“حكمٌ بالإعدام”.. فلسطينيون يندِّدون بقرار ترامب حول الأونروا: كرامتنا وأمننا في خطر

طالبت وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وهي الوكالة الرئيسية التي تقدم المساعدات إلى ملايين اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأوسط، على نحو عاجل، بالحصول على الدعم الدولي، الأربعاء 17 يناير/كانون الثاني 2018، بعد يوم واحد من إعلان الخارجية الأميركية عن عزمها خفض مساعداتها السنوية التي تقدمها إلى الوكالة.

وكتب المفوض العام للوكالة بيير كراهنبول على موقع تويتر: “بعد عقود من العطاء السخي، يؤدي خفض المساعدات الأميركية إلى وكالة الأونروا إلى تعرض الوكالة إلى أكبر أزمة مالية في تاريخها. أدعو الدول الأعضاء بالأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف، والتأكيد للاجئين الفلسطينيين على أهمية حقهم ومستقبلهم”.

وفي بيان أكثر تفصيلاً إلى وسائل الإعلام، ذكر كراهنبول أن المساعدات الأميركية التي بلغت 60 مليون دولار، أي أقل من نصف الدفعة المستحقة البالغة قيمتها 125 مليون دولار، تقل إلى حد كبير عن المعدلات السابقة، وتعرض “كرامة وأمن ملايين اللاجئين الفلسطينيين المحتاجين للمساعدات الغذائية العاجلة وغيرها من وسائل الدعم” إلى الكثير من المخاطر، وفق ما ذكرت صحيفة واشنطن بوست الأميركية.

والولايات المتحدة هي الممول الأكبر للأونروا. وصرَّحَت إدارة ترامب بأن ذلك يضغط في اتجاه إصلاحاتٍ من المنظمة لم تُحدَّد بعد، فيما تسعى للحصول على مساهمةٍ أكبر من دُولٍ عربيةٍ.

كرامة وأمن اللاجئين في خطر

وفي مخيم النصيرات للاجئين في غزة، ذكر أحمد العسار البالغ من العمر 42 عاماً أن أسرته المكونة من ثمانية أفراد تتلقى المساعدات من الأونروا منذ نحو 12 عاماً.

وقال العسار: “أعمل بدوام جزئي في مجال البناء، ولكن ذلك العمل لا يكفي لتغطية كافة مصروفاتي. وسوف يكون أي خفض في المساعدات بمثابة حكم بالإعدام على اللاجئين في غزة. ولا يكاد يوجد مجال عمل أو وظائف. ولا يحصل هؤلاء الذين يعملون لدى السلطة الفلسطينية سوى على المعاش، بينما يحصل موظفو حركة حماس على ربع الراتب الشهري فقط.

ووصفت إحدى سكان المخيم، وهي زاهية مقداد، خفض المساعدات باعتباره “قراراً سياسياً محضاً” لن يؤذي سوى المواطن العادي.

وقالت مقداد: “حدث خفض سابق في حجم المساعدات خلال السنوات الأخيرة. وفي حالة إجراء خفض آخر، سوف يعاني النساء والأطفال والشباب، وليس رجال السياسة”.

وكان قرار الولايات المتحدة بالحد من المساعدات التي تقدمها إلى الوكالة الأممية جاء في أعقاب تهديد الرئيس ترامب هذا الشهر بمنع المعونة، إذا ما رفضت السلطة الفلسطينية المشاركة في عملية السلام التي تتولى الإدارة الأميركية رعايتها.

وكتب ترامب على موقع تويتر: “تدفع الولايات المتحدة للفلسطينيين مئات الملايين من الدولارات سنوياً. ومع ذلك، حينما يرفض الفلسطينيون المشاركة في عملية السلام، فلماذا نسدد تلك المبالغ المالية الطائلة إليهم؟”

اعتبر الفلسطينيون تهديد ترامب بمثابة ابتزاز، ودليل آخر على انحياز إدارته لصالح إسرائيل. وبعد اعتراف الرئيس بالقدس عاصمةً لإسرائيل، أشار الفلسطينيون إلى أن الولايات المتحدة ليست وسيطاً أميناً في عملية السلام. وأدى ذلك الإعلان إلى إثارة الاحتجاجات في المنطقة، ما أدى إلى مصرع جندي إسرائيلي و17 فلسطينياً على الأقل.

وفي كلمته التي ألقاها يوم الأحد في رام الله، انتقد رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إسرائيل وترامب، واعتبر اتفاق السلام الذي ترعاه الولايات المتحدة بمثابة “صفعة القرن”، وقال إن الفلسطينيين سوف يردون الصفعة.

مانحون جدد

وذكرت المتحدثة باسم الخارجية الأميركية هيذر نويرت، أن خفض المساعدات لا يستهدف معاقبة أحد، ولكنه بمثابة نظرة فاحصة للإدارة الأميركية تجاه الأونروا، في محاولة للتأكد من حسن إنفاق المساعدات حتى يتمكن الشعب الفلسطيني من الحصول على أفضل الخدمات”.

وقالت أيضاً إن الإدارة شعرت أنه “ينبغي أن تكون هناك مشاركة في تحمل تلك الأعباء”.

وأضافت نويرت: “كانت الولايات المتحدة في الماضي هي الجهة المانحة الوحيدة لوكالة الأونروا. ونود أن تتقدم البلدان الأخرى وتشارك بالفعل في المساعدات المقدمة إلى الأونروا”.

وقال كريس غانيس، المُتحدِّث الرئيسي باسم المنظمة: “نتواصل بالتأكيد مع المانحين الرسميين، وكذلك مع العالم العربي، ومع مانحين غير تقليديين للأسواق الناشئة ومع أفراد، على أمل تغطية الناقص من الدعم المُقدَّم لنا”.

