فرصة الثورة الأخيرة.. المعارضة السورية تسعى إلى الوحدة لإنقاذ ثورتها ومنع سقوط أهم معقل لها في البلاد

لا تزال محافظة إدلب، الواقعة شمالي سوريا، أحد المَعقلَين المُتبَقيَّين للمعارضة في البلاد، ويمكن لمستقبليهما تقرير ما إذا كان بشار الأسد سيتمكَّن أخيراً من سحق الثورة التي دامت 7 سنوات أم لا.

ومع مواصلة القوات الموالية للرئيس السوري تقدُّمها إلى المحافظة المحاصرة، يستعد السكان هناك لهجومٍ وحشي على غرار ما شهدته حلب التي سيطرت عليها المعارضة في وقتٍ سابق من خريف عام 2016.

وقالت هبة، وهي طالبةٌ في بلدة بنش شرقي مدينة إدلب، إنَّها تتوقَّع من قوات الأسد “انتقاماً شنيعاً” عندما يصلون هنا في نهاية المطاف.

وقالت لموقع ميدل إيست آي البريطاني: “الخوف والحذر يهيمنان علينا. صدقوني، هذا الخوف أصبح هاجساً مؤلماً”.

ولم تكن هبة تعرف ما إذا كان مقاتلو المعارضة المتنوعون قادرين على حماية المدينة من قوات الأسد المدعومة بالقوات الجوية الروسية.

وبعد فرارها من جيش الأسد 6 مرات منذ عام 2011، قالت هبة إنَّه لم يعد هناك مكان آخر تفر إليه.

وأضافت: “طالما أن النظام لا يُفرِّق بين المدنيين والعسكريين، فإنَّنا نتوقَّع اعتقالاتٍ عشوائية ومذابح مُمنهَجة، لذا فنحن جميعاً مستهدفون في هذه المناطق المُحرَّرة”. وتابَعَت قائلةً: “لا مكان للهرب”.

جبهة موحدة للدفاع

وخلال الأسبوع الماضي أعلنت قوات المعارضة المتبقية في إدلب تشكيل جبهة مُوحَّدة للدفاع عن أراضيها.

وقال محمود محمود، الناطق باسم جماعة جيش العزة المعارضة، في حديثٍ إلى موقع “سوريا على طول”، إنَّ “جميع الفصائل الناشطة في إدلب وحماة اتفقت على العمل المشترك بشأن عددٍ من المحاور”.

ووفقاً تشارلز ليستر، محلل الشؤون السورية، تلقت جماعة المعارضة – التي تضم أحرار الشام وفيلق الشام ونور الدين الزنكي وجماعات أخرى – أسلحةً تتضمَّن قاذفات صواريخ وعربات مدرعة وقذائف هاون من تركيا قبل وقوع الهجوم المضاد الذي بدأ يوم الخميس 11 يناير/كانون الثاني.

وواجهت المعارضة دفعة القوات الحكومية شمالاً نحو شرقي محافظة إدلب، حيث تهدف إلى الاستيلاء على قاعدة أبوالضهور الجوية.

وفي مقابلة مع قناة OGN المؤيدة للمعارضة، قال قائد منظمة جيش الأحرار إنَّ قواته – كجزء من غرفة العمليات و”مصداقاً لقوله تعالي: (وإِنَّ اللَّه علَى نَصرِهِم لَقدير) – قد انتزعت عدداً من القرى من القوات الحكومية.

وتابع قائلاً: “بالتعاون مع الأخوة من جماعة أحرار الشام وجيش العزة، تمكَّنَّا من تحرير بلدة تل مرق، وتجري حالياً محاولة تحرير بلدتي عطشان والحميدية”.

