التوازن لا التمكين.. مساعد سابق لرئيس أميركا: على واشنطن السعي لاستقرار الخليج بدلاً من دعم تهور المملكة

ذات مرة شكَّك الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الديكتاتورية الشمولية التي تحكم السعودية. وتذمر من أنَّ السعوديين يمولون الإرهاب ضد الولايات المتحدة، وتساءل: لِمَ تدعم الولايات المتحدة حماية تلك الدولة النفطية الثرية.

ومع ذلك، بعد توليه منصبه، ربما تأثر ترامب بالمديح المُفرِط الذي كاله له أشخاصٌ بارعون في تملق السياسيين، فتصرف كأي شخصٍ غربي يُعينه الحكام السعوديون لخدمة مصالحهم. وبعد زيارته للرياض، بدا أنّ رغبات المملكة قد أصبحت أوامر في أميركا.

وكانت النتيجة إهدارٌ مستمر للمصالح والقيم الأميركية، بحسب ما يقول دوغ باندو، الباحث البارز بمعهد كاتو مساعد الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان، في مقال له بالنسخة الأميركية لهاف بوست.

ويضيف الكاتب قائلاً إنه “دائماً ما كانت علاقة الغرب بالمملكة تبادلية، فمنذ أنّ شكل عبدالعزيز بن سعود الدولة السعودية الجديدة بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى، لم تكن المملكة تعني الكثير حتى اكتُشف النفط عام 1938. وحققت وفرة البترول (الصداقة) الأميركية”.

واحتفل الرؤساء المتعاقبون بهذه العلاقات الثنائية، وأحياناً أظهروا حميميةً مزيفة غير لائقة، رُغم أن البلدين لا يتقاسمان سوى الرغبة في استمرار تدفق النفط السعودي مقابل الدولارات الأميركية.

تنتمي المملكة إلى عصر آخر -بحسب المساعد السابق للرئيس رونالد ريغان- فهي ليست ملكية دستورية، بل مطلقة، ولا يستند انتقال الحكم فيها إلى وراثة الابن البكر. بدلاً من ذلك، وقبل عامين فقط، مُرِّرَ التاج ليتخطى مجموعةً من الأمراء كبار السن من أبناء سعود. ومن شأن ذلك أن يُسفر عن فترات حكم قصيرة وغير مستقرة، فضلاً عن كونه حكماً جماعياً. وقد كانت فوائد الانتساب إلى العائلة الملكية كبيرة؛ إذ يتقاسم 7000 أمير تقريباً ثروات البلاد.

الآن تتعامل الولايات المتحدة مع شخصيةٍ مختلفة للغاية، وهو ولي العهد والحاكم الفعلي محمد بن سلمان.

تمكّن ولي العهد من الظهور بصورة المُصلح من خلال تخفيف بعض القيود السعودية البالية، خاصةً فيما يتعلق بالنساء. وكانت هذه الخطوات التي طال انتظارها موضع ترحيب. ومع ذلك، فإنَّ الحرية التي وفرها غير كافية، ولا تزال تقتصر على الحياة الشخصية فحسب.

ورُغم أنَّ الشباب مدعوون لاختيار نمط حياة أكثر ليبرالية، لكنَّهم لا يمكنهم التدخل في السياسة، وبالتأكيد لا يُسمح لهم بانتقاد “صاحب القرار” السعودي، كما وصف الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن نفسه ذات مرة.

في الواقع، حوَّل محمد بن سلمان نوعاً من الأرستقراطية السلطوية الجماعية المتداعية إلى ديكتاتورية فردية تقليدية. ويُصر المعجبون بولي العهد في الخارج أنَّ ذلك يجري من أجل تسريع عملية الإصلاح.

ومع ذلك، فإنَّ الاستيلاء الغاشم على السلطة، والدفع نحو مركزيتها، والابتزاز الوحشي للأمراء الأثرياء يُبشر بمستقبلٍ سيئ. وتقديم هذه الممارسات التي يُمكن اعتبارها انتهاكاتٍ صادمة خارج السعودية بشكلٍ مختلف لا يجعل أسلوبه في الحكم سليماً.

اللافت للنظر بشكلٍ خاص هو الاستخدام المستمر للأجهزة الأمنية في اعتقال وتعذيب أعضاء بارزين من الطبقة فاحشة الثراء لإجبارهم على التخلي عن ثرواتهم. وتبدو هذه الحملة المزعومة ضد “الفساد” وكأنَّها تُعبر عن تغيير أفراد العصابة الأفضل تسليحاً لطريقة توزيع الغنائم عندما تكتمل عملية السرقة.

