على عكس كثيرين، لم يكترث يوسف محمود “50 عاما” لخبر فرض ضرائب جديدة والتي قد تصل إلى 3 أضعاف سعرها الحالي، فهو لا يدخن ولا يقود سيارة ولا يتناول اللحوم!
فعلى مدى اليومين الماضيين، تصدرت أخبار فرض ضرائب جديدة حديث الأردنيين، فنسبة 16٪ كانت صادمة، خاصة أنها تطال مختلف المنتجات الغذائية وعلى رأسها اللحوم، إضافة إلى المشروبات الغازية والدخان والبنزين، والتي قد يفوق سعرها أحيانا 3 اضعاف القيمة السعرية الاصلية للمنتج.
ولكن الرجل ذي المعطف المهترئ عاقد الحاجبين لديه هواجس أخرى، إذ يعتزم الأردن رفع سعر الخبز المدعوم إلى الضعف. في حديثه لـ “عربي بوست” يقول يوسف “لم نتذوق الدجاح أو اللحوم منذ نحو شهر، ووجبة الفطور التي نتناولها صباحا تكفينا حتى آخر اليوم، قوتنا الجبنة والخبز”.
لم يكن حال منزله الفارغ من أغلب الأثاث أفضل من حاله، فهو يقطن مع زوجته وعائلته المكونة من 5 بنات أكبرهن 19 عاما، وأصغرهن 6 سنوات، في حي من أحياء عمّان الشعبية، وتحديداً في منطقة أم نوارة، جدرانه كانت أكثر كآبة من وجهه عندما تحدث عن الزيادة المرتقبة للخبز.
لا يتمكن الأب الأردني من العمل، ويمتنع أصحاب العمل عن تشغيله، في ظل وضعه الصحي السيئ بعد أن خضع لعمليات جراحية في ظهره لم تفلح في تخفيف آلامه، أو عودته مجددا للعمل كما الآخرين.
وتتضمن القرارات الأخيرة إزالة الإعفاءات الضريبية على المبيعات من بعض السلع، وتوحيد معدلات إعفاء منخفضة بين 48% على عدد كبير من السلع عند 10%، وتركها عند 16% الحد الأقصى للضريبة على سلع أخرى، إضافة لرفع الضرائب الخاصة على التبغ والبنزين العالي الجودة وخفض الرسوم الجمركية.
الخبز هو الأهم
تبقي عائلة يوسف أحسن حالاً من عائلات تعمل معها فاطمة عيسى المتطوعة في أحد المراكز الخيرية بالعاصمة الأردنية، وتروي حكايات عن أسر يتيمة الأب تعاني الكثير من ضنك العيش وقلة المادة أو حتى انعدامها.
تقول “من أحلام أطفال تلك الأسر ساندويش البرغر”، وهو ما دعا المركز الخيري فيما بعد لإمداد تلك الأسر بالمواد اللازمة لتحضير البرغر، ليس فقط للطفل بل لكل العائلة.
يقدم المركز الخيري الذي تتطوع معه فاطمة كفالات شهرية لنحو 7500 أسرة، في مناطق عمان الشرقية، ويمدهم بالمعونات الغذائية الأساسية إضافة للحرامات خلال فصل الشتاء، في ظل انعدام الدخل المادي لتلك الأسر وعجزها عن تأمين متطلباتها، وسوء أحوالها المعيشية.
تتنوع صور الفقر والمعاناة والحرمان المادي لعائلات كثر في عمان، لكن تلك الصورة يبدو أنها غابت عن أذهان صناع القرار الاقتصادي في البلاد، بعد أن أقرت حزمة من قرارات رفع الضرائب، ورفع الدعم عن أهم سلعة على موائد البشر “الخبز”، على نحو سيضع المواطنين غير القادرين في أوضاع لن يتمكنوا فيها من الحصول على أبسط حاجات العيش.
ويوضح الصحفي الاقتصادي سلامة الدرعاوي أن خيارات الحكومة في تحصيل الإيرادات باتت ضعيفة، كونها تعتمد على المساعدات المالية، التي باتت تخضع لشروط سياسية، في ظل الأوضاع السياسية الراهنة. وبالتالي فالحكومة – في رأيه – مضطرة للقيام بهذه الخطوة.
النفقات مرتفعة والأجور ثابتة
على جانب آخر، لم يكن الخبز هو مشكلة بلال “30 عاماً”، الذي يشكو ثقل الميزانية الشهرية لطفله البالغ عاماً ونصف. فهو يعاني من توفير نفقات حليبه الخاص وأكياس غياره “حفاضات الأطفال”، حتى قبل أن تطرأ عليها زيادة الأسعار.