وقد عانت قوات المعارضة لفترة طويلة من الاقتتال الداخلي والانقسامات، ونتيجة لذلك، خضعت إدلب منذ عام 2017 لسيطرة هيئة تحرير الشام، وهو ائتلاف تُهيمن عليه إلى حدٍ كبيرٍ جبهة فتح الشام، التي كانت تابعة لتنظيم القاعدة قبل أن تعلن انفصالها، رغُم استمرار الشكوك في حقيقة الانفصال.

وقد شعر قطاعٌ كبير من المجتمع الدولي بالانزعاج من نمو هذه الجماعة في المنطقة، خوفاً من تحوُّلها – بعد الانهيار الفعلي لتنظيم الدولة الإسلامية (داعش) – إلى تهديد “جهادي” جديد.

وقد تعرَّضَت الجماعات المعارضة الأخرى للتهميش الشديد منذ صيف 2017، عندما استولت هيئة تحرير الشام على المحافظة من منظمة أحرار الشام التي لم تعد قوية كما كانت. ويُذكر أنّ العديد من تشكيلات المعارضة المتبقية في إدلب قد أصبحت الآن وكيلاً مباشراً عن تركيا، التي تسيطر على أجزاءٍ من إدلب وحلب.

ويرى بعض المحللين أنَّ دفع قوات المعارضة حالياً تقوده تركيا في محاولة لمعاقبة روسيا وإيران لعدم التزامهما بسياسة إنشاء “مناطق خفض التصعيد”، التي كان من المفترض تطبيقها في إدلب.

وقال أيمن جواد التميمي، وهو زميلٌ في منتدى الشرق الأوسط، إنَّه رغم غضب تركيا من الدفع الجديد لقوات الأسد، إلا أن توقُّفه غير مُرجَّح.

وأضاف: “ستكون الصورة النهائية لما يحدث هي استعادة النظام السيطرة على المحافظة إلى حدٍ كبيرٍ، وذلك رغم الوقت الطويل الذي ستستغرقه هذه العملية”.

“كارثة” هيئة تحرير الشام

تُعد هيئة تحرير الشام، التي يُعتَقَد أن قوامها أكثر من 20 ألف مقاتل، هي القوة المُهيمِنة في إدلب، وأدى ضعف الجماعات المعارضة الأخرى – التي تتمركز إلى حدٍ كبيرٍ في جنوبي المحافظة – إلى تحكُّم الهيئة بشكل فعَّال في المنطقة دون منازع.

وقد وصف محمد أبوزيد، المُتحدِّث باسم أحرار الشام، في حديثٍ إلى وسائل الإعلام المعارضة في سوريا، مدى “الكارثة” التي حلَّت بجماعته بعد هزيمة هيئة تحرير الشام لهم.
وزعم أبوزيد أنَّ المُسلَّحين استولوا على أكثر من ألف قطعة من السلاح الخفيف “بما فيها أكثر من 700 بندقية و120 بندقية رشاش و80 قاذفة”، بالإضافة إلى “عشرات المركبات الصغيرة وعشرات الشاحنات والسيارات، وأكثر من 150 قاعدة”، منذ بدء هجومهم في يوليو/تموز.

وقال إنَّ “الموارد الاقتصادية الرئيسية” لحركة أحرار الشام، التي كان يُعتَقَد في السابق أنَّها أقوى وأكثر عتاداً من هيئة تحرير الشام، قد “استولت عليها هيئة تحرير الشام بالكامل تقريباً”.

ومع ذلك، قال إنَّ أحرار الشام “ستكون لها بصمات مميزة خلال المرحلة المقبلة بإذن الله”.

ورغم ميل العديد من فصائل المعارضة في سوريا نحو نسخة ما من الإسلام السياسي، استَعدَت نسخة “السلفية الجهادية” القمعية التي تبنتها هيئة تحرير الشام الكثير من السكان المحليين في ظل حكمهم.

وشهد العام الماضي تظاهراتٍ مُتكرِّرة ضد الجماعة، خاصة في بلدة معرة النعمان، حيث واصلت هيئة التحرير تفكيك جماعات علمانية تابعة للجيش السوري الحر وغيره.

