الجماجم المبتسمة في الشرق والغرب

في فصل العلوم، كان هناك هيكل عظمي معلق أمام الطلبة وبعض العظام الملقاة على الطاولة التي تتوسط قاعة الدارسة، عظام لحيوانات مختلفة طلبت المدرسة من الطلبة إحضار ما يستطيعون إحضاره منها، المدرسة تشرح الموضوع والطلبة يراقبون بكل اهتمام، بالنسبة إليهم هو شيء جديد يثير فضولهم، بعض الطلبة يسجلون المعلومات والملاحظات، الجميع مشغولون بالمراقبة والاستماع والاستمتاع والكتابة، طالبة تجلس غير بعيد مما يحدث في زاوية القاعة، لكنها تعيش في عالم آخر غير عالم الدراسة، تعيش واقع لا تعيشه، جسدها هنا وروحها هناك، تتخيل والدها الذي مات منذ بضع سنوات، تراه أمامها بابتسامته المشرقة التي لم تكن تفارق محياه، لم يكن والدها من الشخصيات المعروفة أو من رجال الأعمال المغمورين.

هو إنسان بسيط يعيش الكفاف، ولكنه كان محبوباً من جميع من عرفوه، اعتبره أهل القرية كبيرهم، الحكيم والشخص الملهم ليس بماله أو جاهه أو سلطانه، ولكن لأنه ممن كانوا يأخذون الأمور ببساطة، ومن الذين يبتسمون دائماً حتى في أحلك الظروف، اعتبره البعض أحمق أو معتوهاً لأنه دائم الابتسام، تتذكر أباها وهو جالس بينهم في المنزل وابتسامته المشرقة التي تقول الكثير، كيف كان يلاعبها، حلاوة حديثه وحنيته وطيبة قلبه التي انعكست على كل ملامحه.. كم افتقدتك يا أبي وكم اشتقت إليك!

لاحظت المدرّسة انشغال الطالبة وعدم تركيزها في ما تقدمه فباغتتها بسؤال: هل تستطيعين أن تلخّصي لي ما شرحته لكم؟ تلعثمت الفتاة واضطربت وسالت على خدَّيها دموع مليئة بالأحزان والألم، وضعت رأسها على الطاولة وأخذت تبكي بكاء مريراً، لم تمضِ لحظات إلا ويد حانية تلمس كتفها وتشد عليها، التفتت فوجدت المدرسة بالقرب منها واقفة تخبرها: ابنتي هل هناك من مشكلة؟ هل أنت بخير؟ الطالبة تشعر بالوحدة فقد كانت تبحث عن السند الذي كان يحميها من كل شيء، كانت تريده موجوداً، لكنه تحت الثرى، مسحت دموعها وابتسمت وكأنها علمت أنه موجود معها، وأنه يبتسم لها ويراها، في غرفة المرشدة الطلابية، سألت المرشدة الطالبة عما أصابها، فحكت لها قصتها، وكيف أنها فقدت أباها.

تعاطفت المرشدة مع الطالبة، ولكنها سألتها: ولكنك في درس عملي والمدرسة تتحدث عن الهيكل العظمي فما علاقة ذلك بما تشعرين؟ هنا قالت الطالبة: عندما رأيت الهيكل العظمي تذكرت الموت، وتذكرت كيف أنه لا يبقى من الإنسان شيء إلا هذا الهيكل العظمي، مجرد عظام تبقى شاهدة على رحيلهم، وتلك الابتسامة في الجمجمة أمر غريب، تعجبت المرشدة: ابتسامة؟ أي ابتسامة تقصدين؟ قالت الطالبة: أنا أعلم أنك رأيت الهيكل العظمي مراراً وتكراراً، ولكن هل لاحظت أن جمجمة الإنسان دائماً مبتسمة؟ هل سبق أن رأيت جمجمة عابسة؟ فعلاً أستاذتي هي تبتسم دوماً وكأنها تقول لنا إن الابتسامة ستظل موجودة حتى بعد أن نموت ونرحل، وأنها موجودة في أساس الخلق، هذا ما ذكرني بأبي رحمه الله.

Leave a Comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top