يقول إن الحليب المجفف الأقل من كيلو يكلفه نحو 10 دنانير أردنية (14 دولاراً أميركياً) للعلبة الواحدة، التي تمكث نحو أسبوعين، مضافا إليها كلفة الحفاضات التي تبلغ نحو 7 دنانير أردنية (10 دولارات) بمعدل 10 أيام للكيس الذي يحوي 36 حفاضة.
يشرح بلال أن أي تغيير أو زيادة على أسعار السلع، من المؤكد أنها ستحدث لديه فجوة في مخصصاته المالية، بسبب ارتفاع النفقات مقابل دخل لم يخضع لزيادة.
بلال رغم حصوله على شهادة جامعية وعمله في وظيفة، إلا أنه يعتبر نفسه من أصحاب الدخل المحدود، الذي لا يمكنه من الادخار. فراتبه أقل من 500 دينار، ويتوزع بين إيجار المنزل، وكلفة مواصلاته، وتأمين مستلزمات العيش الأساسية، إضافة لفواتير المياه والكهرباء، وتأمين بطاقات الاتصال الشهرية لهواتفهم النقالة.
بالنسبة له، فإن زيادة الأسعار على مستلزمات الطفل، ربما تدفعه لتغيير وتقليل عدد وجبات طفله من الحليب، أو تغيير نوعه، مقابل المحافظة على عدم “الاضطرار للدخول في عثرات مالية لن تنتهي”.
ويقول منتقدون إن أي زيادة في الضرائب ستقتطع أموالا أكثر من شريحة الموظفين الذين يدفعون ضرائب بالفعل في حين لا تسري على أقطاب الأعمال من أصحاب النفوذ.
ورغم أن الحكومة تقول إنها قررت “صرف دعم نقدي” للمواطنين ذوي الدخول المنخفضة للتعويض عن ارتفاع الأسعار. إلا أن بلال غير متفائل بهذا الكلام حتى يرى آليته وكيفية تطبيقه وقيمة الدعم المتوقعة. هو يرى أن الدعم النقدي لن يعوضه عن ارتفاع النفقات.
لماذا جاءت تلك القرارات؟
يقول الخبير الاقتصادي حسام عايش إن الحكومة من خلال قراراتها تنفذ الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، بما يضمن زيادة الإيرادات الحكومية ملياراً ونصف مليار على مدى 3 سنوات؛ إذ حصلت عام 2017 قرابة 450 مليون دينار (634 مليون دولار)، وخلال عام 2018 ستجمع 540 مليون دينار (760 مليون دولار)، وفي عام 2019 تنوي تحصيل 500 مليون دينار (704 ملايين دولار).
وأوضح أن تلك القرارات تأتي بهدف خفض عجز الموازنة وزيادة اعتماد الحكومة على مواردها الخاصة، كبديل عن المساعدات والمنح الخارجية وضبط المديونية. لكنه طرح تساؤلاً عما إذا كانت الحكومة فعلاً تملك ما يجعلها قادرة على تحقيق تلك الأهداف في ظل أوضاع ينخفض فيها الإنفاق الاستهلاكي.
ويؤكد عايش أن المخاطر الناجمة عن تلك القرارات كبيرة على الاقتصاد والنمو الاقتصادي والثقة باستقرار الأنظمة والتشريعات كبيئة جاذبة للمستثمرين، مشدداً على أن تلك القرارات “قفزة في المجهول” فيما يتعلق بالقدرة على التحصيل الحكومي للإيرادات وقدرتها على ضبط النفقات وضبط عجز الموازنة والقدرة على عدم اللجوء للاقتراض.
خبراء الاقتصاد يعتقدون أن خفض الدعم سيزيد من محنة فقراء الأردن، وهم أغلبية سكان البلاد منهم يوسف الذي ربما يكتفي في لحظة ما بوجبتين بدلاً من 3 وجبات غذائية، خاصة أن رفع الخبز بالنسبة للبعض يمثل القوت اليومي ويؤثر على الإنفاق المحدد للطعام والشراب.
تلك القرارات قد يكون لها تداعيات على مستوى الأمن والأمن الاجتماعي، إذ يتلقى المواطن مزيداً من الضربات فيما يتعلق بقدرته على التكيف مع تلك القرارات أو تحديد سلم أولوياته المعيشية، أو حشر فئة كبيرة من المواطنين في سلة غذائية تنخفض جودتها وكمياتها.