) December 26, 2017
#SolidarityWithKarim ❤ pic.twitter.com/4Ahwky16vQ
— Franck Ribéry (@FranckRibery) December 21, 2017
وكان من بين أبرز العرب الذين تضامنوا مع مأساة الطفل السوري، المطربة اللبنانية إليسا التي نشرت صورة لها وهي تغطي عينها، وقالت إنها تطلق “نداءً تويترياً” للتضامن مع كريم.
إليسا تطلق نداءً تويتريًا لأجل الطفل كريم ..
https://t.co/sdjaqSMLwa @elissakh pic.twitter.com/iwJrmDgYTp— Engy magd eldin (@EngyMagd) December 28, 2017
وكانت صحيفة “وول ستريت جورنال” الأميركية، قالت إن أكثر من 5 ملايين مستخدم للإنترنت تفاعلوا مع حملة “التضامن مع كريم”، ولفتت الصحيفة إلى أنها استندت في إحصائها إلى موقع “Keyhole” الشهير، المتخصص في متابعة ورصد “الهاشتاغات”.
معاناة كريم لم تنتهِ
ويواجه الطفل كريم حالياً خطراً آخر إلى جانب فقدانه عينه، فقد يضطر المتضامنون معه إلى أن يضعوا كفهم الثاني على العين الأخرى؛ لأن الطفل معرض لخطر فقدان البصر؛ لكون شبكية عينه الثانية مهددة وبحاجة لعناية طبية مفقودة في غوطة دمشق.
وناشد والد الطفل العالم لإنقاذ ابنه من فقدان بصره بشكل كامل، ويخشى من حدوث ما هو أسوأ، بحسب ما قاله لـ”الأناضول”.
وأشار أبو كريم إلى أن الأطباء أبلغوه أن ابنه بحاجة إلى العلاج خارج الغوطة؛ حتى لا تصاب شبكية عينه الثانية فيفقد بصره، لافتاً إلى أن الأطباء في الغوطة بذلوا أقصى جهودهم، لكن شروط الحصار المفروض على المنطقة لا يسمح بأكثر من ذلك.
ويشير والد الطفل إلى أن أكثر من 200 طفل في غوطة دمشق يعانون، ويصارعون الجوع والحصار من أجل البقاء على قيد الحياة بالغوطة، في انتظار شعاع أمل يحملهم خارجها للحصول على العلاج.