وجدت دراسة جديدة أن انخفاض حضور الحكومات المحلية هو أقوى مؤشر على انخفاض أعداد الأنواع الحية وفقدان التنوع الحيوي للحياة البرية، فقد تسبب غياب سلطة القانون لفناء الأنواع بدرجة أكثر من التي سببها النمو الصناعي الاقتصادي أو تغير المناخ أو حتى ارتفاع عدد السكان.
وتظهر النتائج التي نشرت في مجلة نيتشر، أن مناطق المحميات الطبيعية التي تحميها الحكومات تحافظ على التنوع البيولوجي في الحياة البرية، وهذا لا يحدث بالطبع إلا في البلدان التي يوجد فيها استقرار سياسي مع مؤسسات قانونية واجتماعية قوية.
تتبع الطيور المائية لربع قرن!
وتتبعت الدراسة مصير أنواع الطيور المائية منذ عام 1990 كنموذج لدراسة التنوع البيولوجي، حيث تعتبر مواطنها (الأراضي الرطبة) من أكثر المناطق تنوعاً وفي نفس الوقت من الأكثر تعرضاً للخطر على سطح الأرض.
وقام فريق دولي من العلماءبجامعة كامبريدج بتحليل أكثر من 2.4 مليون سجل سنوي لعدد 461 نوعاً من الطيور المائية عبر ما يقرب من 26000 موقع مسح مختلف في جميع أنحاء العالم.
واستخدم الباحثون البيانات الهائلة هذه لعمل نموذج يدرس تغيرات الأنواع المحلية في الدول والمناطق. وتمت مقارنة النتائج مع مؤشرات الحوكمة العالمية، التي تقيس كل شيء من معدلات العنف وسيادة القانون إلى الفساد السياسي، فضلاً عن بيانات مثل الناتج المحلي الإجمالي.
ماذا اكتشفت الدراسة؟
اكتشف الفريق أن انخفاض الطيور المائية كان أكثر في المناطق التي تكون فيها الحوكمة أقل فعالية في المتوسط، مثل غرب ووسط آسيا وأميركا الجنوبية وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
وعلى العكس كانت النتائج في أوروبا إيجابية نظراً لأن بها حكماً وطنياً فعالياً ومستوى جيداً من الاستقرار السياسي والاجتماعي، فلم تشهد الأنواع الحية في قارة أوروبا انخفاضاً شبيهاً بمناطق عدم الاستقرار السياسي والحكومي.
وهذه هي المرة الأولى التي يتم فيها تحديد فعالية الحكم الوطني ومستويات الاستقرار الاجتماعي السياسي باعتباره أهم مؤشر عالمي للتنوع البيولوجي وفقدان الأنواع.
إن نقص البيانات على مستوى العالم حول التغيرات في العالم الطبيعي يحد من فهمنا “لأزمة التنوع البيولوجي”، كما يقول مؤلفو الدراسة. ومع ذلك، يقولون إن هناك مزايا للتركيز على الطيور المائية عند محاولة قياس هذه الأنماط.
ما هي الطيور المائية؟
الطيور المائية هي مجموعة متنوعة من الحيوانات، من البط والنوارس والبجع. وتغطي أراضيها الرطبة نحو 1.3 مليار هكتار من الكوكب – من الساحل إلى المياه العذبة وحتى المرتفعات – وتوفر “خدمات النظام الإيكولوجي الحيوية” بتتبع مساراتها ودراستها، وتدهورت الأراضي الرطبة أكثر من أي شكل آخر من أشكال النظام الإيكولوجي مؤخراً.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن الطيور المائية لها تاريخ طويل مع رصد السكان لها، فقد شمل التعداد العالمي السنوي الذي أجرته منظمة ويتلاندز إنترناشونال أكثر من 15000 متطوع على مدى السنوات الخمسين الماضية، ويعود تاريخ عد الطيور السنوي لجمعية أودوبون إلى عام 1900.
عدم الاستقرار السياسي سبب أساسي
ويقول الدكتور تاتسويا أمانو الذي قاد فريق جامعة كمبريدج لعمل الدراسة في قسم الحيوان بالجامعة، إن فقدان الأراضي الرطبة المناسبة لمعيشة الطيور المائية يرتبط غالباً بالحكومة غير الفعالة وغياب الاستقرار السياسي وغياب سلطات الرقابة البيئية والإشراف البيئي.
وكشفت الدراسة أيضاً عن وجود علاقة بين سرعة نمو الناتج المحلي الإجمالي والتنوع البيولوجي: فكلما زاد معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للفرد، زاد الانخفاض في أنواع الطيور المائية.
وكان التنوع على المستوى المحلي هو الأكثر تضرراً في المتوسط في أميركا الجنوبية، مع خسارة سنوية تساوي تراجع بنسبة 21٪ في جميع أنحاء المنطقة على مدى 25 عاماً. كما فوجئ الفريق الذي أعد الدراسة بفقدان أنواع حيوية خطير في المناطق الداخلية من غرب ووسط آسيا.
ويشير الباحثون إلى أن سوء إدارة المياه وبناء السدود في أجزاء من آسيا وأميركا الجنوبية قد تسببا في تجفيف الأراضي الرطبة بشكل دائم في مقاطعات مثل إيران والأرجنتين – حتى في المناطق المخصصة كمحميات طبيعية.
ويمكن أن تؤدي عمليات الصيد الجائر أيضاً لفقدان الأنواع في ظل الحكومات غير الفعالة. ويقول أمانو: “يمكن أن يؤدي عدم الاستقرار السياسي إلى إضعاف الإنفاذ القانوني، وبالتالي تعزيز قتل الحيوانات غير المناسب وغير القانوني في كثير من الأحيان حتى في مناطق المحميات”، فالمحميات لا تفيد في الدول ذات الحكم الضعيف أو عدم الاستقرار.
بينما يقول باحثو جامعة كامبريدج أن المبادرات الشعبية التي تقوم بها جماعات محلية وسكان أصليون في مناطقهم يمكن أن تكون أكثر فعالية بكثير من الحكومات في حماية الأنظمة البيئية، خاصة في المناطق التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي وغياب سلطات القانون والحكم الرشيد.