صحيح أن “المركزي الفلسطيني” اتخذ قرارات حاسمة ضد إسرائيل.. لكن ماذا عن تنفيذها على أرض الواقع؟

في تغيُّر لافت للسياسة الفلسطينية، أكدت التوصيات الصادرة عن المجلس المركزي الفلسطيني أن الولايات المتحدة “فقدت أهليتها كوسيط وراعٍ لعملية السلام، ولن تكون شريكاً إلا بعد إلغاء ترامب قراراته”، مع وقف التنسيق الأمني بين السلطة والاحتلال الإسرائيلي.

وعلًّق البيان الختامي للمجلس المركزي، المنعقد في رام الله، اعتراف فلسطين بإسرائيل حتى تعترف الأخيرة بالدولة الفلسطينية، إضافة لإنهاء مرحلة الحكم الذاتي “اتفاق أوسلو” وتحويل السلطة الفلسطينية إلى دولة قائمة. وكلَّف المجلس المركزي اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية كأداة تنفيذية متابعة التوصيات.

في هذا الإطار، شكك محللون ومراقبون سياسيون فلسطينيون من قدرة اللجنة التنفيذية على تطبيق القرارات التي اتخذها “المركزي”، مستندين إلى قرارات سابقة للمجلس الوطني، المنعقد في بيروت مارس/آذار 2015، لم تطبقها اللجنة التنفيذية، أهمها وقف التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي.

وقال فهمي شراب، الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني، لـ”عربي بوست”، إن تنفيذ قرارات المجلس المركزي من قِبل اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير يحتاج لإجماع وطني من الفصائل الفلسطينية كافة، “وهو ما لم يتحقق”، على حد وصفه.

وذكر أن التنفيذ يحتاج أيضاً إلى دعم عربي مالي وسياسي لهذه القرارات، التي من شأنها أن تؤثر على الدعم المالي المقدم للسلطة الفلسطينية، خصوصاً إيرادات المقاصة المتحصلة من الاحتلال الإسرائيلي، أو المساعدات الأميركية المقدمة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين أو لدعم ميزانية السلطة مباشرة.

وأكد “شراب” أن السلطة لا تستطيع تحمُّل تبعات تنفيذ قرارات المجلس المركزي؛ لأنها “لا تملك سلطة على أرض الواقع، ولا تسيطر على المعابر أو الحدود، ولا الصادرات أو الواردات، ولا يوجد لديها موارد اقتصادية”.

وأشار “شراب” إلى أن السلطة استمرت كل السنوات السابقة دون انهيارها؛ لأنها كانت تعتمد على المساعدات المالية مقابل التنسيق الأمني مع الاحتلال الإسرائيلي، وهي لم تحقق أي استقلال منذ اتفاق أوسلو.

واعتبر المختص في التاريخ السياسي الفلسطيني عزيز المصري، أن مربط الفرس في قرارات المجلس هو تنفيذها من اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطيني، قائلاً: “أتمنى تنفيذها؛ حتى تكونوا أولاً صادقين مع أنفسكم، وصادقين مع شعبكم وأنصاركم”.

في حين قال عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أحمد مجدلاني، في تصريح إعلامي، معلقاً على قرارات المجلس، إن “هناك قرارات ملموسة بحاجة لاتخاذ خطوات مباشرة للتطبيق، في حين أن هنالك قرارات متصلة ومرهونة بأطراف إقليمية ودولية، بحاجة لعمل سياسي وجهد ووقت طويل، كالمطالبة بعقد مؤتمر دولي للسلام”.

عباس يتجه لأوروبا.. والسلطة تتجه للمقاومة الشعبية


ومن المتوقع أن يجتمع الرئيس محمود عباس يوم 22 يناير/كانون الثاني 2018، بوزراء خارجية دول الاتحاد الأوروبي ببروكسل؛ لاستكشاف مواقفهم في التعاطي مع المطالب الفلسطينية، بعد قرار ترامب بشأن القدس، وقرار السلطة التخلي عن أميركا كوسيط في عملية السلام والبحث عن لجنة أممية لذلك.

يُذكر أن الأوربيين متفقون على موقفهم من القضية الفلسطينية بإقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو/حزيران وعاصمتها القدس الشرقية، في مخالفة للموقف الأميركي السائد، لكن هل تنجح أوروبا في السعي لعملية تسوية بعيداً عن السيطرة الأميركية؟

في السياق السابق، قال “شراب”: “ما زال عباس يناور تكتيكياً، ويثبت أنه لا يستطيع التخلي عن الوسيط الأميركي بكل سلبياته وتحيزُّه إلى إسرائيل؛ لأنه يعلم عدم وجود جهة أخرى قد تحل محل الولايات الأميركية لا روسيا ولا الاتحاد الأوروبي؛ لأن أميركا لن تسمح بذلك، ولن تستطيع أوروبا القيام بهذا الدور منفردة أو من دون غطاء عربي داعم”.

