من وحي غيثة.. جدلية الهوية والانتماء
هذه المرة كانت في يد غيثة أوراق تحمل شعار أحد الأحزاب المغربية.. لا قصاصات المنشورات التي كانت تدبجها أصابع الخمراري في سنوات الموت من أجل الحياة
هذه المرة كانت في يد غيثة أوراق تحمل شعار أحد الأحزاب المغربية.. لا قصاصات المنشورات التي كانت تدبجها أصابع الخمراري في سنوات الموت من أجل الحياة
وبعد استكانة الحديد والرصاص إلى صمت المخازن، واعتكاف المقاتلين النشامى لصمت مقابر، تضم في ثناياها رفاق السلاح والكفاح، استحال الرجال الذين كانت “شواربهم” رمزاً للأنفة ذات صيحات الحق خضم المقارعة، إلى تجار مبادئ، وبائعي وَهْم، وسقاء سراب في كؤوس القضية..
ليس بالضرورة أن تكون النزعة القبلية عند مجتمع الصحراء، فقط نزعة الدم، التي تجعل من القرابة متصلة بالأب وحده، وتسير في خط الذكور أو ما يطلق عليه بـ”الخط الأبوي”، الذي يعتبر الأم وأقاربها أباعد عن القبيلة، أو العشيرة أو الأسرة،
اليوم في الوطن الدافئ الحضن، اكتشفت أنه عندما كتب “محمد ولد أمين” روايته “منينة بلانشيه”، لم يكن فقط يجسد انشطار الهوية والانتماء في موريتانيا، بل كان يصور ببراعته نفس الآفة التي يعيشها أهل الكثيب.
طعم الحنظل هذا ألفناه، يوم أسلمنا رمة ناقة القضية لأشقاء “أبي الخيزران” الخصي، (الذي لا هم له إلا جمع المال بأي طريقة كانت)، بعد أن وضعونا في صهريج الرمل الشرقي، الذي خنق أنفاسنا حد الموت.. والفرق بيننا وبين أبو قيس، ومروان، وأسعد، أنهم كانوا ثلاثة فقط في خزان الماء، ونحن شعب بأكمله في خزان الرمل.
من هذا المنطلق، يمكننا القول إن القهر السياسي كان عامل ضغط، سرعان ما انفجر في وجه “حراس النيات”، مخلفاً وراءه سيل حبر جارفاً بكل مواقع التواصل، والجرائد الإلكترونية، قصاصات بوح رقمي، وكتابات إلكترونية، تتأرجح نشوانة بخمر الحبر، وتتلوى بكي بؤس الحال، وأغوار سؤال الذات والهوية، وتسحق بأحذية قلة التعليم والقراءة الخشنة.
فهل التدوين الإلكتروني بالصحراء قفزة حداثة أم تعطش للكتابة لترميم ما فات؟!
من هنا سافرت إلى مدن الحب والثورة، زمن الكوليرا مع ماركيز، في رواية الحب في أبسط أشكاله، الحب اللاتيني.. رواية العناد والتحدي بعد مرور أكثر من نصف قرن.. رواية الصبر حتى اللانهاية، رواية الحزن، فمن منا لم يحزن على “فلورنتينو اريثا”، ومن منا لم يهتز عندما قالت “فيرمينا دارا”: يا للرجل البائس.. رواية الحب المطلق والتحدي المطلق والحزن المطلق.. إنها أسطورة الحب الخالد، الذي يتحدى كل العوائق الوهمية المتمثلة في الزمان والمكان، والظروف الاجتماعية وحتى العمر..
فانقسمنا إلى جزأين يفصل بينهم جدار يسيج الوطن المنهك والمنتهك، هنا حياة لا تشبه الحياة، وهناك لجوء لا يشبه اللجوء، المحصلة، انشطار في الهوية والانتماء، بين المغرب والجزائر، حتى صرنا الإخوة الأعداء سراً، والإخوة الأحبة ظاهراً، نحزن لأحزان من هناك، ونفرح لأفراح من هنا، في الآن نفسه
فهل يا سادة مدينتنا التي ستعيش ليالي الأنس والطرب في شهر رمضان المعظم، تعرف بنية تحتية قادرة حقاً على حمل هذا العنصر البشري، الذي وضعتها الجهة بكرم حاتمي لخدمته، في شعار لياليها.
رأى نفسه زمن كانت فيه السواعد “معلومة”، والرجال تلوذ عن الحمى مندفعة للموت من أجل حياة كريمة.. فأنشد بقول الشاعر يرثي به حاله ويتأسف على زمن أشباه الرجال.. أولائك الذين يتباهون بمدافعهم كالأطفال في أعياد عاشوراء