وفي نهاية المطاف، لا يتعرض آل سعود لمساءلةٍ أخلاقية فيما يخص ثروات شعبهم. ويبدو إنفاق النخبة لمعظم الثروة -اشترى ولي العهد مؤخراً يختاً فاخراً وعقاراً في فرنسا ولوحة باهظة لدافنشي- مسألة عملية لا تهم المواطن السعودي.

وأصبحت السياسة الخارجية الجديدة للرياض أكثر إشكالية. فقبل وصول محمد بن سلمان إلى السلطة، تدخلت السعودية في سوريا نيابةً عن الجهاديين المتطرفين الذين يشكلون تهديداً أكبر بكثير للغرب مقارنةً بنظام الأسد القمعي العلماني. وتدخلت الرياض عسكرياً لدعم النظام الملكي السني في البحرين ضد غالبية السكان الشيعة.

المسؤول عن أسوأ أخطاء المملكة

بيد أنَّ ولي العهد هو المسؤول عن أسوأ أخطاء المملكة، فقد شن حرباً دموية ووحشية في اليمن لإعادة تثبيت نظامٍ تابع للرياض. وتحول الصراع اليمني المحلي الذي طال أمده إلى حربٍ طائفية دولية تمكّنت فيها إيران وبتكلفةٍ صغيرة من استنزاف المملكة.

وأطلق ولي العهد حصاراً فعلياً على دولة قطر في العام الماضي، وهو الحصار الذي قسم الخليج إلى فريقين؛ الإمارات والبحرين إلى جانب الرياض، في حين ظلت عمان والكويت على الحياد، ودفع ذلك الحصار الدوحة نحو إيران وتركيا.

ورُغم أنَّ المملكة ادعت استهداف الإرهاب بحصارها، إلا أنَّها تاريخياً كانت إحدى أهم مصادر التمويل والتجنيد للإرهابيين، خاصةً تلك الجماعات التي تستهدف الولايات المتحدة. وغرّد ترامب على حسابه بتويتر معبراً عن دعمه للرياض، في حين مالت وزارتا الدفاع والخارجية نحو قطر.

وفي الآونة الأخيرة، دعا محمد بن سلمان رئيس الوزراء اللبناني إلى المملكة، ثم اختطفه وأجبره على إعلان استقالته. وتحت الضغط الدولي اضطرت المملكة إلى الإفراج عن سعد الحريري، وبعد ذلك تراجع عن استقالته من منصبه.

وهددت أفعال السعودية تلك بتدمير سلامٍ هشّ بلبنان في محاولةٍ لإضعاف حركة حزب الله الشيعية المدعومة من إيران، لكن انتهى بها المطاف إلى تعزيز نفوذ خصوم الرياض.

سعي ولي العهد إلى تحقيق الهيمنة في الشرق الأوسط يتناقض مع المصالح الأميركية في معظم الأوقات. وبالإضافة إلى تهوره، يضع إيران هدفاً أساسياً له. ومن المسلَّم به أنَّ إيران تُشكل تهديداً وجودياً للشكل الملكي للحكومة الذي لا يتناسب مع العصر الحديث.

ورُغم أنَّ الديكتاتورية في طهران تواجه احتجاجاتٍ شعبية، إلا أنَّ الحكومة الإيرانية القائمة تستند إلى مبدأ على الأقل، وإن كان معيباً للغاية. فالناس هناك على استعداد للموت من أجل الإسلام. ولكن ماذا عن الموت فداء لنخبةٍ ملكية مدللة تؤمن بأنَّ لها الحق في السلطة والنفوذ والثروة، بالإضافة إلى أشياءٍ أخرى؟ لا يبدو ذلك محتملاً.

لذلك يأمل ولي العهد في إقناع إدارة ترامب، أو التلاعب بها بالأحرى، لتنفيذ العمل القذر عوضاً عن الرياض ومهاجمة إيران. وفي الواقع، اتهمت حكومة محمد بن سلمان طهران بتهمة ارتكاب عملٍ حربي يتعلق بتسليح اليمن بالصواريخ التي أُطلِقَت على الرياض، وهو ادعاءٌ لم تُثبَت صحته.

وعلاوةً على ذلك، تقصف السعودية اليمن بشكلٍ منتظم منذ فترة، بما في ذلك العاصمة صنعاء، وقتلت في أثناء ذلك آلاف المدنيين. ولكن يبدو أنَّ العرف السعودي للحرب يُجرم حق اليمنيين في المقاومة.

يتعين على الولايات المتحدة وضع مسافةٍ بينها وبين نظامٍ يقوض القيم والمصالح الأميركية. إذ إنَّ الأفضل للولايات المتحدة هو الموازنة بين علاقتها بإيران والمملكة. ورُغم التحذيرات التي تصدرها الحكومتان السعودية والإسرائيلية بشأنها، فإنَّ طهران لا تشكل تهديداً يُذكر لأحد حتى الآن، خاصةً الولايات المتحدة.