وتحرَّكَت إدارة ترامب، التي سبَّبَت عجزاً يبلغ نحو 150 مليون دولار من ميزانية المنظمة البالغة ما يقرب من 1.25 مليار دولار، وجذبت الانتباه مُجدَّداً نحو المنظمة الممتدة التي تعمل بشكلٍ شبه حكومي في مناطق في الشرق الأوسط، وكانت تُهاجم بشكل مثيرٍ للجدل في أغلب فترات تاريخها. وقد أعادت بذلك الأسئلة السياسية المُتكرِّرة حول تحديد من يستحق وصف لاجئ – وعن الدور الأنسب للمنظمة المُكلَّفة برعايتهم.

وتُقدِّم الوكالة خدماتٍ تعليمية وصحية وترفيهية إلى الفلسطينيين الذين فرَّ أسلافهم أو أُجبِروا على ترك منازلهم حينما نشأت دولة إسرائيل منذ 70 عاماً. وتقع مخيمات اللاجئين التابعة للوكالة في الضفة الغربية المحتلة وغزة والأردن ولبنان وسوريا.

وذكر مدير وكالة الأونروا في غزة ماثياس شميل “إننا ندعم مليون شخص بالغذاء. وتعد الولايات المتحدة أكبر جهة مانحة لنا… وسوف تكون الأمور على ما يرام خلال الربع السنوي الأول ونأمل أن يتسع الوقت لنا لإقناعهم على تغيير رأيهم و/أو العثور على جهة مانحة أخرى”.

طالما ذكرت إسرائيل أن وكالة الأونروا تساعد على استمرار مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بدلاً من حلها، ما يؤدي إلى إطالة أمد النزاع وجعل عملية السلام ضرباً من ضروب المستحيل.

وذكر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال اجتماع وزاري مؤخراً، أن وكالة الأونروا تدعم “قضية حق العودة من أجل القضاء على دولة إسرائيل”.

التنازل عن حق العودة

وقال نتنياهو: “الأونروا تريد أن تتحدى العالم وتخلق وضعاً يتواجد به أحفاد اللاجئين، ممن يخضعون لرعاية الوكالة دون أن يكونوا لاجئين أنفسهم. وسوف يمضي 70 عاماً أخرى ليصبح لهؤلاء الأحفاد أحفاد آخرون؛ ومن ثم، ينبغي أن تتوقف هذه السخافة”.

وذكر منير مقدح، أحد المسؤولين الأمنيين بمخيم عين الحلوة، أكبر مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، أن القرار يعد بمثابة “محاولة لدفعنا للتنازل عن مطلبنا بالعودة”. وأضاف “لن يحدث ذلك. فلن نتنازل عن حقنا في العودة إلى أراضينا”.

وذكر مقدح أن قيادة المخيم تعقد اجتماعات مكثفة بشأن الخطوات الواجب اتخاذها في ضوء هذا القرار.

وقال: “وفي غضون ذلك، سوف ندعم المقاومة داخل فلسطين المحتلة بشتى السبل”.

وقد حذرت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية منذ عهد طويل من تفكيك الوكالة وتصفيتها خشية أن تتفاقم الأزمات القائمة بالفعل، وخاصة في قطاع غزة الذي يعاني الفقر المدقع، بما يثير التطرف ويشعل فتيل العنف ويضعف القيادة الفلسطينية.

وذكر حسام زملط، رئيس الوفد الفلسطيني إلى الولايات المتحدة، أن “وقف المساعدات الغذائية والتعليم عن اللاجئين الضعفاء لا يحقق سلاماً دائماً وشاملاً”.

وقال “ينبغي ألا يكون حصول اللاجئين والأطفال الفلسطينيين على الخدمات الإنسانية الأساسية، مثل الغذاء والرعاية الصحية والتعليم، خاضعاً للمساومة، بل لابد أن يكون التزاماً أميركياً ودولياً”.

وقال زملط إنه باستبعاد القدس من المفاوضات ثم محاولة إلغاء قضية اللاجئين الفلسطينيين من خلال تقويض الأونروا، “فإن ترامب يحذو حذو نتنياهو”.

وذكرت حنان عشراوي، عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، أن إدارة ترامب “تستهدف القطاع الأكثر ضعفاً من الشعب الفلسطيني وتحرم اللاجئين من حقهم في التعليم والرعاية الصحية والمأوى والحياة الكريمة”.

وقال إنها تسعى بذلك إلى “خلق ظروف تؤدي إلى المزيد من زعزعة الاستقرار في أنحاء المنطقة”.

وكانت منظمة الأونروا قد تأسَّسَت عام 1949 لمساعدة أولئك الذين طُردوا أو هُجِّروا من بيوتهم إبان حرب 1948. ومع أنها كانت قد تأسَّسَت على أن تكون مؤقتة، فقد عرَّفَت مفهوم اللاجئين تعريفاً فضفاضاً، وتوسَّعَت فيه عبر الزمن. ويقول منتقدون إن فارقاً جوهرياً بين المنظمة وبين مكتب المفوضية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، وهو أن المنظمة تتيح بشكلٍ روتيني توارث وصف لاجئ عبر الأجيال. وهناك فارقٌ آخر وهو أنها لا تزيل من قوائمها أسماء اللاجئين الذين حصلوا على جنسياتٍ من دولٍ أخرى، ولهذا فالأعداد دائماً في ازدياد.

وهكذا زاد التعداد السكاني للاجئين الفلسطينيين من نحو 700 ألف، قد طُرِدوا من بيوتهم أثناء حربي 1948 و1967، إلى أكثر من 5.2 مليون فلسطيني، يعيشون اليوم في مخيمات تديرها الأونروا في غزة والضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top