وسيستخدم عباس ورقة الضغط المعتادة، عبر تصعيد المقاومة الشعبية في المناطق الفلسطينية الداخلية كافة، وهو ما كشف عنه عضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” جمال محيسن، صباح الثلاثاء 16 يناير/كانون الثاني، بأن اجتماعاً عاجلاً في الأيام المقبلة لقادة فصائل العمل الوطني؛ لتصعيد المقاومة الشعبية وضمان استمراريتها، استجابةً لقرارات المجلس المركزي، عبر وضع برنامج شامل لمشاركة جميع القطاعات، ليس فقط في المسيرات والوقفات الاحتجاجية وإنما في دعم صمود المواطنين وتعزيز التكافل ومقاطعة البضائع الإسرائيلية.

التصريح السابق فيه إشارة ضمنية، بدعوة غير مباشرة، لـ”حماس” و”الجهاد الإسلامي” لدعم المسيرات الشعبية، لكن حركتي “حماس” و”الجهاد الإسلامي” قاطعتا المجلس المركزي، المنعقد في رام الله؛ بدعوى أنه “لا يستجيب لتحديات الشعب الفلسطيني في هذه المرحلة… وكان الأولى أن يعقد المجلس خارج فلسطين؛ كي يتمكن الجميع من الحضور”.

الموقف الفلسطيني الموحَّد داخلياً بوابة العالم الخارجي


قد ترى حركتا “حماس” و”الجهاد” في مشاركتهما ضمن هذه الفعاليات دعماً لتوجهات عباس أحادية الجانب بعيداً عن الإجماع الوطني، في الوقت الذي طالبت فيه سابقاً السلطة بإلغاء اتفاقية أوسلو، ووقف التنسيق الأمني، ورفض الاعتراف بإسرائيل، وقد تكون هذه هي الفرصة المناسبة.

وأكد الناطق باسم “حماس”، فوزي برهوم، في تصريح له، أن “ترتيب البيت الفلسطيني وفق اتفاق القاهرة 2011، والتصدي لمتطلبات المرحلة الهامة في تاريخ القضية الفلسطينية والصراع مع الاحتلال”، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر أمام قرارات المجلس هو تنفيذها.

وقال الناطق باسم المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج، زياد العالول، لـ “عربي بوست”، إن المجلس المركزي الذي عُقد في الداخل لا يمثل فلسطيني الخارج ولا الـ48، ولا يمثل “حماس” ولا “الجهاد”، ولم تجرِ أي انتخابات لأعضائه منذ 25 عاماً، بمعنى أنه فاقد الشرعية، ولا قيمة له.

وأضاف العالول: “عباس سيذهب في خطواته السياسية منفرداً دون الفصائل الكبرى؛ (حماس) و(الجهاد)، أو اللاجئين في الخارج، وعليه ترتيب البيت الفلسطيني واجراء انتخابات لمنظمة التحرير في أسرع وقت، قبل فرض رؤيته على الكل الفلسطيني. أي خطوات سياسية قد تكون الفصائل والجماهير في حل منها”.

وقال القيادي في حركة “حماس” ومسؤول مركز بيت الحكمة لحل النزاعات أحمد يوسف، في تصريح لـ”عربي بوست”، إنه كان على الرئيس أبو مازن وحركة “فتح” تفهُّم مطالب الآخرين من شركاء الوطن كحركة “حماس” و”الجهاد الإسلامي”، وباقي الأحزاب، لدعوة الإطار القيادي للمجلس الوطني للتفاهم حول أجندة المؤتمر، بهدف الخروج برؤية وطنية جامعة وقرارات ملزمة للجميع.

وتسائل: “لماذا يُصِر الرئيس أبو مازن دائماً على أن تمضي الأمور على طريقته دون الرجوع لمشاورة أحد، هل هي فلسفة (العب وحدك تطلع راضي)”.

في هذا الإطار، قال رئيس سلطة الأراضي السابق في عهد أبو عمار، وأحد قيادات “فتح” السابقين، فريح أبو مدين، في تدوينة له عبر فيسبوك إن عباس سيتحدث إلى نفسه فقط.

وتبقى قرارات المجلس المركزي معلَّقة تنتظر التفعيل لتطبيقها، والتفعيل ينتظر الداعم الإقليمي والدولي والداخلي، والداعم ينتظر الموقف السياسي الموحد بإشراك جميع فصائل الشعب، والمخاوف من قدرة السلطة على حماية نفسها مالياً وسياسياً في حال توجهت للمقاومة الشعبية بعد إسقاط اعترافها بإسرائيل.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top