وقال عبدالكافي الحمدو، وهو ناشط إعلامي ببلدة الأتارب في ريف إدلب، إنَّ غالبية سكان إدلب لم يدعموا أفكار الهيئة وأنهم يُفضِّلون رؤية المجموعات الأخرى في الصدارة.
وتابع الحمدو: “بالتأكيد، هيئة التحرير ليست مثل الأسد أو داعش أو القاعدة بشكل عام، ولكن لا تزال لديهم بعض الأفكار غير المناسبة لعقلية الشعب السوري الحر الذي رفض الأسد والطغيان، والذي يسعى حقاً للديمقراطية”.

وقال إنَّ توحيد الجماعات المعارضة الأخرى يجعلها أقوى من الهيئة، ولكن حتى ذلك الحين، قد لا تكون المعارضة مجدية في وجه الأسد ومؤيديه.
وأضاف “إنَّ الفصائل المعارضة لا تتلقى سوى الأسلحة الخفيفة”.

وتابَعَ: “ما حيلة البنادق في وجه الطائرات والصواريخ، وما جدواها في صد البراميل المتفجرة التي قد تُدمِّر حياً؟ نحن بحاجةٍ للمساعدة لنتمكَّن من الدفاع عن أنفسنا”.

وأردف قائلاً: “قد نتمكَّن من الدفاع عن أنفسنا لفترة محددة، لكننا بالتأكيد سنموت في نهاية المطاف، فمال الأسد ورجاله لا حدود لهم، أما حال المعارضة فعلى النقيض”.

“احتمالات مرعبة”

في يوم الإثنين الماضي 15 يناير/كانون الثاني، التقى وفدٌ من مُمَثِّلي الجيش السوري الحر بمسؤولين أميركيين لمحاولة إقناعهم باستئناف برنامج تدريب وكالة الاستخبارات المركزية الذي ألغاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب في يوليو/تموز بشكل غير رسمي.

وقال مصطفى سيجري، وهو مسؤول رفيع المستوى في الجيش السوري الحر، لوكالة رويترز الإخبارية إنَّ الوفد حاول الدفع بالحاجة إلى مكافحة “الهيمنة الإيرانية” في الشرق الأوسط، وهو ما مَثَّل مصدراً للقلق بالنسبة لإدارة ترامب.

ودعا إلى “استئناف المساعدات وشرح مخاطر ترك قوات الجيش السوري الحر المعتدل دون دعم”.

ولا تزال هيمنة هيئة تحرير الشام في إدلب حتى الآن بلا منازع، إذ تُسيطر الهيئة على مدينة إدلب ومعبر باب الهوى المؤدي إلى تركيا، في حين أن سلطتها المدنية (حكومة الإنقاذ السورية) قد حلَّت الهيئات المدنية المحلية، وتواصل محاولتها لتركيز السلطة في يد المُسلَّحين.

ومع ضعف تحمُّس الغرب لتقديم دعم علني لمنطقة تُسيطر عليها مجموعةٌ تستوحي أفكارها من القاعدة، وفي ظل تركيز تركيا، داعم المعارضة الرئيس، على جيب عفرين الشمالي، يأمل قليلون في هزيمة آلة النظام العسكرية.

وكما هو الحال عند سقوط حلب في ديسمبر/كانون الأول عام 2016، يبدو أنَّ المراقبين الأجانب لن يبرحوا أماكنهم وهم يرون بشار الأسد يُجهِز على المعارضة الباقية.

وقالت هبة: “الاحتمالات المرعبة في انتظارنا. نحن مُحاصَرون والحدود التركية مُغلَقة وفي حال غزا النظام أرضنا ستقع كارثةٌ إنسانية بالتأكيد. تبدو الأمور غامضةً للغاية ولا يمكننا توقُّع شيئاً. نحن نعيش في حالة بائسة”.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top