تتفوق القوات العسكرية وميزانياتها في كلٍ من إسرائيل والسعودية وتركيا على نظيرتها الإيرانية. ورُغم أنَّ السياسيين الأميركيين الجمهوريين يرون بشكلٍ روتيني أنَّ طهران نظامٌ إرهابي، إلا أنَّ الرياض ساهمت بالكثير في عمليات التجنيد للحركات الإرهابية التي غالباً ما تكون سنية وليست شيعية.

وقبل معاملة الرئيس ترامب الإيرانيين بحماقة باعتبارها عدواً من خلال عرقلة الاتصالات مع الغرب، توصل الرئيس السابق باراك أوباما لاتفاقٍ نووي خلق إمكانية لمستقبل أفضل، مشجعاً بذلك صراعاً سياسياً طويل الأمد بين الإيرانيين الشباب المهنيين الحضريين من جهة، والأصوليين الإسلاميين النافذين من جهة أخري.

أما فيما يتعلق بالمكاسب الجيوسياسية المزعومة لإيران، فلا نكاد نجد بينها ما يدعو للإعجاب؛ تأثيرٌ أكبر في حطام سياسي يُعرف باسم حكومة الأسد، وزيادةٌ مؤقتة في نفوذها على فصيلٍ يمني واحد في دولة تمزقها حربٌ أهلية ولم تعرف قط السلام والاستقرار، والحفاظ على دورٍ غير مباشر في المجتمع اللبناني الهش للغاية من خلال تنظيم حزب الله، لكنَّها لا تحظى سوى بالقليل من النفوذ الدولي.

وأهم هذه الأشياء ربما يكون النفوذ الإيراني المتزايد في العراق، الذي كان بطبيعة الحال هدية من الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، الذي أزاح الرئيس العراقي صدام حسين من السلطة.

وعزز ذلك بشكلٍ متوقع دور جارة العراق ذات الأغلبية الشيعية، التي لجأ إليها العديد من أفراد النخبة العراقية الحالية أثناء الحكم الديكتاتوري لصدام حسين. ومع ذلك، فإنَّ معظم العراقيين ليس لديهم مصلحة في أن تحكمهم طهران.

ترامب وإنهاء الحرب المأساوية في اليمن

من الأفضل لإدارة ترامب أن تبدأ بإنهاء الدعم الأميركي لحرب المملكة الدموية التي لا طائل منها في اليمن، وعلى الرئيس الإشارة إلى أنَّ جهود المملكة من الأفضل توجيهها ضد أي جيوبٍ متبقية لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) في المنطقة.

وينبغي عليه مساندة الوزيرين جيمس ماتيس وتيلرسون في انتقاداتهما محاولة الرياض البلهاء لتحويل قطر إلى دولةٍ تابعة.

وبافتراض أنَّ محمد بن سلمان جاد في مكافحة “التطرف الإسلامي”، فينبغي أن تقترح واشنطن عليه إنهاء دعم بلاده للوهابية المتشددة خارجياً، بينما يبذل المزيد من الجهد لتنقيح الكتب المدرسية والوعظ الديني داخلياً.

وبدلاً من مساعدة المتطرفين الإيرانيين عن غير قصد من خلال إضفاء الشرعية على عدائهم الأبدي للولايات المتحدة، يجب على الإدارة الأميركية زيادة الفرص المحتملة لإصلاح إيران بتشجيع النضال السياسي في الداخل.

ويتعين على واشنطن أن تدفع المملكة والإمارات إلى فعل الشيء نفسه، وذلك من خلال اتباع المقاربة الأخف وطأة التي تنتهجها قطر والكويت وعُمان. وإذا رغب ولي العهد في شن حرب ضد إيران، يجب أن يعلم أنه سيخوض حربه وحيداً.

خلال الحرب الباردة، بدا الاقتراب الوثيق في العلاقات مع السعودية منطقياً من وجهة نظر استراتيجية، وذلك رُغم أن الحماس الذي أظهره صُناع السياسة الأميركيون لم يكن منطقياً. واليوم هناك حاجة إلى علاقة أكثر محدودية وأقل حميمية.

ورُغم الإشادة بولي العهد بوصفه مصلحاً بعيد النظر، يبدو أنَّه يُسيء استخدام السلطة كحاكمٍ للبلاد. ولعله سينضج مع مرور الوقت، لكنَّ السياسة الأميركية لا ينبغي لها الاعتماد على مثل هذا التحول.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top